![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
هذا الموقع مخصص للعلاقات الزوجية المهذبة و الثقافة الجنسية و لا يتضمن أى صور أو أى مواد مثيرة و لكن به من الموضوعات مالا يناسب من هم أقل من 18 سنة.
|
|||||||
| اللغة العربية وفنونها قصص خيال , قصص ادبية , فن الرواية |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
صوت في الظلام "قصص إيطالية" لويجي بيراندللو نقلها إلى العربية خليفة التليسي هي مجموعه قصص اخدت اسم اول قصة وهي صوت في الظلام وقد ترجمهاااا اللى العربية خليفة التليسي باسلوب مبهر صوتٌ في الظَّلام قبل أن تموت المركيزة (يورجي) بأيام، أرادت أن ترضي ضميرها، فاستدعت الدكتور (فالشي) كي تعرض عليه ابنها (سلفيو) الذي أصيب بالعمى، منذ عام تقريباً. لقد عرضته على أعظم وأبرع أطباء العيون في إيطاليا، وخارجها، فأجمعوا كلهم على أنه قد أصيب بمرض في عينيه، لا يرجى منه شفاء. وكان الدكتور (فالشي) قد فاز منذ مدة قليلة بمنصب مدير عيادة لطب العيون. ولكنه لم يكن موفقاً في أن يحظى بعطف أو بثقة أحد من الناس. ربما كان مبعث ذلك، مظهر الإعياء والذهول الذي يحيط به، وربما كان مبعثه شكله المنفر، أو طريقة مشيته المسترخية التي تكاد تصيب مفاصله بالتقطع. وكان هو يعرف مكانته في النفوس، ويبدو أن يستمتع بهذه المكانة. كان يوجه إلى طلبته، وإلى زبائنه، أسئلة غريبة، نفاذة، محيرة، تبعث على الشك والبلبلة. وكان يفهم الآخرين، بكل وضوح الفكرة التي كونها عن الحياة. ويكشف هذه الفكرة في كل عريها، مجردة من الرياء والأوهام الخداعة التي يخلقها كل منا، دون قصد، ولا إرادة، استجابة لحاجة طبيعية، أو خضوعاً للوقار الاجتماعي.. وبمضي الزمن أصبحت صحبة الدكتور مملة ولا تطاق. وعندما استدعته المركيزة، فحص بدقة تامة، وانتباه كامل، عيني الشاب، دون أن يصغي ـ كما يبدو على الأقل ـ إلى ما كانت المركيزة تقولـه، حول الداء وأحكام الأطباء الآخرين عليه، وعن المعالجات الطبية العديدة التي حاولتها.. وما كاد ينتهي من الفحص، حتى تأكد لديه، أن الأعراض المميزة للمرض الذي وصفه الأطباء، غير موجودة، وهي الألوان الزرقاء والخضراء الدالة على العمى.. وتبين لـه أن المرض لا يعدو أن يكون نوعاً نادراً من أمراض العيون، غير أنه لم يرغب في إعلان شكه في صحة تشخيص الأطباء، وآثر أن يسكت في البداية حتى لا يبعث في نفس الأم أملاً ضعيفاً. وأخفى الاهتمام القوي الذي ألقاه في نفسه ذلك المرض، واكتفى بإبداء رغبته في أن يعود إلى الكشف عن المريض بعد شهر. وعاد إليها.. ولكنه وجد في ذلك الشارع الجديد المهجور الذي تقوم فيه فيلا المركيزة حركة غير عادية وجماعة من الفضوليين متزاحمين أمام المدخل.. لقد ماتت المركيزة فجأة في الليلة السابقة. ماذا يفعل؟ هل يعود؟ وفكر في أنه لو أظهر شكه في طبيعة المرض كما شخصه الأطباء لكان من الممكن ألا تموت تلك الأم المسكينة، وفي نفسها يأس من شفاء ابنها الذي تتركه إلى العمى الذي لا علاج لـه . وعلى كل فهو إذا لم يستطع أن يدخل العزاء بهذا الأمل على قلب الأم ألا يجب عليه ـ على الأقل ـ أن يدخل الأمن والطمأنينة على قلب ذلك البائس المسكين الذي نزلت به هذه الكارثة الجديدة؟ ودخل إلى الفيلا. وبعد انتظار طويل، في ذلك الجو المضطرب، الذي يهيمن على البيت، تقدمت إليه فتاة شقراء مرتدية السواد، وفي مظهرها شيء من الحزم والقوة، وقدمت نفسها على أنها وصيفة المرحومة، فأوضح لـها الدكتور سبب زيارته. ووجدت الفتاة نفسها تسأله في استغراب ينم عن شكها في كلامه. ـ وهل يصاب الشباب بمثل هذا المرض الذي تتحدث عنه؟ فنظر إليها الدكتور نظرة فاحصة، مسلطة على عينيها. ثم أجاب في ابتسامة ساخرة تبدو على عينيه أكثر مما تبدو على شفتيه. ـ ولماذا لا يتعرضون؟ معنوياً دائماً، يا آنستي، وخاصة عندما يحبون.. وحتى عضوياً. فزاد هذا الكلام من حنق الفتاة التي قطعت الحديث قائلة بأن الحالة التي يوجد فيها المركيز في تلك اللحظة، لا تسمح لـه ، بأن يتحدث في أي موضوع، وأنه سوف يدعوه بنفسه، حين يزول عنه الحزن، وتخبره بهذه الزيارة... وانقضى أكثر من ثلاثة أشهر دون أن يدعى الدكتور. وفي الحقيقة كان الدكتور قد ترك انطباعاً سيئاً في نفس المركيزة عند زيارته الأولى. والآنسة (ليديا) التي بقيت خادمة وقارئة للمركيز، مازالت تذكر ذلك. وقد أنستها نقمتها على الطبيب الثقيل أن انطباعات المركيزة عنه، كان من الممكن أن تتغير لو أبدى رأيه في احتمال شفاء ابنها. وقد رأته عند زيارته الثانية إنساناً محتالاً لئيماً يختار اليوم الذي ماتت فيه المركيزة، ليعلن شكه في آراء الأطباء ويبعث أملاً في الشفاء بعد أن استسلم المركيز إلى مصيبته. لقد أحس بالظلام يتكاثف حوله بعد موت أمه. إن الظلام الذي يحاصر نفسه من الداخل لـهو أشد هولاً وأقسى من العمى. ظلام يقف الناس حياله عمياناً. إن الذي يملك عينين سليمتين يمكنه أن يتعزى برؤية الأشياء التي حولـه، أما هو فليس لـه مهرب من هذا الظلام. إنه أعمى أمام الحياة، وأعمى أمام الموت، وقد اختفت أمه في هدوء، وتركته وحده، في فراغ فظيع، وإلى ظلام بارد كثيف. وفجأة سرى إليه في ظلامه الحالك، صوت ناعم رقيق، مثلما يسري شعاع عذب من النور. ولم يستطع أن يعرف في البداية، صاحبة ذلك الصوت الناعم الذي تعلقت به نفسه، في ذلك الفراغ المفزع. إنه صوت الآنسة ليديا التي ظلت في الأشهر الأخيرة أقرب الناس إلى أمه، وإنه ليذكر أن أمه قد حدثته عنها، وذكرت لـه ، أنها فتاة طيبة ونبيهة، وحركاتها لطيفة وهي مثقفة وذكية. صفات أصبح يلمسها الآن في رعايتها لـه ، وعطفها عليه، وفي الأنس الذي تدخله على نفسه. لقد داخلها الشك منذ الأيام الأولى لاستخدام المركيزة لـها بأنها لا ترى ضرراً، بل تتسامح في أن يتسلى معها ابنها، وكانت في ذلك مدفوعة بأنانية الأمومة. وقد أحست (ليديا) إهانة جارحة، وأخذت نفسها بالشدة، وأحاطتها بالتحفظ الحازم، مستجيبة إلى ترفعها الطبيعي... إلا أنها بعد وفاة أمه، وجدت نفسها، تخلص لـه ، مدفوعة بعاطفة التجاوب والرعاية، دون أن يتسرب إلى نفسها شك، بعد أن أخذ يدها وأراح على خدها وجهه الشاحب الجميل، وهو يبكي قائلاً: (لا تتركيني. لا تتركيني..) كان يعذبها بفضول العميان.. يريد أن يراها في ظلامه، يريد أن تتحول صورتها إلى صورة في أعماقه، كانت أسئلته الأولى قصيرة وغامضة، كان يريد أن يرسم لـها صورة في نفسه، تتفق مع هذا الصوت الذي يسمعه، حين تقرأ لـه ، أو تتحدث إليه. ـ شقراء.. أليس كذلك..؟ ـ نعم كانت شقراء، ولكن شعرها الخشن القليل، لا يتلاءم مع لون بشرتها المائل إلى الشحوب.. هل تقول لـه ذلك؟ ولماذا تقول ذلك؟ ـ وعيناك.. زرقاوان..؟ ـ نعم.. عيناها زرقاوان ولكنهما كئيبتان متألمتان غارقتان تحت جبهتها الحزينة، هل تصفها لـه ؟ لم تكن جميلة الوجه، ولكنها كانت رشيقة القوام، وأجمل ما فيها يداها؛ وصوتها بصفة خاصة، يتميز بعذوبة بريئة ناعمة، تختلف عن الطابع الحزين العميق المرتسم على محياها. وكانت تعرف أنه يراها من خلال هذا السحر الذي يغلف صوتها الناعم الرقيق، ومن خلال أجوبتها المحتشمة على أسئلته الملحة. كان يراها من خلال هذا الصوت وكانت هي تحاول جاهدة أمام المرآة أن تكون شبيهة بتلك الصورة التي صنعها خياله لـها، كانت تحاول أن ترى نفسها كما يراها هو في ظلامه الدامس. إن صوتها لم يعد يخرج من شفتيها، ولكنه يخرج من شفتي (تلك).. تلك التي يتصورها. وعندما تضحك، تشعر في الحال أنها لم تكن هي التي تضحك، وإنما تقلد ضحكة تلك الصورة الأخرى.. صورتها التي تعيش في نفسه. كل ذلك كان يسبب لـها عذاباً جارحاً يصيبها بالاضطراب. كانت ترى أنها لم تعد هي نفسها وأنها أصبحت تختفي شيئاً فشيئاً عن نفسها.. كل ذلك من أجل هذه الشفقة التي تحسها نحو هذا الشاب.. أهي الشفقة فقط؟.. لا.. إنه الحب. إنه الحب فلم تعد تقدر على أن تنزع يدها من يده، أو يبعد وجهه عن وجهها. وإذا جذبها إليه كانت تكتفي بالاحتجاج الرقيق (لا.. هكذا لا.. أرجوك). وكان حتماً عليهما أن يصلا إلى قرار، كلف الآنسة ليديا صراعاً عنيفاً مع نفسها. لم يكن للمركيز أقارب، فهو سيد نفسه، يفعل ما يبدو لـه وما يريد. ولكن ألا يقول الناس، أنها قد استغلت مصيبته، لكي تتزوجه، وتصبح مركيزة وغنية؟ أجل.. إنهم سيقولون ذلك وأكثر، ولكن كيف تستطيع البقاء في هذا البيت من غير هذا الشرط؟ ألا يمكن أن يعتبر قسوة كبيرة محاولة التخلي عن ذلك الأعمى وحرمانه من رعايتها وحنانها، خوفاً من أقوال الناس؟ إنه بلا شك حظ عظيم بالنسبة إليها، ولكنها كانت تشعر في أعماقها بأنها تستحق هذا الحظ، لأنها تحبه بل إن أعظم حظوظها أن تحبه في صراحة، أن يقول أنها لي، خالصة مخلصة إلى الأبد، لـه وحده جسداً وروحاً. إنه لا يبصر ولا يرى في أعماقه إلا تعاسته. ولكنه جميل.. جميل جداً ورقيق كأنه فتاة وديعة. وكانت تنظر إليه وتتأمل جماله دون أن يفطن إلى ذلك وتفكر في نفسها (إنك لي لأنك لا ترى ولا تدري. ولأن روحك أسيرة لتلك العاهة وأنت في حاجة إلي لكي ترى وتدري وتحس). ولكن ألا يجب عليها أن تعترف لـه قبل أن تنزل عند رغبته، بأنها لم تكن كما يتصورها؟ أجل.. إنها خديعة، ولكنه أعمى.. يكفيه قلب.. قلب كقلبها في إخلاصه والتهابه ما يكفيه، وهم الجمال.. وهي ليست قبيحة على كل حال.. ثم إن فتاة جميلة.. من يدري.. ربما تخدعه، بأية طريقة، مستغلة عاهته.. إنه محتاج إلى القلب العاشق الودود أكثر من حاجته إلى الوجه الوسيم الذي لن يراه أبداً. وبعد أيام من الحيرة المؤلمة حدد يوم الزفاف. وتقرر أن يتم الزفاف دون أبهة، وفي أقرب وقت، وبعد الشهر السادس لوفاة الأم مباشرة. كان أمامها شهر ونصف لإعداد اللوازم على أحسن ما يرام، وكانت سعادة تلك الأيام عظيمة. كانت الساعات تطير وتمضي وهي تستعجل إعداد عشها السعيد. كانت الساعات تمضي دون أن تشعر بها في غمرة تلك الملاطفات والمداعبات التي كان يغمرها بها والتي كانت تتحرر منها وفي قلبها نشوة. كانت تتحرر منه ومن مداعباته في عنف محبب، حتى تستطيع أن تصون من عبث الحرية، بهجة ما.. بل أبهج الأشياء ليوم الزفاف. لم يبق على يوم الزفاف سوى أسبوع عندما أخطرت ليديا فجأة بزيارة الدكتور (فالشي)، وكادت تخضع لانفعالها الأول فتجيب (غير موجودة)، ولكن الأعمى الذي كان يسمع حديثها الخافت تساءل (من؟) فأجابه الخادم (الدكتور فالشي) وأضافت هي (أتعرفه؟ إنه الطبيب الذي استدعته أمك قبل أيام حلول الكارثة). فقال في استغراب وهو يسترجع ذكرياته: ـ آه.. لقد فحصني طويلاً.. طويلاً.. إني أذكر جيداً.. وقال إنه سيعود. فقاطعته ليديا، وهي مضطربة: ـ انتظر سأذهب إليه. كان الدكتور واقفاً في حجرة الاستقبال، وكان رأسه الأصلع الضخم مرتفعاً إلى الخلف وعيناه مغمضتين، وهو يسرح بيده لحيته الكثيفة. ودخلت دون أن ينتبه إليها، ثم قالت: ـ تفضل يا دكتور.. استرح. فانتفض الدكتور من دخولها المفاجئ، ثم انحنى قائلاً: ـ معذرة إذا.. ولكنها كانت قلقة مضطربة فأرادت أن تستعجله: ـ أنت لم تدع أبداً حتى الآن. فأجابها في ابتسامة هادئة على شفتيه: ـ حتى زيارتي هذه كانت غير مناسبة، ولكن معذرة يا آنسة. فتضرج وجهها وقالت: ـ لا. فأجابها: ـ أنت لا تدركين الأهمية التي يعلقها الرجل البائس المشتغل بالعلوم على مثل هذه الأمراض، ولكني أريد أن أكون صريحاً يا آنسة.. قد نسيت هذه الحالة على الرغم من أنها في رأيي نادرة وعجيبة.. ولكن أمس فقط حين كنت أتحدث في الزائد والناقص مع بعض الأصدقاء علمت بزفافك المنتظر إلى المركيز.. أليس هذا صحيحاً يا آنسة؟ فشحب وجهها وأكدت لـه كلامه بهزة من رأسها. __________________ |
