|
|||||||
القصص الواقعية قصص عربية,قصص مؤلمة ,قصص غراميه قصص للعبره,قصص الانبياء,قصص واقعية |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
|
#1 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
السلام عليكم ..
لا أعلم مالذي جاء بي هنا .. فأنا اعتزلت الكتابة في المنتديات منذ أكثر من سنتين .. جئت الآن لأكتب في منتدى جل أعضائه من الجنسي اللطيف .. حسنا ... البركة في جوجل !!! الذي جمعني بكم ... شدني المنتدى و أعجبت بالعقليات المتفتحة التي تشرف و تكتب ,,, و قررت أن أكون عضواً معكم أقرأ عليكم من دفاتري تحياتي ... |
|
|
|
|
|
#2 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
عنوان القصة : المخلص الكاتب : الحب المستحيل أو AN AMPOSSIBLE LOVE القصة واقعية أكثر أحداثها واقعية ... قصة عن معلم يصادف طالب يذكره بطفولته السيئة و يوقظ ذكرياته القديمة لتبدأ رحلة البحث عن الخلاص ... المُــخلِّــص 1 رتابة المشهد .. هذه تسميتي لطابور الصباح مشهد ممل صباح كل يوم في مدرسة ابتدائية , يجب أن نقف فيه نحن المعلمين كأصنام نراقب الأعين الناعسة و الأفواه المتثائبة . ننتظر منهم الخروج عن النص لنقوم بدور الموجه العظيم .. اصمت يا ولد .. لم لا تؤدي تمارين الصباح بجد .. تحرك , و من هذه الأقوال المكررة و الأعمال الرتيبة . رغم مرور أسبوعين على بدء الفصل الدراسي إلا أن كل شيء مكرر من يوم أمس و قبله نفس الوجوه و تمارين, واحدة ,و تفاعل موحد و دائم لهذه التمارين . وكيل المدرسة المهيب أبو أحمد يخرج من مكتبه متوحشا سلاحه (الخيزرانة) التي لفت بـ شطرطون أحمر بلون الدم و أخضر بلون الحياة تعبر عن الاضطراب و التناقض الذي يعيشه , و الذي خرج مندفعاً كـجلمود صخر حطه السيل من علٍ . يلوح بالخيزران بين صفوف الطلاب المتثائبين الناعسين تخويفاً يعوض به ضعفه الداخلي- على ما اعتقد- و يدعم منظره المرعب على الصباح الفاتر العرج في خطواته المتلاحقة و كلمات مجلجلة : يالله يا ولد خذ مسافة مع زميلك .. لا تتأخر عن الطابور يا تعبان , و لا ينسى في خضم المعمعة أن يضرب بالعصا مستخدماً عنصر المفاجأة العابثين و اللاعبين في الطابور الصباح المقدس, وطبعاً لابد أن يمسح بالعصا بكل رفق و حنان على متن حسام الولد الوسيم في الصف السادس !!! من بعيد يطل المدير من برجه العاجي يتفقد أمور رعيته بنظرات خاطفة يقيم فيها أحوالهم ثم لا يلبث إلا أن يرجع لمكتبه الوثير بعد أن اطمئن على رعيته و بعد أن رأى أبو يحيى - القهوجي- مقبلاً بابتسامته المعهودة التي تجملها أسنانه الصفراء المتخاصمة المتباعدة ... و معه القهوة. في آخر الطابور تجمع حزب المعلمين المهتمين بالرياضة يناقشون و يحللون مباريات الأمس و في الاتجاه المعاكس معلم الدين أبو مصعب واقف كأنه صنم بوذي لا يحرك و لا يتنفس حتى انصراف الطلاب للفصول. الأستاذ أيمن هو الوحيد الذي يعاكس التيار البارد فتارة ينظم صفوف الطلاب و تارة يرتب أمور الإذاعة . في غمرة هذه الصور الروتينية التي تصيح .. تكرار .. تكرار ..