![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
هذا الموقع مخصص للعلاقات الزوجية المهذبة و الثقافة الجنسية و لا يتضمن أى صور أو أى مواد مثيرة و لكن به من الموضوعات مالا يناسب من هم أقل من 18 سنة.
|
|||||||
| اللغة العربية وفنونها قصص خيال , قصص ادبية , فن الرواية |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#17 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
السَّيد الصَّغير
عرف البارون راجونا من الفلاحين الذين كانوا يتوجهون كل يوم إلى المدينة، محملين بغالهم بمنتوجات الريف، أن ابنه قد أصيب بمرض خطير. وكانوا قد نقلوا إليه من قبل خبر مرض زوجته، ولكنه لم يكن ليهتم بها. لقد كان زواجه خطأ، وحماقة من الحماقات التي اندفع إليها استجابة إلى طموح الشباب. كان من أبناء الفلاحين الفقراء، ولكنه استطاع بعمله أن يصيب حظاً كبيراً من الثراء وأن يشتري بإقطاعه لقب بارون فيتزوج ابنة البارون المركيز نجرللي، التي ربيت ونشأت منذ كانت صغيرة في فلورنسا، حتى أصبحت كما يقول، لا تفهم اللهجة الصقلية. كانت شاحبة، شقراء، ونحيفة كأنها زهرة من زهرات الجبال. أما هو فقد كان قوياً، وثيق الكيان، أسمر البشرة، بل هو أسود كأنه إفريقي. ملامح فظة، وعيون قاسية، شوارب غليظة، وشعر كثيف فاحم جعد. إنه الآن يحس بالفخر كلما انتسب إلى الفلاحين، بعد أن تحقق من فشل زواجه بابنة المركيز نجرللي. لم يكن كلاهما في حاجة إلى وقت كثير لكي يدركا استحالة العيش معاً، تحت سقف واحد. كانت تبكي دائماً، وكان يؤمن بأنه ليس هناك أي سبب يدعوها إلى البكاء الذي كان يضجره ويحنقه، فيرد على دموعها بالتأفف والازدراء. وولد لـهما من هذه العلاقة الفاشلة، طفل أشقر شاحب، نحيف مثل أمه. وقد أظهرت أمه، منذ الأيام الأولى غيرة عليه، حتى أنه لم يستطع أبداً أن يمسه، بل لم يستطع أن يراه تقريباً، ولذلك فقد هجر المدينة دون أن يهتم بأحد أو يقدم الأسباب إلى أحد. لقد أراد أن يفعل ما يروق لـه . وهو حر في أن يفعل ما يراه محققاً لراحته. وذهب إلى الريف، مسقط رأسه، واصطحب معه بارتولا الفتاة الجميلة، ابنة موكله الذي مات منذ عام. فلاحة تفيض عافية، وتمور بهجة، وتمتلئ نفسها طيبة ووداعة. وقد استقبلت بارتولا حب سيدها الشاب على أنه تشريف وتعطف حقيقي!.. واستولدها ابناً، كان أسمر مثله، صلب العود، سميناً. وهناك في الريف، وفي صحبة بارتولا، ظفر براحة لم يستطع أن يحققها مع زوجته التي كانت سعيدة بابتعاده عنها. إن البارون يعترف بأن كل شيء بينهما قد انهار بسبب حماقة طائشة. فلم يطق أن تعامله زوجته الأرستقراطية، من أعلى إلى أسفل، في تلك المرات القليلة التي كان يقصدها لزيارة ابنه. وقد أحس بدمه يختلط ويفور حين تحقق من احتقارها لـه . إنها لا تراه