||
|
|
|
|
|
#2 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
رد على: صوت في الظلام "قصص إيطالية"
ثم أضاف قائلاً: ـ اسمحي لي أن أقدم تهاني.. ولكنك ترين أنني تذكرت هذه الحالة، فجأة، وتذكرت تشخيص المرض من قبل أشهر الأطباء إذا لم أخدع.. إذا لم تخني الذاكرة.. كان من الصعب تشخيص هذا المرض في البداية، ولكنني واثق من أن المرحومة المركيزة لو عرضت ابنها على هؤلاء الزملاء في الوقت الذي عرضته علي لأجمعوا أن تشخيصهم السابق كان خطأ، وأن الداء في أعراضه السابقة غير موجود. وتذكرت أيضاً زيارتي الثانية الملعونة، وفكرت في أنك لابد أن تكوني قد نسيتِ دعوتي في غمرة الارتباك الذي نشأ عن وفاة المركيزة، ثم في غمرة هذا الحادث السعيد.. صحيح؟ لقد نسيت.. فأنكرت في قسوة عندما جاء الحديث إلى هذه النقطة، وتمردت على ذلك العذاب الذي أصابها به هذا الحديث الطويل الذي سممه الدكتور.. وتضايقت.. ـ تقولين.. لا. فردت في حزم وإصرار ـ لا، لقد تذكرت أكثر الثقة الضعيفة ـ ولا أقول انعدام الثقة ـ التي كانت المركيزة قد كونتها عنك وعن شفاء ابنها بعد زيارتك. فرد الدكتور على الفور: ـ ولكني لم أصرح بوجهة نظري في مرض ابنها. فقاطعته من جديد قائلة: ـ صحيح.. لقد قلت لي ذلك.. ولكنني كالمركيزة. فقاطعها بدوره: ـ ثقة قليلة؟ بل ثقة معدومة؟ أليس كذلك؟ ولكنك لم تخبري السيد بزيارتي وأسبابها. ـ في ذلك الوقت لم أخبره. ـ وبعد ذلك؟ ـ لم أخبره أيضاً. ورفع يده قائلاً: ـ أفهم.. لقد ولد الحب.. ولكن معذرة يا آنسة... يقولون.. إن الحب أعمى، هذا حق.. هل تريدينه أعمى إلى هذه الدرجة، حب المركيز؟ أعمى حتى عضوياً. فشعرت ليديا، أنه لن يفيدها، أمام بروده الثابت القاتل، أن تتسلح بالتحفظ المترفع الذي كانت تلوذ به دفاعاً عن عزتها ضد هذا الشك الحاقد الكريه. وجهدت في أن تصمد وسألته في هدوء واضح: ـ أنت تصر على أن المركيز سوف يستعيد بصره بمساعدتك؟ ـ مهلاً يا آنسة ـ ورفع يده ـ لست إلهاً قادراً، لقد فحصت مرة واحدة عيني المركيز، وتبين لي أنه يجب استبعاد إصابة المركيز بالمرض الذي حدده الأطباء، أما البقية، فيحيط بها الشك، كما يحيط بها الأمل. وهذا يكفيك إذا كنت تحبين خطيبك كما أعتقد. فأسرعت ترد عليه في مظهر المتحدي: ـ وإذا ما تقوض الشك، بعد فحصك، وظل الأمل خداعاً ضائعاً؟ ألا يعني ذلك أنك قد أقلقت، عبثاً، وفي قسوة، روحاً قد أسلمت أمرها إلى القدر؟ فأجاب في هدوء حازم قاسٍ: ـ لا يا آنسة.. لقد رأيت من واجبي كطبيب أن أزوره دون دعوة لأنني أجد نفسي لا أمام حالة مرضية فحسب، ولكنني أمام حالة ضميرية أشد وأقسى على النفس. وحاولت أن تقاطعه قائلة: ـ أنت تشك.. ولكنه لم يمهلها حتى تتم كلامها فقال: ـ لقد ذكرت أنت نفسك أنك قد أخفيت خبر زيارتي عن المركيز.. وتعللت بعذر لا أستطيع أن أقبله، لا لأني اعتبره إهانة، ولكن الثقة أو عدم الثقة في قدرتي ومهارتي، شيء لا يخصك أنت، وإنما يخص المركيز.. تأملي يا آنسة ربما كانت هذه قسوة مني، لا أستطيع أن أنكرها. وأزيدك أنني لن أتقاضى شيئاً من المركيز إذا زارني في عيادتي حيث يجد كل عناية وكل مساعدة يستطيع أن يقدمها إليه العلم بلا مقابل. بعد هذا التصريح أيشق عليك حين أطلب منك أن تخبري المركيز بزيارتي هذه؟ فنهضت ليديا ـ ثم نهض الدكتور مستعيداً مظهره المعتاد قائلاً: ـ انتظري.. لن أخبر المركيز بزيارتي السابقة بل أقول لـه ، إذا رغبتِ، بأنك دعوتني بصفة مستعجلة قبل الزفاف. ولكن ليديا نظرت إليه في اعتزاز وتحدّ. ـ قل الحقيقة بل سوف أقولها أنا. ـ الحقيقة في أنك لم تثقي فيَّ؟ ـ تماماً؟ فهز الدكتور كتفيه وابتسم قائلاً: ـ سوف يؤلمك ذلك.. أنا لم أرد إيذاءك.. إذا كنت راغبة في تأجيل الزيارة بعد الزفاف فإنني مستعد للعودة؟ وصرخت فيه: "لا"، مصحوبة بحركة من يدها دالة على الرفض أكثر من الكلمة المنطلقة من شفتيها. وكانت تشعر بالضيق. وتضرج وجهها حنقاً على النقيصة التي يثيرها في نفسها هذا الكرم الزائف من الدكتور. وأشارت إليه بيدها أن يتبعها. كان المركيز الشاب ينتظر في الحجرة، في قلق زائد، ودخلت عليه، وهي ترتجف، ثم قدمت إليه الدكتور قائلة: ـ هذا هو الدكتور (فالشي)، لقد أوضحنا هناك إشكالاً خاصاً. ألا تذكر أن الدكتور قد وعد في زيارته الأولى بالعودة.. أليس كذلك؟ فأجاب المركيز: ـ أذكر ذلك جيداً.. يا دكتور. فواصلت ليديا كلامها قائلة: ـ ولكنك لا تعرف أنه في نفس اليوم الذي ماتت فيه أمك.. تحدث معي، وأكد لي أن عاهتك تختلف كل الاختلاف عن تشخيص الأطباء. ومعنى ذلك في رأيه احتمال شفائك.. ولكنني لم أخبرك بشيء من ذلك. فأسرع الدكتور يضيف إلى كلامها. ـ تأمل.. كان ذلك لأن الآنسة استغلت شكي الذي شرحته في تلك اللحظة، وتوهمت أني أريد أن أدخل الاطمئنان على نفسك فقط.. ولذلك لم تهتم بالموضوع. فأجابت في اعتزاز واستعداد: ـ هذا ما قلته أنا.. ولكنه ليس ما تفكر فيه أنت يا دكتور.. اسمع يا سلفيو: إن الدكتور، شك فيما أصبح بعد ذلك حقيقة ثابتة.. وهي أني لم أخبرك بزيارته السابقة، وأنه جاء وحده، مدفوعاً برغبته الخاصة ليقدم إليك خدماته قبل الزفاف دون مقابل.. فهل تستطيع أن توافقه في اعتقاده، بأني أردت أن أتركك أعمى، لكي أتزوج منك؟ فصرخ الأعمى: ـ ليديا.. ماذا تقولين؟ فتابعت ليديا كلامها في ضحك عصبي غريب وهي تقول: ـ أجل.. ربما كان ذلك صحيحاً. وفي الحق أنني بهذا الشرط فقط أستطيع أن أكون لك. فعاد الأعمى إلى مقاطعتها: ـ ماذا تقولين؟ ـ سوف تفهم ذلك يا سلفيو إذا استطاع الدكتور أن يرد إليك بصرك.. إني خارجة الآن. وهتف بها: ـ ليديا.. ليديا.. ولكنها خرجت وجذبت الباب في عنف، وألقت نفسها على الفراش في غرفتها، وهي تعض الوسائد في حنق، وانفجرت في بكاء لا ينقطع. وما كادت تخمد رغبتها في البكاء حتى أصابها ذهول وأحست أنها تواجه ضميرها، فزعة مرتاعة. وبدا لـها أن كل ما قاله الطبيب، ببروده القاتل، قد قالته هي إلى نفسها، منذ زمن بعيد، أو على الأصح، قد قاله شخص آخر في نفسها، وتظاهرت هي بأنها لم تسمعه.. أجل لقد تذكرت دائماً الدكتور فالشي.. كانت صورته تبدو لـها دائماً كأنها شبح من عذاب الضمير، وكانت تدفعها دائماً عنها بإهانة.. "محتال" لأنها.. وهل تستطيع أن تنكر؟ لأنها تريد.. تريد أن يبقى خطيبها سلفيو أعمى.. إن عماه هو الشرط الأساسي لحبها.. إنها إذا استعاد بصره غداً فلن يتزوجها.. وهو الشاب الغني صاحب السيادة؟ أيتزوجها اعترافاً بفضلها؟ أم يتزوجها رحمة بها؟.. لا؟؟ لا يمكنها أن تقبل منه ذلك، وهي التي أحبته، ولم ترغب في شيء آخر غير حبه... لقد كانت ترى في عاهته تبريراً لحبها، وعذراً تجابه به ثرثرة الناس، هل يمكن أن تتسامح وتتساهل مع ضميرها الذي يوشك على اقتراف جريمة دون أن تشعر، لكي تقيم سعادتها على شقاء، ومصيبة إنسان آخر؟ إنها في الحقيقة لم تكن تصدق أن عدوها الطبيب قادر على أن يصنع المعجزة، فيرد البصر إلى سلفيو، لم تصدقه، ولم تؤمن به حتى الآن. ولكنها لماذا سكتت؟ هل فعلت ذلك لأنها لم تكن تثق في الطبيب؟ أم لأن الظن الذي عبر عنه الطبيب سوف يفتح باباً للأمل في نفس سلفيو ويكون في ذلك موتها، موت حبها، خاصة إذا تأكد النجاح في العملية.. كانت تعتقد، حتى ذلك الوقت، أن حبها كاف لأن يعوض على خطيبها بصره الضائع، وهي تعتقد أنه إذا استعاد بصره بمعجزة، فلن تستطيع هذه النعمة السابغة، ولا كل الملذات التي يحققها بثروته، ولا حبه لأية امرأة أخرى، لا تستطيع، كل هذه، أن تعوضه عن فقدانه لحبها. ولكن هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أفكارها وتبريراتها، وليس لـه شيء فيها. لو ذهبت إليه قائلة: "سلفيو.. يجب أن تختار بين حبي ونعمة البصر"، فلا يستبعد أن يجيبها: "ولماذا ترغبين في أن أظل أعمى؟"، إنها ترغب في ذلك لأن سعادتها لا يمكن أن تتحقق بهذا الشرط. ونهضت فجأة كأنما كانت تستجيب لنداء عاجل. ألم تنته الزيارة؟ ترى ماذا يقول الطبيب؟ وماذا يفكر؟ واستبدت بها رغبة في أن تمشي على رؤوس أصابعها لكي تتجسس عليهما خلف الباب الذي أغلقته بيديها إلى الأبد.. ولكن، هل كانت قادرة على أن ترضى بلذعات الطبيب المسمومة التي واجهها بها في قسوة؟ لقد عرض عليها أن يؤجل الزيارة إلى ما بعد الزفاف.. ليتها قبلت.. وانكمشت على نفسها هاتفة.. لا.. لا.. وهي تعاني تقززاً واشمئزازاً.. ما أحقرها صفقة؟ إنها أحقر أنواع الخداع.. ونتيجتها؟ كراهية.. ولا مكان للحب. وأحست بانفتاح الباب فارتجفت ولكنها هرعت إلى الممشى الذي سيمر منه الدكتور. فقال لـها في برود: ـ لقد فكرت كثيراً في صراحتك فازددت إصراراً على تحليلاتي.. سيزورني المركيز غداً في عيادتي.. اذهبي إليه فهو في انتظارك.. إلى اللقاء. ورافقته إلى نهاية الممشى عند عتبة الباب وكان الفراغ يحيط بها، والشعور بالإعدام يملأ نفسها. ثم سمعت صوت سلفيو يناديها من الحجرة، فأصابها دوار، وكادت تسقط، ولكنها تجلدت، ووضعت يدها على وجهها، لكي تمسك الدمع، وتوجهت إليه. كان جالساً ينتظرها بذراعين مفتوحتين، وضمها إليه ضمات، عنيفة قوية، هاتفاً بسعادته، وفرحته باستعادة بصره، الذي يمكنه من رؤية تلك المخلوقات العزيزة عليه.. زوجته الحلوة الجميلة. ـ أتبكين؟ لماذا؟ إنني أبكي أنا أيضاً.. انظري.. يا لـها من سعادة.. سوف أراك.. أراك.. سوف أُبصر. كانت كل كلمة بالنسبة إليها موتاً محققاً، وقد فطن هو رغم سعادته الغامرة، وفرحته العظيمة، إلى أن بكاءها يختلف عن بكائه، حتى كاد يصدق أقوال الطبيب، ولكنه لم يكن مستعداً لأن يؤمن بهذه الأقوال، في ذلك اليوم السعيد، وطرد عن نفسه تلك الفكرة، ولم يعد يفكر في شيء، سوى أن هذا اليوم عيد.. فلتطرد جميع المنغصات.. ولتذهب جميع الأفكار.. إلا فكرة واحدة هي أن سعادته ستكون كاملة لأنه سيرى زوجته. ستكون لـها مهلة أطول. سيكون لـها زمن أوفر لإعداد عش الزوجية الذي يجب أن يكون فاخراً وجميلاً. هذا العش الذي كان حلماً سوف يراه قبل كل شيء آخر. وقطع على نفسه عهداً في أن يخرج من العيادة معصوب العينين ولا يفتح العصابة أول ما يفتحها إلا على منظر هذا العش السعيد. ـ كلميني.. حدثيني.. لا تدعيني أتكلم وحدي. ـ هل أنت متعب؟ ـ لا لم أعرف التعب.. ولكن اسأليني مرة ثانية.. هل تشعر بالتعب؟ اسأليني بصوتك هذا العذب الناعم، دعيني أقبلك، هنا، على شفتيك.. مصدر صوتك العذب.. ـ حسناً. ـ تحدثي وأخبريني كيف تعدين العش؟ ـ كيف؟ ـ أنا لم أسألك شيئاً من قبل، ومع ذلك فلست أريد أن أعرف شيئاً حتى الآن. افعلي ما تشائين.. سيكون كل ما تفعلينه مفاجأة مذهلة عجيبة.. ولكنني لن أرى شيئاً قبل أن أراك. وخنقت في حزن نحيبها اليائس وكست وجهها مسحة من الانشراح والبهجة، وكانت تجلس على الأرض، وهو ينحني عليها ويعانقها. وبدأت تحدثه عن حبها، بصوتها الذي سرت فيه عذوبة، ونعومة لم تسر فيه من قبل. وأخذته نشوة هذا الصوت فضمها إليه، مقسماً أنه لن يتركها أبداً. ولكنها في تلك اللحظة بالذات تحررت من ذراعيه، ونهضت في كبرياء واعتزاز كأنما انتصرت على نفسها في معركة. هاهي قد شدته إليها بوثاق لا يمكن أن ينفصم.. إنها تحبه. وانتهى ذلك اليوم في ساعة متأخرة ظلت خلالها تسكر أعصابه، وتذهلها بصوتها العذب وهي على يقين أنه الآن خالص لـها في ظلامه الدامس الذي يلمع خلاله بريق من الأمل.. إنها جميلة جمال الصورة التي صنعها خياله. وفي اليوم التالي رافقته في العربة إلى العيادة. وأخبرته أنها ستنصرف في خفة الحسون للعمل على إعداد لوازم الزفاف. وانتظرت في قلق زائد يومين كاملين نتيجة العملية، وعندما علمت بنجاحها انتظرته قليلاً في ذلك البيت الفارغ الذي أعدته في شوق ولهفة.. وأرسلت تطلب إليه أن يتريث أياماً أخرى، فليس هناك ما يدعوه للاستعجال والقلق.. ولكن الطبيب لم يسمح لـه بالبقاء. وفي اليوم السابق على خروجه من العيادة جمعت ملابسها، وسافرت إلى جهة مجهولة.. تريد أن تظل ذكرى صوت، سوف يلاحقه بعد أن خرج من ظلامه، ويبحث عنه عند كثير من الشفاه.. ولكن دون جدوى! __________________ |