كأننا نعيش الأيام كما هي و إن تغير شيء انقلب الكون .. حاولت أن أبحث منظر يكسر التكرار .. لا شيء يستحق الذكر .. شيء واحد لفت انتباهي ... طالب في الفصل الذي أدرسه في الصف الثالث... صاحب العشر سنوات رغم برودة الجو إلا أن ثيابه صيفية .. يؤدي التمارين الصباحية بجهد كبير يعاكس الجو المألوف .. ربما ليدفئ نفسه .. أقبلت نحوه بسؤال كأنه رمح غرسته في جسده النحيل الذابل .. - يوسف الجو بارد ليه ما لبست ثوب شتوي أو جاكيت عشان تدفي نفسك؟ لم يرد عليّ .. لم أنتظر إجابة, فبعينيه كان الجواب.. من يملك ثوب شتوي و لا يلبسه في قمة البرد .. من لديه جاكيت و يتركه في البيت حيث الدفء.. يالـ سخافة سؤالي .. أكملت طريقي بعدم اهتمام ظاهر .. بعد إجابته المسكتة.. أنا بالكاد أتحمل هذا الزمهرير فما بالك بهذا الطفل... وقفت لوهلة أتأمله و أتساءل مع نفسي عنه .. أبـعدُ إجابات عينيه و أكذبها .. ربما جاء للمدرسة مستعجلاًً و لم يكن ثوبه جاهزا فلبس الثوب الصيفي ,أو أن أمه مهملة و.استدركت نفسي كمحاولة للهروب .. ما دخلي بالأمر , لماذا أهتم ؟.إنها ليست قضية . اليوم الدراسي عذاب يتجرعه المعلم كل يوم لذنب ربما لم يرتكبه .. ربما لنوايا تراوده . الطلاب يركضون في باحة المدرسة كخلايا نحل حركة من المستحيل أن تتوقف . هذا الأسبوع كلفت بإشراف في الفسحة أثقل كاهلي مع الحصص الـ 24 التي أدرسها .. يوم الاثنين هو اليوم الذي أتنفس فيه الصعداء , في الحصة الرابعة أنتهي .. كنت قد عزمت أن أذهب لإدارة التعليم لأستخرج بطاقة معلم التي لا أعلم فائدة لها أو ميزة .. بعد أن أقنعني الأستاذ أيمن .. فاجأني أبو حمدان بورقة تحمل حصص الانتظار و كنت مكلف بأحدها في الحصة السادسة .. أصابني الغم .. أحس أبو حمدان بشعوري و قال مواسياً: - أنت لسه جديد باقي تتحمل و يا مالك من الخير .. لم أرد عليه .. حتى بابتسامة كعادتي حينما لا أجد إجابة .. رن جرس الفسحة .. اتجهت لغرفة المدرسين ابحث عن الشاي .. لا شيء يريح أعصابي إلا كوب شاي ساخن " يقعد الرأس" انزويت بغرفة المدرسين مع كوب الشاي أشربه بتلذذ عجيب ... تاركاً المعلمين بأحاديثهم المملة المكررة و ضحكاتهم المجلجلة .. ربما اعتقدوا أن فيني " شوفه للنفس" لكني لا أستسيغهم أشعر بحواجز و جليد قطبي بيني و بينهم ...باستثناء أيمن الذي أحس أنه " مختلف " بمعنى الكلمة . *** تمضي الأيام و أنا أدرّس هنا ببطء لا يكاد يلاحظ .. خاصة وأن المنطقة جديدة عليّ .. وبعيدة عن غاليتي "حائل" ... أهل هذه المنطقة طيبون .. مختلفة عادتنا عنهم .. هذا ما يجعلني أشعر بالغربة .. أحياناً تنتابني لحظات ضيق شديدة أكرهه فيها المدرسة و التعليم و الطلاب و أيضاً المعلمين أو بالأصح بعض المعلمين على رأسهم وكيل المدرسة الذي مذ رآني أول يوم أشعرني بكرهه لي و بغضه مجرد رؤيته لاسم قبيلتي .. مضى شهر على بدء الفصل الدراسي ..