جديراً بامرأة غير بارتولا التي يعاشرها في الريف. وصرخ فيها، حانقاً من انصرافها عنه: ـ أحبك.. إنك في النهاية زوجتي. ولكنها تمردت في شموخ واعتزاز على ذلك العنف الذي استخدمه ضدها، والذي أراد به أن يثيرها ويغيظها. وأعماه الغضب، فاندفع بأكثر من إحساس الانتقام لكرامته المهانة، وانفجر في ضحك ساخر.. قائلاً: ـ تلك على كل حال.. أحسن منك مئة مرة. ومنذ ذلك اليوم لم يعد إلى المدينة، ولم يعد يهتم بما يصله من أخبار عن مرض زوجته. أما أن يصاب ابنه بمرض،ومرض خطير، فإن الأمر يهمه كثيراً. يا لـه من صغير مسكين.. لم يره منذ خمس سنوات. إنه يشعر بضميره يؤنبه. إنه شيء من دمه، يحمل اسمه، اسم راجونا، وسوف يكون وريثه. ومع ذلك فإنه ينشأ في أحضان أسرة نجرللي، خالصاً لأمه التي ربما كانت تملأ وجدانه بالحقد على والده الذي لا يعرفه. إنه يتذكر، إنه كان جميلاً جداً كأنه ملاك، بشعره الذهبي، وعينيه الصافيتين السماويتين. ترى كيف حاله الآن؟ بعد خمس سنوات. إنه مريض في خطر. ماذا يكون الأمر إذا مات دون أن يعرف والده.؟ كانت بارتولا في تلك الأيام، قد احتفظت بابنها بعيداً عن السيد، الذي كانت تراه حانقاً غاضباً مستغرقاً في التفكير من أجل ابنه الآخر. وكانت تفهم، بطيبة قلبها وإخلاصها وصفاء سريرتها، أن السيد، لن يتقبل رؤية تانوتو مرحاً لاهياً، في تلك الأوقات. وكانت في نفس الوقت تخشى أن يسيء إلى ذلك الطفل البريء، فيدفعه عنه كأنه كلب مزعج لجوج. وكانت هي لا تجسر إلا في القليل النادر، على سؤاله عن أخبار الطفل المريض. كان يجيبها في قسوة وثورة: ـ لا أعرف شيئاً.. لم يعودوا يخبرونني بشيء. ولم تكن بارتولا لتتألم من هذه القسوة أو هذا الاستعلاء. كانت تبرر ذلك بشدة الألم الذي يحسه من أجل طفله. وكانت تضم يديها وترفع عينيها، متضرعة إلى السماء، تصلي من أجل ذلك الطفل الذي ينبغي أن تعجل العذراء المقدسة بشفائه. إنها لا تطيق أن ترى سيدها يتعذب ويتألم بهذه الصورة. وفي أحد الأيام، أحنقه توسلها إلى العذراء فصرخ فيها قائلاً: ـ دعي العذراء.. إني أعر ف أن موت ابني سوف يسعدك. وفتحت بارتولا عينيها وذراعيها، مندهشة، جريحة القلب، لا تكاد تصدق أن تطوف مثل هذه الفكرة بذهن سيدها. وارتجفت قائلة: ـ ماذا يا سيدي... ألا تدري بأني مستعدة لأن أهب حياة ابني من أجل ذلك السيد الصغير؟ وغطت وجهها بيديها وانفجرت في البكاء. كان البارون قبل لحظات من هذا الموقف، مستنداً بجبهته على زجاج الشرفة. فأبصر تانوتو يداعب الكلب في الميدان الصغير، الذي يقع أمام الفيلا. فطافت بنفسه تلك الفكرة الشريرة التي أغضبت بارتولا. وقد ندم على قسوته في إظهار تلك الفكرة. ولكن كبرياءه لم تسمح لـه بالاعتذار والتعبير عن ندمه، بل أحنقه بكاء بارتولا الذي تسبب فيه بظلمه وسوء ظنه. وصرخ، رافعاً قبضتي يديه في الهواء: ـ ابني لن يموت.. ينبغي ألا يموت.. لا أريده أن يموت.. أتفهمين؟ أجل، إنها تفهم، بارتولا تفهم أن ابن السيد.. الابن الحقيقي، إنما هو ذلك الآخر الذي يقيم مع أمه في المدينة. أما تانوتو فهو ابن فلاحة فقيرة. لن يهز موته السيد، بل سوف يزيح عنه كثيراً من المخاوف والآلام، ويجنبه كثيراً من المتاعب القاسية التي يتوقعها. بينما يكون الهلاك في موت ذلك السيد الصغير (لينقذه الله). إنه غني وجميل، وقد خلق ليعيش ويستمتع بالحياة. وينبغي على الله أن يحميه ويرعاه!!.. وفي غروب ذلك اليوم نفسه أسرج حصانه وسافر إلى المدينة في صحبة حارسين من فلاحيه. ووصل إلى المدينة عند الليل، ودخل دار نجرللي. فوجد المركيز قد وصل من روما. حث يقيم هناك، مبدداً آخر أرصدته على النساء. واستقبله بنفس الترحيب المعتاد متظاهراً بأنه لا يفهم شيئاً في الموضوع. ـ أهلاً.. يا عزيزي البارون... ـ احتراماتي. قال ذلك في غضب. ونظر إلى صهره نظرة حادة، وتركه باسطاً يده؛ وحين رآه يرفع تلك اليد ليربت بها على كتفه في مودة.. أضاف قائلاً.. ـ أرجوك.. لا تقربني.. أين ابني؟ فتنهد المركيز، ورفع يديه إلى أطراف شنبه المدهون بالشمع، وقال: ـ إنه في حالة سيئة، يا عزيزي البارون.. تعال.. تعال. فسأله البارون في حزم وصرامة: ـ هل هو مع أمه في حجرة واحدة؟ فأجاب المركيز: ـ لا.. لقد نقلناه إلى حجرة أخرى.. لأنه.. كما تعرف، في حاجة إلى الهواء، إلى هواء كثير. والهواء يضر بأمه. إنه مصاب بالتيفوس. يا عزيزي البارون، حتى إنني فكرت.. فقاطعه البارون راجونا في جفاء: ـ أين مكانه.. دلني عليه؟ لقد أصبح بعد خمسة أعوام، يحس بالغربة في بيته، ولم يعد يعرف شيئاً، خلال التغيرات التي أدخلتها زوجته على البيت. وحين دخل حجرة الطفل المريض، وقعت عيناه أول ما وقعت، على راهبة، فاضطرب اضطراباً عنيفاً. وقد لاحظ المركيز ذلك فأخذ يشرح لـه : ـ لقد دعوتها أنا.. أريد أن أقول.. طالما كانت أمه لا تقدر على العناية به. فمن ترى أولى منها بالرعاية الحنون؟ وختم كلامه بابتسامة ناعمة موجهة إلى الراهبة الشابة التي خفضت بصرها تحت أجنحة غطاء رأسها الأبيض. ـ أنا هنا الآن. قال ذلك البارون، واقترب من السرير، ثم أخذ يتأمل الطفل الصغير الذي أصبح شاحباً كالشمع، وقد تحول جسده إلى هيكل عظمي لا يكسوه غير قليل من اللحم. وأخذ يهتف به: ولدي.. ولدي.. يا عزيزي يا ولدي. كان الصغير في سريره، ينظر إليه في دهشة وذهول. إنه لا يعرف هذا الذي يدعوه بتلك الطريقة. وأدرك البارون الحيرة في نظرات الطفل، فانفجر في البكاء. ـ إنني أبوك يا ولدي.. أبوك.. أبوك.. أبوك الذي يحبك كثيراً. وانحنى على السرير، وأخذ يداعب وجه الطفل الشاحب، ويقبل يديه الصغيرتين في رفق. هنا وهناك. فوق أصابعه