||
|
|
|
|
|
#3 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
القصة الثانية **نُورُ الجِيران
نُورُ الجِيران حدث ذلك في عشية الأحد، بعد عودته من جولة طويلة. كان توليو بوتي قد استأجر قبل شهرين تقريباً، حجرة في منزل السيدة نيني. وقد اعتاد أن يخرج في موعد صباحي لا يتغير، دون أن تراه صاحبة البيت، وهي عجوز من الطراز العتيق، ولا ابنتها العانس التي جفت حيويتها. وكل ما تعرفانه عنه، أنه موظف بوزارة العدل وأنه كان محامياً، ولا شيء أكثر من ذلك. كانت الحجرة صغيرة ضيقة، مؤثثة بطريقة متواضعة، لا تحتفظ بأثر يدل عليه أو على إقامته فيها. وكان يبدو واضحاً أنه أراد لنفسه ـ عن تصميم ـ أن يظل غريباً، كأنه نزيل أحد الفنادق. فقد وضع ملابسه في صندوق وعلق بعضها الآخر في الخزانة. ولكن الجدران وبقية الأثاث لم يضع عليها شيئاً. فلا كتاب على مقعد ولا إطار على الجدار. لم يترك فوق الخزانة الصغيرة حتى غلافاً ممزقاً لرسالة. ولم يترك أبداً شيئاً من ملابسه على أحد المقاعد، فلا رقبة قميص ولا رباط عنق، ولا أي شيء يدل على أنه يعتبر نفسه مقيماً في بيته. وكانت الأم وابنتها تخافان ألا تطول إقامته. فقد ترددتا كثيراً في تأجير تلك الغرفة التي شاهدها الكثيرون ولم يرغب فيها أحد. فهي في الحقيقة لم تكن مريحة ولا منشرحة بنافذتها الوحيدة التي تطل على زقاق منعزل لا يمدها بالضوء ولا بالهواء. وقد أرادت الأم وابنتها أن تخففا عنه شيئاً كثيراً مما كان يجده من ضيق في تلك الحجرة، وذلك بأن تحيطاه بالرعاية والاهتمام. كانتا تدرسان جيداً الطريقة التي تكسبانه بها.. "سوف نفعل لـه كذا.. سوف نقول لـه كذا". وخاصة العانس كلوتدينا، قد هيأت نفسها على أن تكون لطيفة رقيقة، أي أن تكون متمدنة، كما تقول الأم. ولكن أنّى لـها أن تستعمل هذا السلوك الذي درسته وأعدته، إذا كانت رؤية السيد غير ممكنة؟ من يدري.. لو تعرفتا به عن قرب، لكان من الممكن أن تدركا وتفهما في الحال، أن خوفهما لا أساس لـه . وأن تلك الحجرة الحزينة المظلمة المضايقة من البيت المجاور.. تتفق مع مزاج الساكن.. الحزين. اعتاد توليو بوتي أن يقطع الشارع وحيداً تماماً ودون سيجار ولا عصا. وهما في العادة الرفيقان المفضلان لأشد الناس انصرافاً إلى العزلة. كان يمشي واضعاً يديه في جيوب معطفه. رأسه غارق بين كتفيه. قبعته تكاد تغطي عينيه، حتى ليبدو أنه ينطوي على حقد عنيف ضد الحياة. وفي الدائرة التي كان يعمل بها لم يكن يتبادل أي كلمة مع أي واحد من زملائه الذين احتاروا في تسميته ولم يستقروا على الصفة التي تحدده، وظلوا حائرين في تشبيهه، بالبومة أو الدب. لم يره أحد يدخل مساء إلى أحد المقاهي، وقد رآه الكثيرون يقطع الشوارع المزدحمة في عجلة حتى يغيب في ظل الشوارع الطويلة المنعزلة ذات العمارات العالية. وقد يبتعد أحياناً عن الجدران ليطوف حول الدائرة التي تتكوَّن تحت مصابيح الرصيف. لا يمكن لحركة غير إرادية ولا انقباض في ملامحه ولا إشارة من عينيه أو شفتيه أن تخون الأفكار التي يبدو غارقاً فيها، أو الألم الجارح الحاد الذي تنطوي عليه نفسه. كان الفساد الذي أصابت به هذه الأفكار نفسه واضحاً في ذهول عينيه الحزينتين الصافيتين الحادتين، وفي شحوب وجهه المنكسر، وفي الشيب الذي وخط لحيته المهملة. لم يكن يبعث ولا يتلقى رسائل. لا يقرأ الصحف. لا يقف في الشوارع ولا يلتفت إلى ما يثير فضول الناس. وإذا داهمه المطر في بعض الأحيان على حين غرة واصل سيره بنفس الخطوات كما لو لم يهطل المطر! ماذا يفعل في هذه الحياة؟ لا أحد يدري، وربما لم يكن هو نفسه يدري أنه موجود. وربما لا يشك في أنه من الممكن أن يوجد في غير هذه الحالة، أو أن وجوده في غير هذه الحالة خليق أن يخفف عن نفسه بعض ما تجد من حزن وقلق. لم تكن لـه طفولة.. ولم يشعر بشبابه على الإطلاق. والمشاهد الوحشية التي مرت عليه في بيته منذ صغره بسبب طغيان وشراسة الأب، قد أحرقت في نفسه جميع بذور الحياة. لقد ماتت أمه في ريعان الشباب بسبب قسوة الزوج في معاملتها، فتفرقت الأسرة. دخلت إحدى أخواته سلك الرهبنة. سافر أخوه إلى أمريكا. وفر هو من البيت. وقد استطاع بعد تعب وإعياء أن يدفع حياته حتى انتهى إلى هذه الحالة. والآن لم يعد يشعر بالألم وإن بدا عليه الإحساس بذلك. ولكنه كان يستسخف هذا الإحساس. كان يبدو دائماً مستغرقاً في تفكير عميق. ولكنه لم يكن يفكر. إن نفسه قد أصبحت مشدودة إلى نوع من الغم القاتل الذاهل. ولا يكاد يذكرها إلا حين يحس بمرارة تسري إلى حلقه. يتمشى مساء في الشوارع الخالية، يعد المصابيح، ولا يفعل شيئاً أكثر من ذلك. أو ينظر إلى ظله ويصغي إلى صدى خطواته. وفي بعض الأحيان، يتوقف أمام حدائق الفيلات، ليتأمل شجر السرو الذي يشبهه في وحدته وكآبته العميقة الجارحة، وما تنطوي عليه نفسه من ظلمة حالكة، أشد من ظلمة الليل. في عشية ذلك الأحد، كان قد تعب من جولته الطويلة في الشارع العتيق، فقرر على غير عادته أن يعود إلى البيت. وكان وقت العشاء لم يحن بعد، ولذلك صمم أن يمكث في حجرته حتى يحين الوقت وينقضي اليوم. كانت مفاجأة جميلة، للأم وابنتها، هذه العودة المبكرة. وقد صفقت الفتاة لشدة السرور الذي اعتراها. وأخذتها الحيرة فيما يجب عليها أن تعمل وفيما يجب أن تقدم من أنواع العناية والاهتمام، التي سبق أن درستها هي وأُمها، وبأي من صفات الرقة والسلوك الراقي المتمدن تبدأ؟ كانت الأم تتشاور مع ابنتها. وفجأة خبطت بقدمها على الأرض وضربت جبينها.. آه يا إلهي.. النور.. النور.. قبل كل شيء يجب أن نحضر لـه النور.. فلنحضر لـه ذلك المصباح الجميل، الذي وضعناه على جهة استعداداً لمثل هذه المناسبات، إنه من خزف حواشيه مزخرفة وهو فاخر ثمين! ـ وأوقدت المصباح، وذهبت إلى حجرة الجار. ودقت بلطف وهدوء وكانت ترتجف من الانفعال حتى كادت زجاجة المصباح تصطدم بالأنبوب فيؤدي إلى خروج الدخان. __________________ |
||
|
|
|
|
|
#4 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
التتمة
ـ إذناً؟.... المصباح. وأجابها من خلف الباب ـ لا.. شكراً.. إنني خارج.. فأطرقت العانس، وقامت بحركة فيها تكسر ودلال، كما لو كان الجار ينظر إليها، ومضت في إلحاحها تقول: ـ إنه معي الآن... أردت ألا أتركك إلى الظلام. ولكنه أجاب في قسوة: ـ شكراً، لا أريد. كان جالساً على مقعد صغير خلف المنضدة، يسرح بصره في ظلام الحجرة الذي أخذ في التكاثف تدريجياً حين أخذت تحتضر على زجاج النوافذ آخر أضواء الغروب.. لا يدري مدى الزمن الذي أنفقه على هذه الحالة، بأعين مفتوحة ذاهلة، وبلا تفكير في شيء، ودون أن يفطن إلى الظلمة التي أخذت تحاصره... وفجأة رأى شيئاً، فاتجه إليه ببصره في دهشة. أجل، لقد أُضيئت الحجرة على حين غرة وسرى فيها شعاع هادئ كما لو كان بفعل نفحة غامضة. وأخذ يتساءل عن مصدر هذا النور، وكيف وقع ذلك.. ولم يطل به التفكير حتى اهتدى إلى أن النور قد تسرب إلى حجرته من البيت المجاور. إنه نفحة من حياة غريبة تدخل، لتزيح الظلمة والفراغ وتملأ صحراء وجوده. ولبث برهة طويلة يتأمل هذا النور كما يتأمل معجزة. وأحس بغصة عميقة تحاصر حلقه عندما أخذ يقارن كيف يقع هذا النور عذباً لطيفاً ناعماً على السرير وعلى الجدران.. هناك.. وكيف يقع هنا على يديه الشاحبتين المتهالكتين على المنضدة؛ وبزرت لـه من خلال هذه الكآبة ذكرى بيته المحطم، طفولته المعذبة، وأمه المسكينة، لقد بدا لـه هذا النور كأنه نور أُفق بعيد ينبثق في ظلام روحه. ونهض من مكانه. وتوجه إلى النافذة ونظر خلسة إلى نافذة البيت المجاور، مصدر النور. رأى أسرة صغيرة مجتمعة حول المائدة، كان الأب وأطفاله الثلاثة جالسين. أما الأم فقد كانت واقفة تقوم على خدمتهم، محاولة ـ كما استطاع أن يفهم من حركاتها ـ تهدئة الطفلين الكبيرين اللذين كان يعبثان بالملاعق ويتمايلان على مقعديهما. أما الصغير فقد كان يبدي تبرماً شديداً ويدور برأسه الأشقر الصغير، وكان واضحاً أنهم شددوا عليه الخناق عندما ربطوا إلى رقبته منشفته الصغيرة.. آه لو أن الأم عجلت بإعطائه وجبته لما أحس بالضجر من هذه الربطة الضيقة.. وهاهي تسرع إليه.. ما أشد نهمه وإقباله على الأكل، إنه يدفع بالملعقة كلها إلى فمه. وهاهو الأب، يضحك منه، بين البخار المتصاعد من إنائه. وهاهي الأم تجلس هناك مواجهة. وعندما رآها تجلس وتأخذ مكانها من المائدة، حاول أن ينسحب تلقائياً بعدما رآها ترفع بصرها إلى النافدة، ولكنه فكر في أنها لا يمكن أن تراه ما دام يقف في الظلمة، ولذلك ظل في مكانه يستمتع بمنظر تلك العائلة. ومن ذلك اليوم تغيرت عادته. فما يكاد يخرج من الدائرة حتى يعود إلى البيت متخلياً عن جولاته المسائية المعتادة، ويظل في حجرته منتظراً أن تزاح الظلمة المخيفة عليها عندما يسري إليها شعاع هادئ عذب من نور الجيران. ويظل واقفاً خلف زجاج النافذة، كما يفعل المتسول، ويستشعر في ألم زائد، تلك الألفة الحلوة، الحبيبة، وهذه الطمأنينة العائلية التي يستمتع بها الآخرون، والتي استمتع بها هو الآخر عندما كان طفلاً صغيراً في مساء نادر هادئ عندما كانت أمه.. مثل هذه الأيام.. وكان يبكي.. إن هذه المعجزة قد حققها في نفسه نور الجيران، وتلك الكآبة الذاهلة التي ظلت نفسه مشدودة إليها أعواماً طويلة قد تفتحت لـهذا الإشراق الوديع. ولم يفكر أبداً فيما قد يثيره وقوفه واستراحته إلى هذه الظلمة، من أفكار، عند صاحبة البيت وابنتها. وخاصة بعدما عرضت عليه الفتاة المصباح مرتين، ولعله مما يثير العجب حقاً ألا يضيء حتى.. شمعة!! وسألته الفتاة في صوت عذب هادئ عندما أسرعت إليه بالنور عما إذا كان يشعر بمرض؟ فأجابها: لا.. أنا على أحسن حال.. وفي النهاية.. نعم، بحق الإله إنها لمعذورة، إذا هي حاولت أن تتجسس عليه من ثقب المفتاح فأثار عجبها أن ترى النور منتشراً في الحجرة، إنه نور الجيران، إنه نور بيت "ماشي" بالضبط. وقد رأته هو واقفاً خلف النافذة، منصرفاً بكل جوارحه إلى النظر إلى تلك الأسرة. وأسرعت إلى أمها تزف إليها خبر الاكتشاف العظيم. إنه عاشق لمرجريت! مرجريت ماشي، إنه عاشق! وفي إحدى الأمسيات، وبعد هذه الحادثة كانت الأسرة كالعادة تتناول طعام العشاء، وكان الأب غائباً. ذلك المساء كان توليو بوتي قد اتخذ مكانه المعتاد من النافذة، ولكن الحيرة أخذت تحاصر نفسه عندما رأى السيدة تستقبل صاحبة البيت وابنتها كصديقتين قديمتين.. وانسحب توليو من النافذة في سرعة وهو يعاني قلقاً واضطراباً. فقد رفعت الأم وأطفالها أبصارهم نحو نافذته، وتأكد لديه أن صاحبة البيت وابنتها تتحدثان عنه. وماذا الآن؟ ربما انتهى الآن كل شيء، وفي المساء التالي حين تعرف الأم والزوج، أن في الحجرة المواجهة رجلاً يختفي في الظلام، فلابد أن يغلقا على نفسيهما هذا النور. فلا يعود يتسرب هذا النور الذي يعيش عليه، ولا يعود يسري إلى هذه الظلمة المحيطة به، ذلك النور الذي كان تسليته البريئة وراحته الوحيدة. ولكن لم يحدث شيء من ذلك. ففي نفس ذلك المساء، بعد أن أُطفئ النور، وبقي هو مغروساً في تلك الظلمة، ذهب إلى النافذة، وفتحها في حذر حتى يجدد الهواء، فرأى نافذة الجيران مفتوحة، ورأى بعد قليل ـ وكان يرتجف في الظلام من الدهشة ـ تلك المرأة تنظر إلى نافذته. ربما كانت مدفوعة بالفضول لمعرفة ما قالته صاحبة البيت وابنتها عنه. إن هاتين العمارتين المواجهتين لم تكن نوافذهما لتساعد على رؤية ذلك الشريط الصغير المشرق من السماء ولا ذلك الشريط المظلم من الأرض، حيث يقع المدخل. إنهما عمارتان لا يدخلهما نور الشمس ولا نور القمر. فهي إذن لم تطل من النافذة إلا من أجله، وإنه لعلى يقين من ذلك، لأنها قد انتبهت إلى أنه يطل من نافذته المظلمة. لم تكن الظلمة تسمح لـه أن يتبينها جيداً. ولكنه يعرف منذ زمن أنها جميلة، وهو يعرف تماماً جميع محاسن حركاتها وتعابير عينيها العسليتين وابتسامات شفتيها الجميلتين. وكانت المرة الأولى التي تذهله المفاجأة، وتصيبه بالاضطراب، وتقطع أنفاسه، في ارتجافة قلقة، لم يقو معها على أن يمسك نفسه، وبذل مجهوداً جباراً للتغلب على نفسه، حتى لا ينسحب، حتى يظل منتظراً أن تنسحب هي الأولى. وأحس بأن ذلك الحلم بالأمن والحب والألفة الحبيبة العذبة التي تصور تلك الأسرة تنعم بها، والتي نعم هو الآخر بتأملها من بعيد، تتهاوى في نفسه، إذا كانت هذه المرأة، تخرج في الظلام خلسة، إلى النافذة من أجل إنسان غريب.. إنه هو، هذا الإنسان الغريب. وقبل أن تنسحب وقبل أن تغلق النافذة الزجاجية همست في نعومة: ـ ليلة سعيدة! وأخذ يفكر فيما تحدثت به المرأتان حتى استطاعتا أن تحركا وأن تلهبا وتثيرا فضولها؟ ما أعجب وما أقدر الجاذبية التي صنعها هذا السر الغامض الذي يحيط بحياته الغامضة إذا كانت من المرة الأولى تتخلى عن أطفالها الصغار، وتأتي إليه، لتمنحه صحبتها.. من بعيد. كان كل منهما يواجه الآخر، وعلى الرغم من أن كلاً منهما قد تجنب النظر إلى الآخر، وتظاهر أمام نفسه، بأنه إنما وجد في النافذة دون قصد ولا غاية، إلا أنه كان متأكداً من أن الاثنين قد ارتجفا لـهذا النداء الغامض، بالانتظار، والاستجابة إلى الذهول الساحر الذي يلف أحاسيسهما في الظلام. وكان متأكداً بأنه في مساء اليوم التالي لابد أن تعيد فتح النافذة بعد إغلاقها، ولابد أن تطفئ النور وتطل عليه.. وهكذا كان. ومن ذلك اليوم لم يعد توليو بوتي ينتظر النور يسري إليه من النافذة بل أصبح ينتظر في قلق زائد اللحظة التي ينطفئ فيها النور. وفي نهم مفزع تفجرت عاطفة الحب في قلب ذلك الرجل الذي لم يعرف الحب، والذي ظل أعواماً طويلة خارج الحياة. وأخذت هذه العاطفة تلاحق وتلح على تلك المرأة حتى قذفت بها فيما يشبه الإعصار. وفي اليوم الذي رحل فيه بوتي عن الحجرة انفجر كالقنبلة خبر السيدة التي تسكن في الدور الثالث، التي تخلت عن زوجها وأطفالها الثلاثة. وظلت الغرفة التي آوت بوتي أربعة أشهر تقريباً كما ظلت الغرفة المجاورة لـها، مطفأة النور عدة أسابيع، حيث كانت الأسرة تجتمع كل مساء للعشاء. ثم عاد النور حول تلك المائدة الحزينة التي يتجمع حولها أب أذهلته المصيبة، متأملاً في وجوه أطفاله الحائرة التي لا تقدر على توجيه بصرها إلى باب الحجرة التي كانت تدخل منه أمهم كل مساء حاملة الإناء الساخن... وعاد ذلك المصباح حول المائدة الحزينة، ينير في عذوبة، الحجرة المواجهة، الحجرة الخالية. فهل استيقظ العاشقان بعد أشهر من نوبتهما الجنونية القاسية؟ في إحدى الأمسيات دهشت صاحبة البيت عندما رأت جارها الغريب يقف أمامها.. ماذا يريد؟ إنه يريد تلك الحجرة الصغيرة، الحجرة الصغيرة، إذا لم تؤجر، لا يريدها لنفسه، ولا يريدها للإقامة، ولكنه يريدها ساعة واحدة، بل للحظة واحدة، من مساء كل يوم، يأتي إليها خلسة، رحمة بتلك الأم التي تريد أن تنظر من بعيد، ودون أن يراها أحد، أن تنظر أبناءها. وهما على استعداد لأن يتخذا جميع الاحتياطات، وهما على استعداد للتنكر، وأن يختارا الوقت المناسب الذي لا يكون فيه أحد على السلم، وهو على استعداد أن يضاعف الإيجار... بل يدفع ثلاثة أمثاله. من أجل تلك اللحظة فقط، ولكن صاحبة البيت لم تقبل هذا العرض ورضيت بأن تترك لـهما بعض المرات ما دامت لم تؤجر، على شرط أن لا يكتشفهما أحد، ومضت تلح في إصرارها على قصر الزيارة على بعض المرات. وفي مساء اليوم التالي قدما إلى البيت كأنهما لصان، وتسللا إلى تلك الحجرة الصغيرة المظلمة وظلا ينتظران أن يسري إليها نور النافذة المجاورة! إنهما بعد اليوم سيعيشان على ذلك النور من بعيد.. وسرى النور في تلك الظلمة الحالكة، ولكن توليو بوتي لم يعد يطيقه.. ما أشد ما يحس الآن ببرودته وسيطرة الأشباح والآثام عليه. أما هي فقد أسرعت شاهقة باكية إلى زجاج النافذة، ضاغطة بأسنانها على المنديل. هاهم أطفالها... الصغار... إنهم حول المائدة في غفلة عن كل شيء. وهرع هو إليها ليسندها، ولبثا هناك متلاصقين ثابتين يحدقان في.. نور الجيران.. __________________ |
||
|
|
|
|
|
#5 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
المَرْحُوم
منذ اليوم الأول سمع خطيبته تقول لـه : ـ في الحقيقة ليس اسمي لينا. إن اسمي كارولينا. ولكن المرحوم كان يدعوني لينا، فعلق بي هذا الاسم. أما المرحوم فقد كان زوجها السابق. وأشارت الخطيبة إلى صورته على الحائط. إنه ما يزال هناك ضاحكاَ رافعاً قبعته بالتحية. وكانت الصورة فاخرة وكبيرة تقع أمام الأريكة التي يجلس عليها خطيبها. وكاد الخطيب يرد على التحية، بانحناءة عفوية من رأسه. لم يخطر ببال الأرملة أبداً، أن تنزع تلك الصورة من حجرة الاستقبال. إنها صورة صاحب البيت. لقد كان البيت لـه في الحقيقة. كان مهندساً، وهو الذي أقامه ثم أثثه تأثيثاً فاخراً أنيقاً، وتركه في النهاية ميراثاً لزوجته مع أملاكه الأخرى. وتابعت كلامها دون أن تلاحظ الارتباك الذي كان يبدو على خطيبها. ـ لم أكن أحب أن أغير اسمي. ولكن المرحوم قال لي: ألا يكون أحسن لو دعوتك بدل كارولينا باسم كارا ـ لينا.. تسمية متشابهة.. ولكنها أجمل.. ما رأيك؟. فأجابها خطيبها (برتولينو) كما لو طلب منه المرحوم رأياً من الآراء. ـ جميلة جداً.. جداً. فقالت باسمة ـ إذن كارالينا.. مفهوم؟ ـ مفهوم. أجابها برتولينو وهو يتمتم في اضطراب وذهول وخجل، معتقداً أن الزوج يطل عليهما من الحائط ضاحكاً مسلماً. وبعد ثلاثة أشهر سافر برتولينو وزوجته إلى روما لقضاء شهر العسل، وكان يرافقهما إلى المحطة لفيف من الأقارب والأصدقاء. من بينهم السيدة (اروتنسيا) الصديقة الحميمة لأسرة العروسين، والتي قالت لزوجها مشيرة إلى برتولينو: ـ يا لـه من ولد مسكين.. لقد تزوج؟.. إنهم قد زوجوه من رجل. إن السيدة لا تعني أن لينا امرأة مسترجلة لا. بل إنها أنثى طاغية الأنوثة. ولكنها إذا ما قورنت بزوجها فإن المقارنة سوف تنتهي إلى أنها ـ بلا شك ـ أشد خبرة بالحياة وأعرف بأحوالها، وهي أحكم منه على كل حال. إنه أشقر. لـه مظهر طفل مدلل. طفل ذاهل. وهو أصلع. ولكن صلعته تبدو زائفة، كما لو حلق بنفسه أعلى رأسه حتى يزيح عنه مظهر الطفولة الذي يحيط به. دون أن يوفق في ذلك. مسكين برتولينو. ـ لماذا ترينه مسكيناً؟ قال ذلك في صوت أخن، حانق، زوجها العجوز الذي صنع هذا الزواج، ولم يعد يرغب في أن يسمع كلمة سيئة فيه. وأضاف: ـ إن برتولينو ليس غبياً.. إنه رجل لـه قيمته في ميدان الكيمياء. ـ إنه من طراز ممتاز. ـ بل إنه من الطراز الأول. إنه كيماوي قدير، لو استطاع أن يدفع إلى المطبعة بأبحاثه ودراساته العميقة ذات الأصالة التي لا جدال فيها، والتي ظل متفرغاً لـها منذ كان شاباً صغيراً، حيث كانت هوايته الوحيدة في حياته، إنه بلا شك.. من يدري.. ربما فاز في أول مسابقة تجريها الجامعة الكبرى للدولة بمنصب الأستاذ. إنه سيكون عالماً.. عالماً.. والآن سوف يكون زوجاً مثالياً. لقد دخل الحياة الزوجية طاهر القلب محتفظاً بعذريته. ـ ومن أجل هذا.. قالت الزوجة ذلك، وكأنما أتاحت لـها فرصة الحديث عن عذريته أن تمضي أكثر في السخرية بهذا الزواج. والواقع أنه قبل أن يتم هذا الزواج، كانت تضحك من أعماقها، كلما سمعت الأقارب يقترحون تزويجه.. وكان هذا الضحك يثير حفيظة زوجها الذي كان يصر على تزويجه. وكان يلتفت إليها غاضباً قائلاً.. لابد من تزويجه يا سيدة. ولكنها كانت تتوقف وتصرخ فيه. ـ زوجوه يا أعزائي.. زوجوه.. أنا أضحك وحدي.. أضحك من المواضيع التي أقرأها. وكانت في العادة تقرأ قصة فرنسية للعجوز والدة العريس، التي ظلت منذ ستة أشهر مشدودة إلى مقعد بسبب الشلل الذي أصابها. كانت تقرأ وكان زوجها يلعب الشطرنج مع خال برتولينو. حقاً.. ما أبهج تلك الأمسيات: كان برتولينو منعزلاً في حجرة تجاربه، وكانت أمه تتظاهر بالإصغاء إلى القراءة دون أن تفهم جملة واحدة. والشيخان المتفرغان إلى اللعبة يرددان: يجب تزويج برتولينو حتى ندخل شيئاً من المرح على هذا البيت. وهاهو المسكين.. قد زوجوه حقاً.. يا لـها من كارثة. كانت أورتنسيا تفكر في الزوجين المسافرين، وتضحك كلما تصورت لينا تخلو إلى ذلك الشاب الأصلع الساذج الطاهر القلب، كما يصفه زوجها. مضحك أن تخلو إليه لينا التي عاشرت المهندس المحبوب أربعة أعوام.. كان خبيراً بأدواء النساء نشطاً مرحاً. ومن يدري، ربما لاحظت في تلك الساعة الفرق بين الاثنين. وقبل أن يقلع القطار قال خاله للزوجة الجديدة: ـ لينا.. إنني أوصيك به.. قوديه أنت. وكان يقصد أن تقوده وترشده في روما التي لم يرها برتولينو من قبل. أما هي فقد رأت روما في رحلتها الأولى لقضاء شهر العسل، وكانت في صحبة المرحوم. وهي مازالت تذكر حتى الأشياء الصغيرة وأتفه الحوادث التي مرت بها. إن ذاكرتها دقيقة ووقادة، تذكر كل شيء كأنما مرت ستة أشهر، لا ستة أعوام من ذلك التاريخ. وقد أحست أن الرحلة مع برتولينو قد استغرقت زمناً طويلاً مملاً، لم ترفع خلاله الكلفة. وما كاد القطار يصل روما حتى هتفت به: ـ دعني أتصرف.. أرجوك دع كل الأمور في يدي.. هات الحقائب. وأحصت الحقائب وملحقاتها قبل أن تسلمها إلى الحمال الذي طلبت منه أن يحملها إلى فندق فكتوريا. وعندما خرجت من المحطة بعد أن سحبت الصندوق، تعرفت في الحال على سائق السيارة العامة، فحيته، ثم قالت لزوجها بعد أن ركبا السيارة: ـ سترى.. إنه فندق متواضع ولكنه مريح.. خدمة ممتازة.. نظافة.. أثمان معتدلة.. ثم هو يقع في مركز ممتاز. ودون أن تشعر وجدت نفسها تتذكر المرحوم الذي أحب الفندق كثيراً واطمأن إلى خدمته.. لاشك في أن برتولينو هو الآخر سيكون ممنوناً.. آه يا إلهي.. ما أطيبه من وليد.. إنه لا يكاد يتنفس. وسألته: ـ هل أنت ذاهل؟.. حتى أنا كنت أحس بهذا التأثير في رحلتي الأولى.. ولكنك سوف ترى.. إن روما سوف تفرحك وسوف تحبها.. انظر إلى تلك الميادين هناك.. فيا ناسيونالي.. رائعة.. أليس كذلك!.. سوف نمر بها فيما بعد. ونزلت في الفندق، وكانت لينا تشعر كأنها في بيتها. وكانت تتمنى أن يعرفها أحد موظفيه كما تعرفهم جميعاً.. هاهو الخادم العجوز مثلاً.. بيبو.. إنه هو كما كان منذ ستة أعوام.. ـ أي حجرة؟ لقد سلموها الحجرة رقم 12 بالدور الأول.. حجرة جميلة، رحبة، ذات مضجع مرتب ومنسق. ولكنها قالت للخادم: ـ بيبو.. الحجرة رقم 19 في الدور الثاني.. هل يمكن أن ترى إذا كانت خالية؟ وانحنى الخادم قائلاً: ـ في الحال وأخذت تشرح لزوجها: ـ إنها مريحة أكثر.. ثم إن بها حوضاً صغيراً قرب السرير.. وهي أكثر تهوية، وأبعد عن الضجة، وسوف تستريح فيها أكثر. وتذكر أن مثل هذه الحادثة، قد وقعت للمرحوم نفسه، لقد سلموه حجرة في الدور الأول، ولكنه طلب تغييرها. وعاد الخادم بعد قليل وأخبرها أن الحجرة رقم 19 غير مشغولة، وهي تحت تصرفهما إذا رغبا فيها. وفرحت لـهذا الخبر وهتفت: نعم نريدها.. نريدها. وما كادت تدخل الحجرة حتى ابتهجت لأن ترى تلك الحجرة كما كانت.. نفس البسط.. نفس الأثاث.. في نفس الأماكن. وظل برتولينو غريباً عن هذه الحجرة التي تشعر بالاطمئنان إليها. وسألته وهي تضع قبعتها على مشجب قرب المرآة.. ـ ألا تعجبك؟ فأجاب: ـ تعجبني؟ إنها جميلة. ـ آه.. لقد لفتت نظري المرآة.. ذلك الإطار لم يكن هناك في ذلك الوقت.. كانت هناك آنية يابانية، ربما تكسرت. ولكن قل لي ألا تعجبك؟ أرجوك.. أرجوك.. لا تقبيل الآن بوجهك المتسخ.. يجب أن تنظفه هنا.. وسوف أذهب أنا إلى هناك. وهربت معه، سعيدة، مرحة. ونظر هو حوله بعد أن قمع رغبته، واقترب من المضجع، ورفع الستار فرأى الفراش.. لابد أن يكون هو نفس السرير الذي نامت عليه للمرة الأولى مع زوجها المهندس (المرحوم). ومن بعيد.. من صورة معلقة على الحائط في حجرة الاستقبال ببيت زوجته، خيل لبرتولينو أن الزوج السابق، يحييه. ولم يكتفيا طوال الوقت الذي استغرقته الرحلة بأن يناما في نفس السرير.. ولكنهما تغديا وتعشيا في نفس المطاعم، حيث كان المرحوم يصطحب زوجته للأكل، وتمشيا في شوارع روما، وكانا يتابعان كالكلب خطوات المرحوم الذي كان يقودهما بذكريات الزوجة.. زارا الآثار والمتاحف والمعارض والكنائس والحدائق، وشاهدا ولاحظا كل ما عرضه المرحوم على زوجته. كان خجولاً.. برتولينو. فلم يستطع في الأيام الأولى أن يظهر سأمه، وحنقه، وسخطه على أن يتابع في كل شيء، خبرة ونصائح وأذواق وميول (المرحوم) زوجها السابق. إلاَّ أنها لم تفعل ذلك بقصد الإساءة إليه، ولم تكن لتفطن أن في تصرفها هذا إساءة إليه. لقد تزوج بها المهندس، وهي في الثامنة عشرة.. فتاة صغيرة.. محرومة من الإدراك وليست لـها فكرة عن الحياة، فأخذت بذلك الرجل الذي علمها وكونها امرأة كما يريد.. وبصفة عامة.. فقد كان زوجها السابق هو الذي صنعها.. وهي مدينة لـه بكل شيء.. فلا تستطيع أن تفكر أو أن تشعر أو أن تتكلم أو تتحرك إلا بالطريقة التي رسمها المرحوم. ولماذا تزوجت إذن؟ تزوجت لأنه (أي المرحوم..) علمها أن الدموع لا تجدي مع الكوارث. وأن الحياة لمن بقي، والموت لمن كان نصيبه الموت. لو ماتت هي، لكان حتماً أن يتزوج.. وإذن يجب على برتولينو أن يسلك نفس الطريق الذي حدده المرحوم معلمهما ومرشدهما. فليس لـه أن يفكر في شيء، ولا يعلق على شيء، وعليه أن يضحك، ويبحث عن التسلية، ما دامت هناك فسحة من الوقت، فهي لم ترد أن تسيء إليه بمتابعة خطوات المرحوم. ولكن، على الأقل قبلة، مغازلة، أي شيء في النهاية ليس فيه أثر من طريقة المرحوم. أمحكوم عليه بأن لا يشعر هذه المرأة بشيء فيه طابعه الخاص؟ شيء يزيح ولو قليلاً، سيطرة المرحوم على حياته؟.. __________________ |
||
|
|
|
|
|
#6 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
رد على: صوت في الظلام "قصص إيطالية"
وبحث برتولينو. بحث كثيراً. ولكن الخجل كان يمنعه من صنع مداعبات جديدة. إنه يصنع بينه وبين نفسه مداعبات جديدة جريئة.. ولكنها كانت تطير من رأسه بنظرة واحدة تسلطها عليه زوجته عندما تلمح الاحمرار يعلو وجهه.. وتسأله عما به، فيجيب بوجه متبلد.. لا شيء.
وأقلقهما عند عودتهما من الرحلة، خبر حزين غير منتظر. لقد مات فجأة السنيور موتا.. الذي عقد بينهما.. وأسرعت لينا إلى السيدة ارتنسيا لتعزيها في مصابها، ولتقف إلى جانبها في هذه الكارثة، كما وقفت هي منها وقفة الأخت الودود.. عندما مات المرحوم. ولم تكن تظن أن هذه المهمة سوف تكون عسيرة، لأن ارتنسيا يجب ألا تكون في الحقيقة حزينة لـهذه المصيبة.. حقاً إن زوجها كان رجلاً طيباً. ولكنه كان إنساناً مملاً مضجراً، ثم إنه أكبر منها بكثير. وحيرها ألا يجد العزاء مكاناً في قلب صديقتها، بعد عشرة أيام لوقوع الكارثة. فظنت أن زوجها قد تركها في أوضاع اقتصادية سيئة، ووجدت الجرأة أن تسألها في أدب ولطف عن ذلك، فأجابتها دامعة العينين: ـ لا أشكو ضائقة اقتصادية.. ولكنك سوف تفهمين.. ما الذي سوف تفهم؟ أهذا الحزن كله حزن جاد؟ إنها لا تستطيع أن تفهم. وأفضت بحيرتها إلى زوجها. ولكن برتولينو أجابها، وهو يرفع كتفيه، وقد احمر وجهه لـهذا السؤال الذي تطرحه زوجته.. ـ على كل حال.. أقول.. لقد مات زوجها. فهتف به في عجب: ـ دعك من هذا الآن.. زوجها.. كان يبدو لـها أباً في كثير من الأحيان. ـ وهل هذا قليل في نظرك؟ ـ ولكنه في النهاية لم يكن أباً. كانت لينا على حق، إن ارتنسيا كانت تبكي أكثر من اللازم. في أشهر الخطبة الثلاثة كان زوج ارتنسيا قد لاحظ ما أصاب الشاب، من ذهول واستغراب، بسبب البساطة التي تتحدث بها خطيبته أمامه عن زوجها السابق (المرحوم). كان قلقاً. لأنه لم يستطع أن يوفق بين ذاكرتها الحية النشطة الملحة التي تحتفظ بتلك الذكريات وبين رضائها بالزواج منه. لقد بحث هذه القضية مع العجوز الذي حاول أن يطمئنه ويؤكد لـه أن هذا الكلام دليل عن الصراحة التي يجب ألا يعتبرها مهينة لـه ، لأن زواجها الجديد يجب أن يبث فيها يقيناً ثابتاً أن ذكرى المرحوم لا جذور لـها في القلب، ولكن في الذهن فقط. ولهذا فهي تتحدث أمامه عن المرحوم بدون ريبة. وقد شعر برتولينو بالثقة تعود إلى نفسه بعد سماع هذا المنطق. وكانت ارتنسيا تعرف ذلك. وهي لذلك تملك الدليل على أن قلق الشاب قد تزايد من تلك الصراحة بعد الرحلة. ولهذا حرصت على أن تظهر أمامه عندما جاء للتعزية بمظهر المرأة التي لا يمكن أن تسلو. وأثر ذلك الحزن في نفس برتولينو، وأحس بعطف عليها، بسبب هذا الحزن الذي استطاع أن يعارض من أجله ـ وللمرة الأولى ـ زوجته التي لم تؤمن بحزن صديقتها. ـ ألم تبكي أنت عندما مات.. فقاطعته قائلة: ـ لا وجه للمقارنة. لقد كان المرحوم.. فأسرع يضيف إلى قولها: ـ نعم، كان شاباً. ثم قالت: ـ ولكني بكيت.. وبكيت.. هذا حق. ووجد الجرأة في أن يقول لـها: ـ ألم تبكي كثيراً؟ لقد بكيت كثيراً. كثيراً، ولكن في النهاية، حكمت العقل. صدقني إن حزنها مبالغ فيه. ولكن برتولينو لم يصدق، بل أحس بعد هذا الحديث أن الغيظ الذي في صدره قد تزايد، لا ضد زوجته ولكن ضد (المرحوم). لأنه أدرك أن طريقة حكمها على الأشياء، وطريقة تفكيرها وطريقة شعورها ليس فيها جميعاً شيء منها، ولكنها ثمرة مدرسة ذلك الرجل الذي لابد أنه كان خليعاً ماجناً من طراز ممتاز. ألا يراه برتولينو، كل يوم عندما يدخل إلى الصالون، باسماً يحييه.. إنه لم يعد يتحمل تلك الصورة. إنها لعنة تلاحقه. إنها أمام عينيه دائماً، وإذا ما دخل المكتب كانت صورته أول ما تقفز إلى الذهن.. وهو في وضعه الضاحك المرحب، كأنما يريد أن يقول: ـ تفضل.. تفضل.. لقد كان مكتبي مكتب مهندس.. هل تعرف ذلك؟.. ولكنه الآن تحول إلى معمل كيماوي.. أتمنى لك عملاً طيباً. الحياة لمن بقي، والموت لمن مات. يدخل حجرة النوم؟ هذه الصورة تلاحقه حتى هناك.. ضاحكاً مسلماً كأنما يريد أن يقول: ـ تفضل.. تفضل.. ليلة سعيدة.. هل أنت ممنون من زوجتي؟.. لقد أحسنت تثقيفها وتعليمها.. آه.. الحياة لمن بقي والموت لمن مات. إنه لم يعد يحتمل، لقد امتلأ عليه البيت بوجود ذلك الرجل، كما امتلأت زوجته بوجوده. لقد وجد نفسه وهو الرجل المسالم الهادئ ضحية لعذاب مستمر كان يحاول جاهداً أن يخنقه. وأخيراً قرر.. أن يأتي بأفعال غريبة حتى يغير من عادات زوجته. ويهزها، ولكنه نسي أن هذه العادات لم تكتسبها إلا بعد ترملها. فقد كان المرحوم ذا ميول حية نشطة. فلم تكن لـه عادات. ولذلك.. فإن الأعمال الغريبة التي قرر برتولينو أن يقوم بها لم تكن غريبة عند زوجته التي فاجأته بقولها: ـ يا إلهي.. إنك تتصرف كالمرحوم؟ ولكنه لم ينهزم. وغالب طبيعته حتى تأتي بما هو أعجب وأغرب.. ولكن أي عمل يقوم به، كانت تؤكد لـه أن المرحوم قد قام بمثله.. لقد قام المرحوم في الحقيقة بكل الألوان. وزاد حنقه لارتياحها إلى هذه المحاولات الهروبية التي كان استمرارها يخيل إليها أنها مازالت تعيش مع (المرحوم). وحينئذٍ. حينئذ فقط رسم برتولينو خطة مؤلمة حتى يخفف من الأسى الذي يتضاعف في نفسه يوماً بعد يوم. حقاً.. إنه لم يرد أن يخون زوجته بقدر ما أراد الانتقام من ذلك الرجل (المرحوم) الذي انتزعها منه كلها، وما يزال محتفظاً بها حتى الآن.. وكان يظن أن هذه الخطة الشريرة قد نشأت في ذهنه عفواً. ولكن في الحقيقة يجب أن يعتذر لـه ، بأن الفكرة أوحيت إليه، وتسربت إلى ذهنه من قبل تلك المرأة، التي حاولت عبثاً عندما كان شاباً أعزب، أن تصرفه بفنونها وألاعيبها عن إفراطه في دراسة الكيمياء. وانتصرت (اورتنسيا). وأظهرت لـه أنها متألمة لخيانة صديقتها. وأفهمت برتولينو بأنها كانت تعشقه قبل أن يتزوج بها.. وعلى كل.. فليكن ما يكون.. ذلك حكم القدر.. ولكن هذا المصير لم يكن واضحاً لدى برتولينو، الشاب الساذج. ولذلك ظل مندهشاً ذاهلاً من البساطة والسهولة التي استطاع بها أن يحقق خطته. وعندما كان وحده في حجرة العجوز الطيب أحس بالندم لـهذه الفعلة الدنيئة، ولكن بصره وقع فجأة على شيء لامع فوق البلاط قرب الجهة التي كانت ارتنسيا من السرير. كانت سلسلة ذهبية.. لابد أن تكون قد سقطت من رقبتها، ورفعها، وفي نيته أن يعيدها إليها.. ولكنه في فترة الانتظار، وجد نفسه يفتحها في حركة عصبية بأصابعه دون أن يرغب في ذلك.. حتى هنا.. صورة صغيرة للمرحوم.. يضحك ويحيي! __________________ |
||
|
|
|
|
|
#7 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
تَمَرّد
لا أنظر إليها عندما يكون هناك إنسان إلى جواري. ولكنني أحس أنها تحدق في، دون أن تحول بصرها عني لحظة واحدة. وكم أود أن أفهمها، مواجهة، بأن لا شيء هناك. وبأن تحافظ على هدوئها، وبأني لن أسمح لنفسي القيام بهذا العمل البسيط مع غيرها. ذلك العمل الذي لا أهمية لـه بالنسبة إليها، ولكنه كل شيء بالنسبة لي.