الجو بارد حد التجمد .. أمشي في ساحة المدرسة قليلا و بين لحظة و أخرى أنتظر من يصطدم بي .. الأطفال قمة في النشاط .. الفسحة بمثابة الحرية لهم .. و في غمرة تفكيري ..مشهد لفت انتباهي .. يوسف مرة أخرى .. يجلس القرفصاء وحيدا في الشمس .. يبدو أنه يبحث عن الدفء .. لكنه يبدو اليوم بملابس شتوية تناسب الجو على غير العادة ..رأيت مجموعة من الطلاب يتهامسون و يشيرون نحوه ثم يضحكون ... لم يشعروا بقربي منهم .. كان يوسف ينظر إليهم فلما ضحكوا .. نكس رأسه .. تفرق الطلبة بعد أن رأوني.... توقفت في مكاني برهة لا أعلم لماذا عادت لي ذكرى قديمة حينما كنت بعمر يوسف... أحمد و وليد و أبناء عمه كانوا يشكلون لي قلقاً و هم يومي .. في كل فسحة .. يستغلون أني وحيد دائماً فيبدأ مسلسل الضرب و الإهانة .. تنهدت في نفسي طويلاً.. آه تلك أيام ولت ولم تعد- على الأقل- منذ زمن.. رفع يوسف وجهه و رآني أنظر إليه عندها تذكرت صباح ذلك اليوم في الطابور .. و دخول يوسف المتثاقل للفصل بعد سؤالي السخيف...حينها تبار إلى ذهني شروده الدائم و انعزاله و تقوقعه حول ذاته .. إجاباته المبتورة .. صمته المطبق .. نظراته الكسيرة. كأن هذه المشاهد تدافعت بسرعة .. مشتتة غير مترابطة ..تريد أن ترسل لي رسالة مررت بجانبه.. نظر إليّ بنظرة فيها ألم و حزن لكن لم أعرف كيف أقرئها كأنها كتابة بخط كوفي قديم .. زاد فضولي لأعرف يوسف ... يبدو أن وراءه قصة مثيرة .. ألاحظ أن الطلاب لا يتقبلونه بينهم .. و لا يجلس إلا وحيداً ... بعد هذا الموقف توقفت لأفكر بالصور و المشاهد و بالرسالة التي لم أفهم مغزاها ...لكن هل هناك فعلاً رسالة أم أني أبحث أمر ما أشغل به تفكيري و أكسر الرتابة و الجو الكئيب الذي أعيشه.. يتبع ... ملاحظة : ردودكم هي الوقود لإكمال القصة .. |
|
|
|
|
|
#3 (permalink) |
|
مشرفة القصص الواقعية
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 23-03-2007
الدولة: % على بابك ربي ولن أغادره %
المشاركات: 9,638
|
قصة شيقة ,,,,,,,,,, واحداث جميلة ,,,,,,,,,,,,, وما اجمل الذكريات وخاصة الطفولية ,,,,,,,,,,,,,, يعطيك العافية ,,,,,,,,,, متابعينك بكل شوق . |
|
|
|
|
|
#4 (permalink) |
|
مشرفة المنتدى العام
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: 13-01-2006
الدولة: وخلصنا الغبار ... وصارت رطوبة ياعالم رطوووووووووووووووبة <<نشرة جوية اوب مكان اقامة هع
المشاركات: 7,716
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
.. تشوقت لقراءة القصة حجز مكان للعودة لقراءتها ومتابعتك اخوي (حان وقت الصلاة) ..