الصغيرة ثم راحتيه، ثم ظاهر يده.. ويردد.. يا إلهي ما أشد حرارتهما. ولازم ذلك السرير لم يتحول عنه ليلاً ولا نهاراً، مدة شهر كامل. وسرح الراهبة التي كان يتشاءم من وجودها. ورغب في أن يقوم بنفسه بكل ما يحتاجه ابنه من رعاية. دون أن يستريح لحظة. دون أن يغمض عينيه، عدة ليال طويلة. ورفض حتى الأكل. ورفض كل مساعدة تقدم إليه من أهل البيت. ولم يستفسر عن زوجته، ولا حاول أن يتعرف على المرض الذي تشكو منه. لم يعش في تلك الأيام إلا من أجل ولده، الذي أخذت صحته في التحسن، وشيئاً فشيئاً، بفعل تفتحه الغريزي لـهذا الحب الدافئ الذي غمره به والده، في كل ما أحاطه به من ألوان العناية. حتى أصبح الطفل غير قادر على الاستغناء عن والده. كان يعانقه بشدة ويداعبه بيديه الصغيرتين بينما يكاد والده يغص من تأثره بهذه العاطفة التي يظهرها ابنه نحوه. وحين تم الانتصار على المرض نصحه الأطباء بأن ينقل ابنه إلى الريف، حتى يعجل تغيير الهواء بشفائه. قال للأطباء: ـ لقد فكرت في ذلك قبل أن تنصحوني. وأعطى أوامره بالسفر. واستعد وتهيأ، وفكر في كل الأشياء حتى يوفر لابنه المريض كل وسائل الراحة في الريف، فلا يحوجه إلى شيء. ولكن زوجته المريضة، ما كادت تعلم بهذه الاستعدادات للسفر، حتى خافت أن يكون زوجها قد صمم على أن ينتزع منها ابنها إلى الأبد، فثار ثائرها. وكان ضحية النزاع المتجدد، المركيز والدها الذي كان يسعى بين الطرفين، وينقل في أمانة رأي كل طرف في الموضوع. وقد جهد في أن يلطف الجو ليصلا إلى أحسن الحلول. ولكن البارون قطع عليه الحبل قائلاً: ـ أخبر ابنتك.. إنني أنا الأب.. وأنني أنا الذي أحكم. فحاول المركيز أن يعترض لصالح ابنته: ـ صحيح.. أنت الأب.. ولكن.. هناك في الريف.. أقصد وضعك في الريف.. فرد عليه بنفس اللهجة المعتادة: ـ قل لابنتك أني أعرف واجبي كأب.. وهذا يكفي. وفعلاً، أمر الفلاحين القادمين من الريف، أن ينقلوا إلى بارتولا رغبته في أن تغادر الفيلا، وان تتحول هي وابنها للسكنى في البيت القروي. __________________ |
||
|
|
|
|
|
#18 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
رد: صوت في الظلام "قصص إيطالية"
وقبل أن يسافر، اتفق مع زوجته على أن يبقى الابن معه في الأشهر الكبيرة، كما كان يسميها بلغة الفلاحين، ويقصد بها الأشهر التي تقع بين مارس وسبتمبر. أما الشتاء، أي الأشهر الصغيرة، فيقضيها في المدينة مع أمه. وقد بدا لبرتولا أن أمر السيد عادل وطبيعي. إنها لا تستطيع أن تقيم في الفيلا إذا جاء السيد الصغير. ودون أن تفكر في الإساءة إلى سيدها كانت تشعر أنه ينبغي أن يُنعم عليها، ويتعطف فيسمح لـها بخدمة السيد الصغير، حيث أن امرأة أجيرة، لا يمكن أن تخدمه بما يفوق حبها وحماسها. كانت واثقة من التشرف بهذا العطف. ولذلك ظلت تعمل كالأجيرة، في تنظيف الفيلا، وإعداد الحجرة التي ينام فيها سيدها مع السيد الصغير. وأحست بذراعيها يتخاذلان، حين رأت في اليوم التالي، خادمة تهبط من العربة، وكانت تبدو كأنها سيدة، وقد مد لـها البارون ابنه الملفوف في وشاح. ثم رأت بعد ذلك الطباخ ومساعده يهبطان من العربة. ماذا.؟ إنه يحتفظ بها كمحظية، كعاهرة؟ حتى المطبخ؟ حتى المطبخ؟ لم يرد أن يسمح لـها بأحط الخدمات؟ وترقرق الدمع في عينيها، ولكن البارون رماها بنظرة متعالية منعتها عن البكاء. فأحنت رأسها. وذهبت بقلب منفطر تبكي هناك في الحجرة التي تسكنها هي.. وتانوتو. وبكت.. بكت كثيراً.. ثم نظرت من النافذة، فرأت ابنها واقفاً على أحد الكثبان، يحرس ويراقب الدواجن. يا لـه من ولد مسكين. لقد أبعدته حتى لا يسبب المتاعب ساعة وصول السيد. ومع ذلك فإن المتاعب لم ترحم سنه الصغيرة، بل أخذت تلاحقه من الآن، طالما كانت معاملة السيد بهذه الطريقة. لقد نقل السيد ابنه إلى الريف. ربما كان معنى ذلك، أنه تصالح مع زوجته. وأنها سوف تطرد. وتعود إلى بلدها لتقيم مع أمها العجوز، أو تعمل خادمة في بعض الأماكن الأخرى. وحين يكبر تانوتو يتحتم عليه أن يقدم إليها في شيخوختها قطعة الخبز. وقررت أن تنفصل عنه في الحال. ولكنها لم تستطع أن تقترب منه في ذلك اليوم، ولا في الأيام التالية، كان منصرفاً انصرافاً كاملاً إلى ابنه. وأتعبها الانتظار وهي في تلك الحالة النفسية فصممت على السفر، خفية، دون أن تخبره بشيء. ولكنه فاجأها بزيارة، في بيتها القروي، حين كانت تستعد للرحيل. ورآها تجمع لوازمها وقد ضمت بعضها في صرة موضوعة وسط البيت، فسألها: ـ ماذا تفعلين؟ فأطرقت ثم أجابت: ـ إذا أذنت لي.. فسوف أذهب. ـ تذهبين؟ إلى أين؟ ماذا تقولين؟ ـ أذهب إلى أمي.. ماذا أفعل هنا ما دمت في غنى عني؟ وغضب البارون ونظر إليها طويلاً وقد رفع حاجبيه، وصار مظهره ينم عن القسوة والشراسة، ثم أغمض عينيه قائلاً: ـ اهدئي.. ولا تزعجيني. من الذي طردك؟ هناك ابني. ولا يتسع وقتي للتفكير في شيء غيره. فتجرأت بارتولا وأسرعت تجيب في حياء ظاهر: ـ إذا كنت يا سيدي لا تفكر، فإنني أقسم لك بأني أنا الأخرى لا أفكر في شيء مما طاف بذهنك. وليست لدي رغبة في شيء. إنني لا أتحدث إليك من أجل هذا.. إنني إذن قليلة الحياء.. قصدي أن أقول، أنني أستطيع أن أكون خادمة لك وللطفل الصغير. هل كتب العار على جبيني؟ أم أن يدي ليستا جديرتين بخدمته؟ انطلقت منها هذه الكلمات في حزن يذيب القلب، فلم يتمالك البارون نفسه من الرثاء لـها والإشفاق عليها. وأخذ يشرح لـها في لطف الأسباب الدقيقة التي جعلته يبعدها عنه. إن الطفل بحاجة إلى رعاية خاصة، ربما لا تستطيع هي أن تقدمها إليه. ولكن بارتولا هزت رأسها في مرارة، وقالت: ـ هل تحتاج خدمة الأطفال إلى فن؟ إنها تحتاج إلى القلب. والذي يشعر بخدمة القلب لا يفتقد الفن.. ألم أقم بتربية ابني؟ إنني سوف أخدمه أكثر من ابني.. إنني سوف أحمل إليه حباً كبيراً إلى جانب الاحترام والعبادة.. وإذا كنت يا سيدي لا تصدقني ولا تراني جديرة بذلك، فلنكف عن الكلام في هذا الموضوع، إن الله الذي يقرأ ما في قلبي، يعلم أنني غير جديرة بهذه النعمة من سيادتك. لتكن مشيئة الله. وحاول البارون أن يغير الحديث، فأخذ يسألها عن تانوتو. فأجابت وهي تشير إلى النافذة المطلة على المزرعة. ـ إنه هناك.. يراقب الدواجن. إنه يسألني دائماً عن السيد الصغير. كل مساء. عند عودته إلى البيت. وهو يكاد يذوب شوقاً إلى رؤيته، ولو من بعيد. هكذا يقول. يريد أن يحمل إليه بعض الزهور البرية، ولكنني ذكرت لـه بأن رؤية السيد غير ممكنة لأنه مريض، وأن الزهور سوف تضر بصحته. فهدأ. هدأ..؟ إن ابنها هناك بين الدواجن، كان ينفق أياماً كاملة في التفكير حتى يفهم كيف تضر الزهور بصحة ذلك الطفل. وكان يفكر بأن هذا الطفل لابد أن يكون قد خلق بطريقة خاصة، ولكن كيف؟ إنه ينظر إلى الزهور، فلا يراها تؤذيه باستثناء تلك الزهور الشائكة، ولكنه لن يقوم بإهدائها إليه، بالتأكيد. بل إنه هو نفسه لا يستطيع أن يدنو منها. ترى كيف يكون ذلك الطفل؟ وظل يتأمل ويبحث عن الطريقة التي يمكنه أن يراه بها، دون أن يكتشفه أحد. ولكنه لم يجد طريقة. ولم يستطع أن يقاوم رغبته. وفي أحد الأيام تخلى عن الدواجن وجاء إلى الميدان الواقع أمام الفيلا، ليرى شرفات الحجرة التي ينام فيها ذلك الطفل العجيب. كان على يقين أن أمه لابد أن تضربه إذا اكتشفته في ذلك المكان. ولكن لابد من إرضاء فضوله، بأي ثمن. ووقف هناك. رافعاً أنفه الصغير إلى السماء، شابكاً يديه خلف ظهره. ولبث قليلاً يتطلع إلى الشرفة حتى رأى أخيراً خلف زجاجها رأس ذلك الطفل العجيب. وأخذ يتأمله في ذهول. كان يبدو لـه قد خلق بطريقة أخرى. ولكنه لم يعرف هذه الطريقة. وكان يفكر أنه بحالته هذه لابد أن تكون الزهور مضرة بصحته! حتى ذلك الطفل الصغير كان يبادله النظرات ويتطلع إليه من الشرفة. وظهرت بعد قليل شخصية البارون، فهرب تانوتو مسلماً رجليه للريح. وسمع، عدة مرات صوت السيد يناديه، ويلح في النداء، يناديه بكلتا يديه. ماذا يفعل؟ عاد كسير النفس هادئ الخطوات. وكان يدخل الفيلا، حين لمحته أمه هناك. فقبضت عليه من أذنه وأخذت تضربه باليد الأخرى. وكان يصرخ تحت ضرباتها ويقول. ـ لقد دعاني السيد.. السيد يريدني. ـ السيد؟ أين السيد؟ متى دعاك؟ ـ الآن.. دعاني السيد.. الآن. كان يتقد غضباً وهو يجيب على سؤالها الأخير، ويبكي للظلم الذي نزل به أكثر من بكائه للألم الذي أحسه. ـ حسناً.. تعال معي.. أريد أن أتحقق بنفسي. فدخل الطفل وكان يمسح عينيه الدامعتين بيديه. وقد أقبل البارون لملاقاته في حجرة الاستقبال. ومعه ابنه. وسأله: ـ لماذا تبكي؟ فأجابت بارتولا: ـ لقد ضربته أنا.. يا لـه من مسكين. لم أعرف أنك دعوته يا سيدي. فانحنى البارون عليه، وأخذ يمسح شعره الفاحم الذي يشبه شعره تماماً. قائلاً: ـ مسكين.. هيا.. كفى بكاء.. لتلعبا قليلاً مع بعض. كونا طيبين. فتبادل الطفلان النظرات، وابتسما. ثم تقدم تانوتو والدموع تنساب على خده، وأخرج من جيبه بعض الزهرات، وقدمها إلى الطفل، وسأله، والغصة تحاصره من حين إلى آخر من أثر البكاء: ـ هل تريدها؟.. خذها إذا كانت لا تؤذيك. فضحكت بارتولا وأمرته أن يخاطب السيد الصغير بصيغة الجمع. ولكن البارون طلب منها أن تتركهما يتصرفان في حرية. ولكن بارتولا لم تقبل ذلك، ولامته من جديد حين سمعته يسأل الطفل: ـ ما اسمك؟ فاقترح البارون إخراج ابنه المريض للمرة الأولى لكي يتمشى في الهواء الطلق. وكانت بارتولا سعيدة جداً بأن تحمله فوق ذراعيها وتنزل به السلم. ـ إنه خفيف.. لا وزن لـه .. إنه ريشة.. وفي نهاية السلم قال البارون للطفلين. ـ أمسكا أيديكما، وتمشيا قليلاً تحت الشجر. فذهب تانوتو مع رفيقه المريض. وتوجها في دهشة وفرحة الأطفال الذين يخرجون للمرة الأولى. كان تانوتو أصغر بعامين ولكنه يبدو أكبر منه بكثير. كان يرشده ويحميه. ثم أمسك بيده اليسرى ورفع اليمنى إلى كتفه حتى يساعده على المشي. وحين ابتعدا واطمأنا إلى عدم وجود خطر أو احتمال أن ينصت إليهما أحد سأله: ما اسمك؟ فأجاب: ـ تانينو.. مثل جدي. فقال الطفل ضاحكاً: ـ أنت مثلي إذن.. حتى أنا اسمي تانينو مثل جدي.. هكذا قال الوكيل.. ولكنني أدعى تانوتو لأنني سمين.. وأمي لا تريد أن يقال أن اسمي على اسم جدي. فسأله تانينو دون تفكير: ـ ولماذا؟ ـ لأني لا أعرف جدي. فأعاد تانينو القول ضاحكاً بدوره: ـ أنت مثلي إذن.. فأنا لا أعرف جدي. وتبادلا نظرات تنم عن العجب والاستغراب، وضحكا من هذا اللقاء، كما لو كان حادثاً عجيباً، ولكنه جميل، يستحق أن يضحك عليه الإنسان طويلاً، وكثيراً. __________________ |
||
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
الساعة الآن 21:07.
موقع حلوة - ابراج مكتوب - للرجال فقط - الثقافة الجنسية - الحياة الزوجية - اختبار القدرة الجنسية - للمقبلين على الزواج - الحمل و الولادة - اخبار الفنانين - كلمات الاغاني تجارة الكترونية - منتديات الامارات - اناشيد طيور الجنة - العاب - العاب بنات - صور اطفال - صوت الاسلام - الفراشة - عالم حواء - منتديات - طيران - سفر - كورة - ابراج – حظك اليوم - اخبار - كليبات - العاب فلاش - التنمية البشرية - بنت الحلال – زواج - اصحاب–تعارف - مدونات مكتوب – مدونات عربية - توبيكات - العاب بنات- العاب تلبيس-العاب ماكياج |
||||