إنني أقوم به كل يوم، في الوقت المناسب، وفي شيء كثير من الاحتياط والتخفي. مستشعراً سروراً عظيماً في تذوق هذه الشهوة الجنونية التي تحررني من كل شيء. يجب أن أكون على يقين ـ واليقين لا أدركه إلا معها ـ إن هذا العمل لم يكتشفه أحد. فإذا قدر لـه أن يكتشف فإن الضرر الذي يلحق بي لا يمكن أن يقدر. سأكون إنساناً منتهياً. ربما قبضوا علي وأوثقوني ثم اقتادوني في فزع إلى مستشفى المجانين. إنني أرى الفزع الذي يحسه الجميع في عيني ضحيتي هذه. لقد أؤتمنت كثيراً على شرف وحياة وحرية وأملاك عدد كبير من الناس. يحاصرونني من الصباح إلى المساء، ملتمسين عملي ومشورتي ومساعدتي. وقد أرهقت بواجبات أخرى بين عامة وخاصة. لي زوجة وأطفال يحتاجون إلى إرشادي وإلى سلطتي الحازمة التي تمسكهم باستمرار وتحول بينهم وبين الانحراف. إنهم في حاجة إلى استشعار التزامات زوج، وأب، ومواطن، ومحام، وأستاذ للحقوق. فالويل إذن لو اكتشفوا سري.. حقاً إن ضحيتي غير قادرة على الكلام، ولكني لم أعد أشعر بالاطمئنان منذ أيام. إنني ذاهل وقلق لأنها تحدق في بعينين مملوءتين بالرعب الذي أخشى أن يتبينه أحد، فيسعى إلى معرفة السبب، وأكرر أنني سأكون رجلاً منتهياً. إن معنى العمل الذي أقوم به لا يقدره سوى القليل الذي اكتشف الحياة فجأة كما اكتشفتها. وبيان ذلك وإفهامه ليس بالأمر اليسير؛ ولكنني سأحاول. كنت عائداً من بيروجيا منذ خمسة عشر يوماً تقريباً. حيث ذهبت إلى إنجاز أمور تتعلق بمهمتي. ومن أفدح التزاماتي ألا أحذر الإعياء الذي يؤذيني، ولا أرهب ثقل الواجبات التي وضعت على كاهلي. ولا أتطلع إلى شيء من الراحة التي يحتاج إليها ذهني المكدود من حين إلى آخر. والشيء الذي أسمح به لنفسي عندما يعييني التعب إثر مشكلة أتوقعها منذ زمن، هو أن أتجه إلى أخرى جديدة.. تلك هي راحتي. ولذلك حملت معي إلى القطار محفظتي اليدوية، وبها بعض الأوراق لدراستها أثناء الرحلة. ووجدتني أرفع بصري إثر مشكلة عسيرة اعترضتني أثناء القراءة، وصوبته نحو نافذة العربة. كنت أنظر إلى الخارج، ولكنني لم أر شيئاً، فقد لبثت مستغرقاً في تلك المشكلة. حقاً إنني لا أستطيع أن أنكر رؤيتي لبعض الأشياء. فقد كانت عيناي تنظران، وربما كانتا تستمتعان وحدهما بعذوبة وبهجة الريف الجميل. ولكنني لم أكن منتبهاً إلى ما تراه عيناي إلا حين خف استغراقي في تلك المشكلة التي سيطرت على تفكيري. ومع ذلك فلم أعر أي اهتمام مشهد الريف الذي كان يتوالى على بصري هادئاً مشرقاً مريحاً، بل لم أفكر في شيء. وقد لبثت برهة كأنني مشدود إلى شيء مبهم غريب، ولكنه بهيج هادئ. وكأنما كانت روحي مبغضة لمشاعري، فنفرت منها إلى بعد لا نهائي، حيث استطاعت أن تتبين في عذوبة لم تستشعرها من قبل، بهجة حياة لم تكن من نصيبها، وكان من الممكن أن تكون من نصيبها، في غير هذا الزمان والمكان، ولكن هناك في ذلك البعد اللانهائي. إنها حياة ربما كانت مقدرة لـها. ولست أذكر متى ولا كيف هبت على روحي نسمات لذكرى غير واضحة لا صلة لـها بالأعمال التي مارستها والمشاهد التي رأيتها، ولكنها نسمات ذكرى رغبات، زالت قبل أن تخرج إلى الوجود، وفي صميمها ألم مبهم قاس يشبه الألم الذي يصيب الزهور التي لم تقدر على التفتح.. إنها حياة كان يجب أن تعيشها هناك، بعيداً، حيث تجد حقيقتها الضائعة، وهذه الحياة ليست بهجة خالصة، ولكن حسبها أن تشعر بألم خاص بها. وأخذ الكرى بعيني دون أن أشعر. وربما واصلت في نومي الحلم بتلك الحياة التي لم تولد. أقول ربما، لأنني حين استيقظت في فتور، والمرارة في فمي الجاف، استولت علي دهشة مرعبة، ضاعت خلالها جميع مظاهر الأشياء الجميلة، حتى لكأنها فقدت معناها، أو أنها في نظري أصبحت قاسية الوطأة لا تطاق. ووجدت نفسي فجأة أحمل روحاً جديداً، وشعوراً قاسياً بجفاف الحياة. وهبطت إلى المحطة حاملاً في نفسي هذه المشاعر. ثم ركبت سيارتي التي كانت في انتظاري واتجهت عائداً إلى البيت. وفي سلم البيت، وعند المستراح القائم أمام البيت، رأيت لافتة نحاسية قد نقش عليها اسمي، مسبوقاً بألقابي، ومتبوعاً بنعوتي العلمية والمهنية, وقد زادتني تلك اللافتة إيماناً بأن هذه الحياة ليست حياتي. وتيقنت في شكل مخيف، أن الرجل الواقف أمام الباب المتأبط محفظته الجلدية، الرجل الذي يسكن في هذا البيت، لست أنا.. إنني لم اكن ذلك الرجل أبداً. وأدركت فجأة أنني كنت كالغائب عن ذلك البيت، وعن حياة ذلك الرجل. بل ربما كنت بعيداً عن كل أنواع الحياة. أنا لم أعش أبداً، ولم أكن في يوم من الأيام من الأحياء، لم تكن لي حياة يمكن أن أعترف بأنها لي قد رغبت فيها، وأحسست بأنها ملكي. حتى جسمي، حتى هيئتي بدت لي في ثيابها وأناقتها غريبة عني. فكأن أحداً قد فرض علي هذه الحياة ليحركني في حياة ليست حياتي، وليدفعني إلى أن أنجز في هذه الحياة التي كنت غائباً عنها أعمالاً تثبت وجودي. تلك الأعمال التي أشعر أن روحي لم تعثر فيها على حقيقتها. من الذي صور هذا الشكل؟ هذا الرجل الذي يمثلني؟ من الذي أراده هكذا؟ من الذي ألبسه ثيابه وحذاءه هكذا؟ من الذي يحركه على هذا النمط وينطقه؟ من الذي فرض عليه تلك الواجبات؟ وبعضها أثقل من الآخر وأبغض. رتبة ممتازة، أستاذ، محام، ذلك الرجل الذي يحترمه الجميع، ويبحثون عنه، ويعجبون به، ويريدون عمله، ومشورته، ومساعدته، إنهم دائماً يختصمون ويتشاجرون دون أن يمكنوه من لحظات يستريح فيها ويتنفس بملء رئتيه. أ أنا هو؟ أنا حقاً؟ ولكن متى كان ذلك؟ وما يهمني من تلك المشاكل التي يغرق فيها ذلك الرجل من الصباح إلى المساء، وذلك الاحترام والتقدير اللذين يتمتع بهما، ومن تلك الرتبة الممتازة، والأستاذية، والمحاماة ومن الثروة والجاه اللذين حصل عليهما من استخدام مهنته، في إنجاز تلك الواجبات المرهقة القاسية... ولكن هناك، خلف هذه اللافتة النحاسية التي تحمل اسمي، هناك امرأة وأربعة أطفال ينظرون إلى الأيام بسأم يشبه سأمي، ولكني لا أطيق فيهم ذلك الرجل الصابر المتجلد، الذي هو أنا، ذلك الرجل الذي أجده غريباً عني، بل عدواً لي. زوجتي؟ أطفالي؟ ولكن لم أكن أنا أبداً ذلك الرجل، إني متيقن من ذلك بشكل مخيف. فزوجة مَنْ تلك المرأة؟ وأبناء من أولئك الأطفال الأربعة؟ أبنائي؟ لا.. إنهم أبناء ذلك الرجل الذي لو كانت روحي قادرة على أن تتقمص جسدها الحقيقي لحطمته وألقته مع جميع تلك الأعمال والواجبات والجاه والثروة والاحترام وحتى الزوجة. نعم، ربما حتى الزوجة، ولكن الأطفال؟ __________________ |
||
|
|
|
|
|
#8 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
تتمة
ووضعت يدي على صدغيّ، وضغطت عليهما بقوة. لا، إنهم ليسوا لي، ومن خلال شعور مبهم غريب، تبينت أنني اعتدت أن أراهم كل يوم، وأنهم في حاجة إلى رعايتي، وعملي؛ وتملكني شعور بالضيق، فوجدت نفسي أتقمص من جديد شخصية ذلك الرجل الصبور الذي يقف أمام الباب، وأخرجت المفتاح من جيبي، وفتحت الباب، ثم دخلت في ذلك البيت، وفي تلك الحياة السابقة. ومأساتي هي هذه، أقول مأساتي، ولكن من يدري مأساة كم من الناس أيضاً؟..
الذي يحيا لا يستطيع رؤية حياته.. إنه يعيشها، فإذا استطاع أحد رؤيتها، ومراقبتها فمعنى ذلك أنه لا يعيشها أبداً، إنه يكابد آلامها، ويجر أيامها كما تجر الجثة الميتة. ذلك لأن كل تحجر في قالب معناه الموت، وهذه الحقيقة لا يعرفها إلا القليل. أما أكثر الناس فإنهم يقاومون ويكافحون ليضمنوا مكانة لأنفسهم، وليصلوا إلى حالة، فإذا أدركوها أعتقد انهم قد أدركوا حياتهم، بينما يبدأ موتهم. إنهم لا يدركون ذلك لأنهم لا يستطيعون الانفصال عن القالب المميت الذي صيغوا فيه. إنهم أموات، ويعتقدون أنهم أحياء، وهذه حقيقة لا يفهمها إلا من استطاع أن يرى القالب الذي هيأه لـه الحظ، والفرص والمكانة التي ولد فيها.. وإذا استطعنا أن نرى هذا القالب، فمعنى ذلك أنه فاقد لمعنى حياتنا وحقيقة وجودنا. فلو كانت حياة، لما أمكننا أن نراها. نعيشها دون أن نراها، ونموت كل يوم فيها دون أن نفطن إلى ذلك. إننا لا نرى ولا نعرف إلا الأشياء التي ماتت فينا. وقضيتي ربما كانت أفدح. فأنا لا أرى ما مات فيَّ، ولكني أرى أني لم أعش أبداً. أرى أن القالب الذي أفرغت فيه حياتي، إنّما أعطاه لـها الآخرون، ولست أنا الذي صغتها فيه، فأنا أشعر أن حياة هذا القالب، لم تكن حياتي الحقيقية. لقد أخذوني كأية مادة، أخذوا دماغاً وروحاً وعضلات وأعصاباً ولحماً، وعجنوها على النحو الذي يريدونه حتى تنجز أعمالاً، وتقوم بأفعال، وتطيع الواجبات التي أبحث عن نفسي فيها فلا أجدها.. وأصرخ، وتصرخ روحي في هذه الهيئة الميتة التي لم تكن هيئتي أبداً. ولكن كيف، وفي نفسي سأم وحقد ورعب من هذا الرجل الذي لم أكنه. من هذا القالب المميت الذي قيدني فلا أقدر على التحرر. إنه قالب مثقل بالواجبات التي أشعر أنها ليست واجباتي. مرهق بأعمال لا تهمني، متخذ كرمز للتقدير الذي لا أعرف ما أصنع به. إن هذه الواجبات والأعمال والتقدير والاحترام صورة خارجة عن حقيقة نفسي، إنها أشياء ميتة، لا معنى لـها، إلا أن تثقل كاهلي، وترهقني، وتسحقني، ولا تدع لي الفرصة للتنفس. أتحرر؟؟ ولكن متى استطاع إنسان إلغاء الحقيقة الواقعة فينكر الموت عندما يأخذ بخناقه.. والحقيقة إنه مهما كان مسلكك في الحياة، فلابد أن تقيدك نتائجه، وتكون لك سجناً، لا سبيل إلى التحرر منه، ولا الانطلاق من المحن التي يجرها عليك. وتحيط بك تلك المسؤولية التي أخذتها على عاتقك كأنها الجو الخانق الكثيف. فكيف أستطيع التحرر، وأنا سجين هذا القالب الغريب الذي يمثلني كما أنا بالنسبة للجميع، وكما يعرفني ويحترمني الجميع؟.. إنني أعيش حياة مختلفة عن تلك الحقيقة التي لم أحلم بها. إنني أعيش حياتي في قالب أشعر أنه ميت وهو يعيش من أجل الآخرين. من أجل الذين رفعوه والذين يريدون لـه هذه الصورة.. فهو مرغم إذن على أن يعمل من أجل زوجتي وأطفالي والمجتمع والسادة طلاب الحقوق في الجامعة والسادة العملاء الذين أودعوني الحياة والشرف والحرية والثرثرة. يعمل هكذا ولا أستطيع تغييره ولا أستطيع أن أركله بالأقدام وأزيحه وأتمرد عليه وأنتقم منه إلا في هذه اللحظة التي أحصل عليها كل يوم، إنه عمل أقوم به في الخفاء، مغتنماً الفرصة الملائمة في احتراس، وارتجاف بحيث لا يراني أحد، وإليك القصة. عندي كلبة عجوز مضى عليها بالبيت إحدى عشرة سنة. لونها مزيج من البياض والسواد، سمينة، ذات شعر ناعم وعيناها غائرتان من الشيخوخة، لم تكن بيني وبينها صلات طيبة، ربما لأنها لم تعجب بمهنتي التي لا تطيق الضجيج في البيت. ولكنها أصبحت تألفها وتحبها شيئاً فشيئاً حين حاصرتها الشيخوخة فجعلتها تفزع إلي من قسوة الأطفال الذين يريدون أن تشاركهم مرحهم، ولعبهم، ونشاطهم في الحديقة. وقد أخذت منذ زمن تختفي في مكتبي من الصباح إلى المساء، واعتادت النوم على البساط، واضعة رأسها بين قائمتيها الأماميتين شاعرة بالأمن والراحة بين هذه الأوراق والكتب الكثيرة، ومن حين لآخر كانت تفتح عينيها، وتحدق فيّ كأنها تقول: "أجل أيها العزيز المحترم، اعمل. لا تتحرك من هناك، لأني مطمئنة إلى أن أحداً لن يفسد عليَّ نومي ما دمت جالساً هناك، متفرغاً للعمل". ويقيني أن هذا هو تفكير الكلبة المسكينة. والإغراء بأن أنتقم فيها لنفسي، قام بذهني منذ خمسة عشر يوماً تقريباً، فجأة، عندما رأيتها تحدق فيّ بإمعان، ولم يكن في نيتي أن ألحق بها الضرر، ولكنني ما أكاد أتحرر من العملاء لحظة، حتى أنهض في حذر شديد عن كرسيي حتى لا يتبين أحد أن علمي المخيف الذي يطمع فيه الجميع، ومعرفتي الرهيبة كأستاذ للحقوق ومحام، ووقاري كزوج وأب، إن هذه كلها قد انفصلت للحظات عن هذا الكرسي الوثير. وأسرع على رؤوس أصابعي إلى الباب، ثم أطل على الممشى لأتأكد من أن ليس هناك أي قادم. ثم أغلق الباب بالمفتاح، وتلتمع عيناي بسرور عجيب، للحظة واحدة، وأحس أن يدي تتراقصان من هذه الشهوة التي سأحسها بعد حين، أن أكون مجنوناً للحظة واحدة، أن أخرج من هذه الهيئة المميتة، أن أحطم لوقت قصير، وفي استخفاف، هذه المعرفة، وذلك الوقار الذي يرهقني. وأجري نحو الكلبة النائمة على البساط، وفي رفق وأدب، أرفع قدميها الخلفيتين وأرغمها على المشي بضعة خطوات بقدميها الأماميتين وأدفعها كما تدفع العربة. هذا كل ما في الأمر، لا أفعل شيئاً آخر، ثم أجري مسرعاً إلى الباب وأفتحه في رفق، دون أي صرير وأعود إلى كرسيي على استعداد لاستقبال عميل جديد، في كامل وقاري السابق. وأنا محشو بمعرفتي المخيفة كأنني مدفع. ولكن الكلبة منذ خمسة عشر يوماً أصبحت تعبة من التحديق بذينك العينين الغائرتين المفتوحتين من الرعب، إني أريد إقناعها بأن لا شيء هناك، وبأن تطمئن ولا تنظر إلي هكذا. أتفهم الكلبة فظاعة العمل الذي أقوم به؟ ولا معنى لذلك، فهي عرضة لأن يقوم به نحوها أطفالي، ولكنها تعرف أنني لا أهزأ، ولا يمكن أن تقتنع بأني أسخر حتى للحظة واحدة. ولذلك فهي تتابع النظر إلي في دهشة واستغراب. __________________ |
||
|
|
|
|
|
#9 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
الإكليل
وقف الدكتور شيما، عند مدخل الحديقة العامة القائمة بظاهر المدينة، على كثيب مرتفع، وأخذ يتأمل باب المدخل المكون من قطعة واحدة شاحبة، وقد استند على دعامتين متجهمتين، قامت خلفهما شجرتان من أشجار السرو، كان الحزن يخيم عليهما، رغم ما يحيط بهما من أزهار باسمة، تفرقت هنا وهناك، خلال الخضرة الداكنة، أو تسلقت بعض الأشجار. ثم نظر إلى الطريق المائل الذي يمتد من المدخل حتى نهاية الهضبة، حيث قامت في مقدمتها مقصورة تشبه الهيكل الصيني. وكان ينتظر أن تتغلب الرغبة في جولة منعشة في تلك المقصورة القديمة المهجورة، على الوهن الذي يشعر به في مفاصله، والذي سببته لـه أشعة شمس الصباح.
وكان الظل المنعش مفعماً برائحة الأشجار البرية، وروائح شجر الخوخ ورائحة النعناع الحادة. وكان تغريد الطيور المحتفلة بعودة الربيع ينساب من أعلى الشجر كأنما هو دعوة للمشاركة. وبدأ الدكتور يأخذ طريقه في خطوات بطيئة إلى المقصورة، وكان يستنشق تلك الروائح البرية الحادة في شراهة زائدة مستشعراً نشوة وانجذاباً.. وكانت رؤية الأشجار المخضرة وحفيف الفراشات البيضاء التي تطوف بالزهور، تحيط أفكار الدكتور الحزينة بإطار ضبابي من الأحلام. ما أجمل تلك المقصورة الهادئة التي لا يطرقها أحد من المتجولين. ـ لو كانت لي؟ تلك كانت أمنيته، ولما لم تكن يده الطامعة قادرة على ذلك، فليس لـه إلا أن يرسل التنهدات الطويلة. ومن يدري كم من الناس لا يغشون الحديقة تجنباً لـهذه الحسرة التي يجدونها في تنهدهم.. لو كانت لي. لقد كتب على الأشياء العامة ألا تكون ملكاً لأحد. وكانت في كل خطوة، يافطة معلقة على عمود: ممنوع الدخول إلى الأحواض، ممنوع إتلاف الأشجار، ممنوع قطف الأزهار. ومعنى ذلك أنهم لا يملكون إلا النظر والتجول. إن معنى التملك أن تقول أنا، لا (نحن) وفي هذا المكان لا يستطيع أحد أن يقول أنا، إلا البستاني، الذي هو صاحبها بحق. ويتقاضى مرتباً على ذلك، وله فيها بيت ومكانة وهو يبيع لحسابه الخاص الأزهار التي للجميع وليست لأحد. وانسابت نغمة رقيقة، أعادت إلى الدكتور ذكرى فترة بديعة قضاها في الريف، في كوخ ضائع بين الأشجار. أشجار الريف الطلق المنشرح لقربه من البحر!.. لقد كان طفلاً حينذاك. طفلاً صغيراً مولعاً بصيد العصافير. كم قتل من عصافير مسكينة! المرارة والذعر والمتاعب، التي ترهقه بها مهنة الطب، كلها قد استقرت وخمدت في نفسه، ولكن الأسى بأنه قد أتم الأربعين منذ أشهر لم يخمد في نفسه!.. إن أجمل أيام الحياة قد انتهت، دون أن يقتنع بأنه قد استمتع بهذه الشباب الذاهب. وهل في الحياة ما يمتع؟ بلى.. في إمكان الحياة أن تكون جميلة. صباح مشرق هادئ كهذا، لـهو مكافأة طيبة لكثير من الإرهاق والعناء. وتوقف الدكتور، بعد أن لمعت في ذهنه فكرة. هي أن يعود إلى البيت لكي يصطحب زوجته الصغيرة. التي تزوجها منذ سبعة أشهر ـ حتى تستمتع بهذه الجولة الرائعة، وأخذته الحيرة ثم استمر في طريقه في هدوء. لا.. إن هذه الروعة ستضمحل بالنسبة للاثنين. وهاهي الروعة التي كان يحسها قد زالت بمجرد التفكير في اصطحابها.. إن مرارة الكآبة التي تغلب عليها منذ لحظات قد عادت ترهقه الآن. لا لأن في زوجته ما يثير ضحكه. إنها طيبة القلب. مسكينة. ولكنها في الثانية والعشرين أي أنها تصغره بثماني عشرة سنة. إن الشيب قد بدأ يلمع في صدغيه ولحيته. تزوج منذ سبعة أشهر، وكان يأمل أن يتحول الإعجاب الحنون الذي أظهرته لـه خلال فترة الخطوبة إلى حب. بيسر وسهولة. حسبها أن تعلم، رغم هذا الشيب الذي في صدغيه، أنه مدله في حبها كالشاب الصغير. ذلك لأنه لم يحب غيرها من النساء من قبل. أوهام.. إن الحب الصحيح لم يولد بعد في زوجته ولم يولد أبداً. إنه يشعر بذلك. إنها تضحك لـه . وتظهر لـه بشتى الطرق أنها تحترمه. ولكنها تفعل ذلك بحكم الواجب. ولم يكن الأسف الذي يحسه، شديد المرارة، لو لم تخنقه مماحكة بينه وبين نفسه، عاقته عن إطالة التفكير في زوجته الشابة. حين كانت زوجته فتاة، كانت تحب بحرارة الثامنة عشرة، طالباً في الليسيه. مات في التيفوس. إنه يعرف ذلك. لأنه استدعي إلى معالجة الشاب. ويعرف أنها كانت هناك، تكاد تجن من الألم وأنها أغلقت على نفسها حجرة مظلمة أسابيع طويلة دون أن ترى أحداً وأنها لم تخرج بعد ذلك من المنزل، وأنها عزمت على أن تترهب. وقد تألمت المدينة بأسرها لـهذا الحب العارم، بين شابين، يمزقه الموت. فقد كان الشاب محبوباً من الجميع لحيويته، وذكائه، ومعاملته اللطيفة، ومسلكه المهذب الراقي. أما هي فقد كانت بحق أجمل فتاة في البلد. وبعد أن انقضى عام على وفاة الشاب. أرغمت من قبل أهلها على أن تحضر حفلات المجتمع، فكان منظرها ووقارها وملامح الحزن على وجهها وابتسامتها، تلقي في قلوب الجميع، وبخاصة الشباب، إعجاباً حاراً وحناناً ناعماً. وأصبح حلم كل شاب أن تقع في هواه، وأن يخرجها من ذلك الألم القاتل إلى الحياة والحب والشباب. ولكنها أصرت على حزنها، وبعد قليل أخذت الألسن تتناول هذا العناد، وتهمس بخبث أنه ليس بعناد، فقد أصبحت تستشعر لذة في هذا الحزن. عندما تحققت أنه يحببها إلى الجميع، ويحيطها بإطار من التواضع والحشمة. والهامسون بذلك، ربما كانوا يعبرون عن حقد دفين أو غيرة قاتلة. فالدليل على أنها لم ترد من وراء ذلك أن يزداد تعلق الناس بها رفضها عدداً من الخاطبين الذين تقدموا لطلب يدها. وهم من خيرة شباب البلد. ومر عامان على وقوع الكارثة. ولم يتقدم أحد إلى خطبتها؛ بعدما شاع بين الناس خبر رفضها، ولكن الدكتور تقدم لخطبتها على الرغم من نصائح أصدقائه، فقبلت في الحال. وما كادت تمضي المفاجأة الأولى حتى وجد الجميع تفسيراً لـهذا النصر. لقد قبلت الزواج به لأن الدكتور ليس شاباً، فلا أحد يتوهم بعد ذلك أنها قد تزوجته عن حب. عن حب صحيح. لقد قبلت لأنها واثقة من أنه لا ينتظر حباً كالذي يمكن أن يُدَّخَر لأي شاب. وأنه سيرضى بهذه العاطفة الممتزجة بالإعجاب والعرفان والعبادة. وتلك حقيقة لم يبطئ هو الآخر في فهمها. لقد تألم كثيراً وما يزال يعاني ذلك الألم الذي يدفعه إلى محاولة التغلب على نفسه، لكي تتجنب القطيعة تارة وحتى لا يخونه الألم القاتل الذي يشعر به تارة أخرى.. إنه عذاب مؤلم، أن يشعر بشباب القلب دون أن يحدثها بمشاعره أو يظهرها عليها حتى لا يفقد إعجابها وشكرها واعترافها. ومن أجل ذلك فقط سعى إلى أن يكبح كل خفقة من خفقات هذا الحب الذي كان الأول والأخير في حياته. امرأة واحدة كانت تراه شاباً، بل طفلاً. إنها أمه التي ماتت منذ ثلاث سنوات، وفي صحبتها.. نعم.. في صحبتها كان من الممكن أن يستشعر روعة ذلك الصباح الجميل، وكان من الممكن أن يهرع إلى البيت دون أن يطيل التفكير، لكي يصطحب تلك القديسة العجوز. حتى يستمتع بشمس الصباح. كان يجدها كلما عاد إلى البيت في إحدى الزوايا، وبيدها سبحتها تصلي من أجل المرضى الذين في رعاية ابنها. وما كادت ترتسم في ذهنه هذه الصورة حتى ابتسم ابتسامة حزينة، وهز رأسه، وكان يأخذ طريقه إلى أعلى الحديقة حيث تقوم تلك المقصورة. إن أمه بصلاتها من أجل المرضى الذين في رعايته لا تثق في طبه وبراعته، وقد سألها مرة في مداعبة، فأجابت بأنها لا تصلي لذلك، ولكنها تصلي حتى يعينه الله على إنقاذ مرضاه. ـ إذن أنت تعتقدين أنني دون مساعدة الله... فقاطعته.. ـ ماذا تقول؟ إن معونة الله مطلوبة دائماً يا ابني. وكانت تصلي من الصباح إلى المساء، حتى أصبح يود من أعماقه ألا يكون لـه عدد كبير من المرضى كي لا يتعب شفتي والدته. وعاد الابتسام.. إن ذكرى أمه أعادت إلى أفكاره ذلك الإطار الضبابي من الأحلام. فعادت إليه الدهشة والانشراح، ولكن البستاني، الذي كان يقتلع بعض الحشائش، قطع عليه هذه البهجة. ـ آه.. أنت هنا أيها الدكتور.. أ بحثت عني طويلاً؟ ـ لا أبحث، وفي الحقيقة.. ـ إنها جاهزة.. إنها جميلة وجاهزة منذ الساعة الثامنة. وتقدم نحوه، وقد وضع قبعته في يده وكان العرق يتلألأ فوق جبهته. ـ إذا أردت مشاهدتها، فهي هنا في المقصورة.. لنذهب حالاً. ـ أشاهدها ماذا؟.. أنا لا أعرف... ـ كيف لا تعرف سيدي الدكتور.. إنه الإكليل؟ ـ الإكليل؟ وحدق فيه البستاني، في شيء كثير من الدهشة. __________________ |
||
|
|
|
|
|
#10 (permalink) | ||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
رد على: صوت في الظلام "قصص إيطالية"
ـ معذرة، أليس تاريخ اليوم 12؟
ـ طيب، وماذا في ذلك؟. ـ ألم ترسل الخادمة أول أمس. طالباً إعداد إكليل؟ ـ أنا؟ اليوم 12... آه نعم ـ وتظاهر الدكتور بأنه تذكر ـ نعم لقد أرسلتها، وأرسلت الخادمة. ـ ورد وبنفسج.. ألا تذكر؟ وعاد البستاني إلى الضحك من ضعف ذاكرة الطبيب! ـ إنها جاهزة منذ الثامنة صباحاً. تعال نرها. ومن حسن الحظ أن البستاني تقدم الدكتور، وبذلك لم يلاحظ التغيير الذي بدا على وجه الدكتور الذي كان يتبعه بعيون حزينة تبدو عليها الدهشة وفم فاغر ويدين مفتوحتين. إكليل؟.. أ أمرت زوجته في الخفاء بهذا الإكليل؟ أجل، إن يوم 12 هو يوم الذكرى السنوية لوفاة ذلك الشاب. حتى بعد ثلاث سنوات ما تزال تذكره؟ حتى بعد أن أصبحت زوجته؟ تبعث في الخفاء إكليلاً.. إنها زوجة آخر.. أهذه المحتشمة المتواضعة تتجاسر وتتجرأ فتفعل ذلك.. فهي إذن تحبه حباً عميقاً؟ وذكراه ما تزال حية في قلبها؟.. لماذا تزوجت غيره إذن؟ إذا كان قلبها لذلك الشاب، وسيبقى لذلك الشاب.. لماذا؟ لماذا؟. هكذا كان الدكتور يهذي بينه وبين نفسه، مقتفياً البستاني. إنه يريد رؤية هذا الإكليل حتى يتأكد بنفسه أن زوجته قادرة على هذا الخداع وعلى مثل هذه الخيانة. وعندما رأى الإكليل في تلك الزاوية من المقصورة وقد استند على الحائط، بدا كأنما قد أعد من أجله. ولذلك فقد أخذ يتأمله طويلاً. وقد فسر البستاني هذا الإعجاب لصالحه متسائلاً: ـ جميلة؟ إنها من بنفسج وورد.. قطفت عند الفجر. إن مائة ليرة قليل فيها يا سيدي الدكتور. لاشك في أنك تقدر التعب الذي عانيته في ترتيبها وتنسيقها زهرةً زهرة.. والورود؟ إنها غالية في الشتاء لندرتها.. وغالية في فصلها لأن الجميع يطلبونها.. مائة ليرة قليلة، أرى أن تعطيني عشرين أخرى على الأقل. وحاول الدكتور أن يتكلم.. ولكنه أحس بما يشبه العي فابتسم ابتسامة شاحبة. ـ أنا؟.. أدفع ثمنها؟ أجل.. إن مائة ليرة لقليلة في هذا الورد والبنفسج.. إليك مائة وعشرين ليرة.. فأخذ البستاني النقود، وأجاب على الفور. ـ شكراً سيدي الدكتور.. تيقن أنها تستحق هذا الثمن. فقاطعه الدكتور بعد أن وضع محفظته في جيبه.. ـ احتفظ بها هنا، ولا تعطها للخادمة.. سأعود وآخذها بنفسي. وخرج من المقصورة، وأخذ طريقه إلى الباب، ولكنه توقف حين أحس أنه وحيد، بعيد عن أعين الناس، وشعر برجفة ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة. ـ لقد دفعت ثمنها.. أنا؟! ما الذي يجب أن يفعل الآن؟ هل يأخذ زوجته إلى بيت والدها دون أن يلحق بها أذى؟ إنها تستحق ذلك. وهناك تستطيع أن تبكي حبيبها الشاب، بعيداً عنه، دون أن تسرق حب هذا الرجل الشهم الذي كان يجب عليها أن تحترمه، على الأقل. لا حب ولا احترام؟ أجل، لقد رفضت الشبان وارتضت الزواج بعجوز مثله لأنها تدرك أن الحب شيء لا يطلبه، لقد ذهب زمن الحب بالنسبة إليه. ولن يحلم بالحصول عليه بعد أن أخذت الشعرات البيض تلمع في رأسه ولحيته. وكان من الممكن أن يغض الطرف عن حزنها القديم دون أن يتألم، لو لم تعمد إلى إرسال هذا الإكليل في الخفاء. ربما رأت أنه غير لائق بها كزوجة أن تذهب بنفسها لتأمر بهذا الإكليل، فاكتفت بإرسال الخادمة، راجية منها أن تضع الإكليل على قبر حبيبها الشاب تعبيراً عن الحب الذي تحمله لـه . ومع ذلك فإن هذا العمل غير لائق مهما كان العمر متقدماً بزوجها. آه.. كم كان الموت جائراً في القضاء على ذلك الشاب. فلو أنه عاش، وامتدت به الحياة حتى أصبح رجلاً ناضجاً خبيراً بتجارب الأيام، ثم تزوج هذه الفتاة، لفهمت أن هناك فرقاً بعيداً بين الحب الذي يبدأ في النافذة، في الثامنة عشرة، وبين الحياة اليومية الغارقة في الواقع المر، حين تنطفئ تلك الشرارات الأولى وتتخذ الحياة شكلها الرتيب الممل ويسيطر عليها الخمول والإعياء، تتوالى المشاكل التي ترهق الزوج الشاب وتلاحقه بالقلق والسأم. وحينئذ يبدأ التفكير في خيانتها! كم يتمنى أن تكون قد اجتازت مع هذا الشاب تجربة قصيرة.. وحينئذ يكون هذا العجوز... وشدد قبضة يده، حتى كادت أظافره تغوص في راحته، ثم نظر إلى يديه المرتجفتين وتنهد عميقاً. ثم خمدت حدة المفاجأة في نفسه، فوقف يحدق فيما حولـه حتى إذا أبصر كرسياً يقع غير بعيد منه، قصده وجلس. ومضى في تفكيره، أليس من حق هذا العجوز أن يسلك مسلك الأشرار من الشباب يواجهها بخيانتها ثم يعاقبها على ذلك؟ لماذا لا يعمد إلى التشهير بها؟ ولكن ذلك سوف يثير دهشة الذين استغربوا قبولها الزواج منه. وسوف يتساءلون.. من أجل ماذا كانت الفضيحة؟ أ بسبب إكليل على قبر ميت؟ لقد كانت ترسل إكليلاً في مثل هذا اليوم من كل عام؟ إن البستاني الجديد لا يعرف ذلك. ومن الطبيعي أن تحتفل بذكراه حتى هذا العام، إذ لم يستطع الدكتور أن ينسيها أو يقتلع من نفسها جذور ذلك الحب الذي تحمله للشاب. ولم تصبر هي على مقاومة الرغبة في إرسال هذا الإكليل. نعم لقد اجترحت إساءة كبرى بإقدامها على هذا العمل. ولكن العاطفة لا تعقل. والموضوع كله، يتعلق بميت.. ما الذي يجب أن يفعله إذن؟ أيترك الأمر يأخذ مجراه؟ أيتظاهر بأنه لا يعرف شيئاً؟ أيعود إلى البستاني ليطلب منه تسليم الإكليل إلى الخادمة، بعد أن أراد الاحتفاظ به هناك، دليلاً على خيانتها؟. لا.. لا.. وإلا لوجب عليه أن يسترجع الثمن الذي دفعه موصياً إياه بالصمت. ماذا؟ أيذهب إلى بيته ليطلب منها إيضاحات باطلة. يواجهها بخيانتها ثم يعاقبها؟ إن العمل الذي أقدمت عليه شديد على نفسه، موجع لـها، ولكن أشد منه إيلاماً لقلبه المطعون، سخرية الناس به حين يعلمون بالحادث الذي سيؤكد لـهم الاحترام القليل الذي يظفر به من زوجته. يجب أن يتغلب على قلبه ويقنعه بأنه ما يزال يحس بالشباب على الرغم من لغط الناس بشيخوخته. إن الشاب قادر على إعلان الفضائح. أما هو الشيخ المتهدم، فلا يقدر على ذلك، يجب أن يترفع عن هذا المسلك ويرغم زوجته على احترامه. ثم نهض في هدوء، ولكن في هيئة من يشكو الإعياء والارتخاء في المفاصل. وكانت طيور الحديقة تتابع تغريدها. آه.. أين الإعجاب الذي كان يتملك نفسه قبل لحظات؟ وغادر الحديقة، متوجهاً إلى البيت، وما كاد يصل إلى الباب حتى ودع هدوءه. وكان يتنفس في ضيق كأنه جواد متعب. وهو لا يدري كيف استطاع صعود السلم بساقيه المرتعشتين. إن رؤية زوجته الآن ستثيره، فهي بلا شك ستكون حزينة وأشد حزناً منها في أيامها العادية. وربما استطاعت أن تخفي حزنها ببراعة. لقد تعودت واستسلمت للقدر. إنه يحبها، يحبها جداً ويشعر في أعماقه بأنها جديرة بأن تحب. لأنها لطيفة، بحركاتها الرشيقة الأنيقة، وعينيها العميقتين، ووجهها الأسمر. وفتحت الخادمة الباب، فأزعجته رؤيتها. إنها شريكة في هذا الخداع الذي ذهب ضحية لـه . كانت تعمل خادمة لدى أسرتها منذ سنوات بعيدة، وهي تحبها، ولعلها لم تتحدث بشيء فيما شاركت فيه، لأنها لم تقدر ولم تفهم خطورة المشاركة التي قامت بها. إنها شاهدة عامية، وهو يريد أن يظل ما عزم على فعله سراً بينه وبين زوجته. ودخل حجرة زوجته. وكانت هي أمام المرآة، تمشط شعرها، ومن خلال ذراعيها المرتفعتين نحو رأسها، استطاع أن يبصر وجهها في المرآة، والتقت نظراته بعينيها اللتين كانتا تعبران عن دهشتها في أن تراه في البيت في هذه الساعة التي لم يتعود العودة فيها. قال: لقد عدت لأدعوك للخروج معي. فابتسمت في مرارة، دون أن تنزل ذراعيها اللتين تمسكان الخصلات المهملة من شعرها الفاحم الجميل، وأجابت في دهشة: الآن؟ فآلمته تلك الابتسامة الشاحبة حتى كادت تنتزع الدموع من عينيه. ـ أجل.. الآن، إن الجو بديع. فلتسرعي.. سنذهب إلى الحديقة، وقد نذهب إلى الريف. سوف نستأجر عربة. فسألته، دون أن تدرك معنى السؤال: لماذا اخترت هذا اليوم بالذات؟ وخاف أن تفضحه نظراته، وحاول أن يحتفظ بصوته هادئاً رزيناً. ـ ألا يناسبك اليوم.. سيفيدك الخروج، أسرعي.. أسرعي.. إنني أريد. وحين هم بالخروج من الحجرة أعلن إليها أنه سينتظرها في مكتبه. وبعد قليل كانت مستعدة للخروج. إنها تطيعه دائماً. فهي طيبة تفعل كل ما يأمرها به، وكل ما يريد، ولكن قلبها فقط، هو الشيء الذي لا يستطيع أن يسيطر عليه. وقد اكتفت بأن ترد في خجل: ولماذا اليوم بالذات؟ ومع ذلك، ورغم الألم الذي تعانيه فقد أذعنت لرغبته في الخروج من أجل نزهة ريفية. وخرجا وبعد أن قطعا شوطاً من الطريق مشياً على الأقدام مخترقين المدينة. استأجر الدكتور عربة وطلب من السائق أن يتوقف عند الحديقة العامة، حيث نزل وحده، طالباً من زوجته أن تنتظره قليلاً. وتحكم فيها القلق والانزعاج حين طالت غيبته أكثر من ربع ساعة، ولكنها أبصرته هابطاً من البيت القائم على الهضبة يتبعه البستاني حاملا ًالإكليل بين ذارعيه، وأرادت أن تتخلص، ولكنها توقفت عندما رأت نظراته تلاحقها من بعيد. ـ إلى المقبرة. هكذا أمر السائق. ثم ركب، وما كادت العربة تتحرك حتى انخرطت في البكاء، وقد غطت عينيها وفمها بمنديلها. خاطبها في رفق: لا تبكي، لم أقل لك شيئاً في البيت، ولست أريد أن أقول لك شيئاً الآن، أرجوك ألا تبكي. لقد عرفت ذلك صدفة، ذهبت إلى الحديقة للنزهة فأخبرني البستاني بكل شيء معتقداً أنني أمرت بإعداد الإكليل. لا تبكي، سوف نذهب لنضعه على القبر. ألا ترين هذا الرأي؟ ولم ترفع المنديل عن عينيها حتى وصلت العربة مدخل المقبرة، حيث ساعدها على النزول ثم دخلا معاً. ـ أتعرفين مكانه؟ فنفت ذلك بحركة من رأسها، فدعاها إليه ثم أخذ يبحث عن القبر. لقد كان القبر يقع في نهاية إحدى طرق المقبرة. ورفع قبعته ثم وضع الإكليل وانسحب في هدوء كأنما يريد أن يمكنها من أتصلي وحدها من أجله. ولكنها وقفت ساكنة دون أن تجد القدرة على انتزاع المنديل عنه عينيها. فلا فكرة، ولا دمعة من أجل الميت. والتفتت كالضالة تبحث عن زوجها، ودعته إليها بطريقة لم تدعه بها في يوم من الأيام وارتمت في أحضانه صارخة: ـ اغفر لي.. اغفر لي.. خذني إليك. __________________ |
||
|
|
|
|
|
#12 (permalink) | |||
|
عضوة شرف
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874
|
رد على: صوت في الظلام "قصص إيطالية"
اقتباس:
العفو ونورت الموضوع انشالله اول ما اخلص السلسلة رح نزلها بروابط مباشرة __________________ |
|||
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
الساعة الآن 23:25.
موقع حلوة - ابراج مكتوب - للرجال فقط - الثقافة الجنسية - الحياة الزوجية - اختبار القدرة الجنسية - للمقبلين على الزواج - الحمل و الولادة - اخبار الفنانين - كلمات الاغاني تجارة الكترونية - منتديات الامارات - اناشيد طيور الجنة - العاب - العاب بنات - صور اطفال - صوت الاسلام - الفراشة - عالم حواء - منتديات - طيران - سفر - كورة - ابراج – حظك اليوم - اخبار - كليبات - العاب فلاش - التنمية البشرية - بنت الحلال – زواج - اصحاب–تعارف - مدونات مكتوب – مدونات عربية - توبيكات - العاب بنات- العاب تلبيس-العاب ماكياج |
||||