__________________
......} يَآرب تَهديِني قَبَل لَحْظَة الْفُوت .. وتَغْفَرْ ذَنُوبِي .. يَآكَريّم الْعَطَآيَآ آشْكِيّك هَمِاً دَآخِل الصّدر مَكْبُوت .. وايّآمِي الْلِي بَالخَطَآيا ,, مَلَآيَا ,, {.... حماك لامنا صحينا من الموت واليا وقفنا عند بابك عرايا **لا يشغلكم النت عن اغتنام شهر الطاعاااات** ![]() الف مبروووك دنونة ![]() |
|
|
|
|
|
#5 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: رد على: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
إقتباس » مرحبا ... أهلا بك قارئة ... أتمنى أن تلقى القصة اعجابك |
|
|
|
|
|
#6 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
إقتباس » أهلا بك ... أتمنى أن تلقى القصة استحسانك و جهزي المناديل ![]() |
|
|
|
|
|
#7 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
2 تمر الأيام رتيبة.. أبو حمدان فراش المدرسة لا ينفك يحضر تعاميم من إدارة التعليم أوقعها بدون أن أقرئها ... كان يكلمني ولم أنتبه له .. فالدرس انتهى و أنا جالس و خافضاً رأسي بانتظار الجرس الذي أعتبره " مُخلِّص " .. مشى حينما لم يظفر بإجابة .. أشعر بروحي تخرج من جسدي محلقة في فضاء من غير حدود و من غير قيود. عشت فترة أتأخر كثيرا عن المدرسة أحياناً أحضر منتصف الحصة الأولى أو بعد طابور الصباح كانت نظرات المدير تحاسبني و تراقبني و هو صامت و كنت أرد عليه بنظرات متحديه غير مبالية ... ارفع .. اعمل ما تعمل .. لا يهمني شيء... قطع تفكيري الهائم عراك بين الطلاب بالتحديد بين خالد ذلك الطالب المتعب المشاغب و يوسف الصامت الهادئ .. اندفعت مسرعاً أفك هذا العراك الطفولي .. لم أتعامل مع الموقف بطريقة تربوية فرقت بين الطالبين ثم أمرت يوسف أن يغسل وجهه المبلل بالدموع و الذي أثر فيّ كثيراً و دفعني أن أضرب خالد على وجهه ضربة آلمته . لم أكن لأضرب طالباً بهذه القسوة .. حتى في قمة غضبي .. لا أعرف أحسست أني كنت أريد أن أنتصر ليوسف الضعيف المغلوب على أمره .. استقبلت يوسف قبل أن يدخل الفصل و الذي لا زالت دموعه تختنق في عينيه الذابلتين لم يبكي من ضربة زميله بل من القهر من الإذلال من الانكسار .. - يوسف معليش.. خلاص لا تبكي خالد و عاقبته , يا الله أنت رجال و الرجال ما يبكون .. خذ المنديل يا بطل و ادخل الفصل و لا أحد يشوف دموعك .. خاطبت الطلاب.. لهجتي كانت شديدة .. و يوسف واقف بجانبي و يدي تمسح رأسه و الأخرى تتوعد . - من يضرب يوسف أو يتكلم عليه سوف يعاقب بشدة ..هذا إنذار لكم .. بعد هذا الموقف تشكلت مكانة ليوسف في نفسي .. أحسست أن هناك رابط بيني و بينه و قواسم مشتركة .. انتبهت له بعد أن كنت مهمله كان طالب غير ملاحظ يؤدي ما عليه بصمت و لا يشارك كثيراً و لا يسأل أبداً هادئ في الفصل صامت شارد .. قررت أن أركز عليه أن أسبر أغوراه و أقتحم عالمه الذي أثار فضولي ...صرت أفكر فيه كثيراً أحاول أن أتحدث معه ... لكن دائم ما أصدم بصمته الذي لم أستطيع أن أجد له حاولت أن أفتح معه حوار بعد رجوع الطلاب من حصة الرياضة قطعاً على الأقل عشر دقائق من زمن الحصة ستمضي حتى يرجع الطلاب لجو الفصل استغللتها في الحديث مع يوسف .. - هاه يوسف كيف حصة الرياضة ؟ كم هدف سجلت ؟ رد يوسف وقد خفض رأسه و هو الذي يبدو عليه التفاجؤ فلم يعتد أن يسأله أحد كهذه الأسئلة .. - ما سجلت شي أنا صرت حارس .. - أوو أكيد صديت كور خطيرة .. رد أحد الطلاب : أستاذ ما فيه أحد قدر يسجل عليه هدف. ابتسم يوسف لهذا الإطراء بعد أن رفع رأسه قليلاً ليرى ردة فعل الفصل .. أسعدتني ابتسامته التي لأول مرة أراها .. - يوسف حارس ممتاز .. راح يكون حارس الفصل بالدوري ... صفقوا له ..يا الله يا أبطال تحية قوية ليوسف ... صفق الجميع و جلس يوسف سعيداً فلأول مرة على ما يبدو يحظى بالاهتمام .. كان لهذا الإطراء مفعوله ..فهو في هذه الحصة أكثر الطلاب مشاركة . *** اليوم على غير العادة حضرت للمدرسة مبكراً لكني ظللت جالساً في السيارة حتى يبدأ الطابور مستمعاً لإذاعة القرآن الكريم ..أراقب الطلاب الداخلين الناعسين الضاحكين إلى بوابة عالم يبدو غير عالمهم كما تستنتج من نظرات أعينهم .. إنه يوسف مرة أخرى ... جلس و أسند ظهره على جدار المدرسة الأسمنتي البليد .. جلس القرفصاء و الشمس بأشعتها الهادئة تداعب محياه السمح .. ينظر إليه الطلاب الداخلين بصمت يبتسم إليهم لكن لا أحد يعيره انتباهه .. يمر من أمامه طالب يمشي بسرعة ..و آخر يسحب حقيبته و يضحك مع زميله الذي امتلاء فمه بالساندويتش .. يرى الجميع قد أوصلهم آباؤهم إلى المدرسة تعلو و وجههم ابتسامة و أمل و سعادة .. هذه الصور الصباحية تغذي مخيلته فيغرق في أحلام اليقظة التي لا يستيقظ منها إلا على صوت يحيى الحارس الذي يأمره بلحاق الطابور .. غفوت قليلا و أنا في السيارة و لم أشعر بنفسي إلا و الأستاذ أيمن يدق زجاج السيارة تنبيهاً للغارق في أفكاره و يشير إلى ساعته و لسان حاله يقول : لقد تأخرت ... الطابور بدأ .. خرجت من السيارة و رافقت أيمن الذي أسعد و أنا أتحدث معه ... بادرني مبتسماً : - وين سرحان.. ذبحك الحب و العشق يا مغرم ... - و ين حب وين عشق يا أستاذ أيمن ظنك راح بعيد .. - طيب أكيد تفكر في الأهل في حائل . ابتسمت في داخلي و قلت له و أنا أقدمه ليدخل باب المدرسة و منهياً الحوار السريع في إجابة متعددة التفسيرات : - تقدر تقول ... بس تراني ما رحت بعيد!! *** الفترة التي تسبق نومي بساعتين أعتبرها فترة مقدسة عندي أقطع كل ماله صله بالعالم معي و أتفرغ لكتاب أقرأه أو كلمات أكتبها أو أي شيء أمضي به الليل بهدوء .. هذه الليلة لم يكن هناك كتاب و لا كلمات ولا تلفاز كان هناك أمر يشغل بالي لا أعرف لماذا لا أزال أتعاطاه بهذا الشكل المتزايد .. يوسف ... غموض و ألم و صمت يحتاج لإجابة .. أستعرض مشاهده في مسلسلي اليومي الرتيب يوسف عند جدار المدرسة وحيد و في الصف لا تشعر بوجوده .. و في الفسحة إن لم يكن وحيد هو حتماً يتعارك مع أحد اعتدى عليه .. أصبح تحت نظري كل حركاته و كل تحركاته اعتقدت في داخلي أن هناك سر في هذه الانطوائية الغير مقبولة ..لا أعلم سر اهتمامي به .. أحاول أن أخالف نفسي أن.. مجرد طالب .. أن يتعارك مع زميل له .. هذه أمور تعتبر طبيعية .. لابد أن يمر الطالب بها .. ليس هناك ما يدعوا للقول بأن هناك سر . في اليوم التالي في حصة الأناشيد لم يحفظ يوسف الأبيات المطلوبة .. حينما سألته لماذا ؟ لم يجب ظل صامتً .. كررت السؤال .. لم يجب .. حاولت أن أصنع له عذر ... هل نسيت يا يوسف ؟ أيضاً لم يجب و اكتفى بابتسامة صامتة أخفت ما بداخله من تردد و خوف .. اضطررت أن أسامح جميع الطلاب الذين لم يحفظوا لأني لا أستطيع أن أعاقب يوسف.. سأحاول أن أقترب منه لأعرف سبب غموضه.. لازال ذلك الوجه الطفولي البريء يخفي ألما يخفي شعورا مكبوت لا تقوى نفسه على تحمله و إخفائه فيظهر على شكل شرود أو دموع تذرف على استحياء يخفيها عن الجميع ... *** بعد نهاية الحصة السادسة يؤدي الطلاب صلاة الظهر قبل الانصراف .. كان هناك ازدحام على المغاسل لأجل الوضوء .. لاحظت يوسف يتأخر عن دوره على المغسلة .. يريد أن يكون آخر طالب .. استغربت هذا التصرف رغم أني لم أسأله عن السبب .. أحببت أن اعرف بنفسي .. كان تنظيم الطلاب صعب خاصة أن المغاسل قليلة و الطلاب كثر .. انتظرت يوسف حتى توضأ .. كان يغسل ذراعيه حينها شاهدت ازرقاق متفرق في ذراعه .. إنها كدمة.. كدمة مزرقّة على مرفقه .. اقتربت قليلا منه .. حينما رآني اقتربت منه توقف عن الوضوء ... - يوسف من وين هذه الكدمة ؟ ارتبك قليلا .. لم يجد إجابة سريعة .. استدرك نفسه .. أجاب بإجابة طفولية يعتقد أنها مقنعة بارتباك ... طحت من السيكل !!! لم تقنعني إجابته .. إحساسي أن هناك أمرا ما .. قبل أن يكمل وضوئه كنت قد اقتربت منه ..لاحظت أمراً آخر .. كانت المفاجأة .. شاهدت ما راعني .. لم أتصور أن الأمر هكذا .. كانت تفسيراتي عديدة. أما أن يكون هذا الأمر فلم أتوقع .. حرق في جلده .. بدا بحجم عملة معدنية .. اقتربت منه ... إنه أثر إطفاء سجائر ... يالهذا الطفل المسكين .. ألجمتني المفاجأة لم أستطع أن أتكلم .. أي ألم يتحمل و أي ظروف يعاني .. نظرت في عيني يوسف .. شاهدت انكسار و حرقة و ألم .. يبدو أن سره الخطير كشف .... لم أقدر على كلامه .. خاصة و أنا أرى انكساره المؤلم .. تبادرت لوهلة في ذهني صور قديمة .. لا زالت محفوظة في عقلي الباطني .. الغرفة المظلمة .. نظرات زوجة أبي الساخرة .. الخيزرانة التي فوق الطاولة المكسورة قدمها .. أو العرجا كما أسميها .. انتبهت لنفسي قليلا .. و قد لاحظ يوسف السرحان الذي انتابني ّ استدركت وقلت ليوسف منهيا الموقف لأجل مسمى ...و غير مقتنع بإجابته .. - يوسف أكمل وضوئك و بكرة نتكلم ... قلتها لأقطع حبل أفكاري .. حتى لا أدع لنفسي فرصة في التفكير في هذه الصور . الكية التي في ذراع يوسف لم تفارق مخيلتي و أنا أصلي ..و أنا عائد إلى الشقة ظلت جاثمة على مخيلتي ... تضامنت مع يوسف و شعرت بتعاطف كبير معه و تألمت كثيراً له.. هذه الليلة لم أستطع النوم عادت لي ذكرياتي مع أبي من أرشيفها القابع في ركن بعيد .. كان يخترع أعذار ليضربني .. كان بالحقيقة ينتقم من جور الحياة يعبر عن فشله برسومات على جسدي .. لم أكن أعلم أي ذنب ارتكبته .. كم من ليلة بت و الدموع رفيقتي ... كنت أنام في غرفة الجلوس .. بقرب النافذة .. أرتجف من شدة البرد ..لا الغطاء الممزق يدفئني ولا صدر حنون يضمني .. أجلس وحيدا في الساحة ... عراك مع الطلاب و بالطبع أنا المعتدى عليه دائما .. لكنه – قطعاً- لم يمر بما مررت به .. لم تكن تنتظره الخيزرانة إذا تأخر عن إحضار علبة الدخان من المتجر .. ما تزال كلمة والدي سامحه الله ترن في أذني " الزجاره يا ولد .. أسرع يا حمار " و أيضا لم تكن له زوجة أب " الشيطانة " كما كنت أسميها و أنا صغير .. إنه لم يكن يأمر بعصا و لم ينهى بعصا .. على الأقل لم يكن هناك وسم على وجهه محل جلب للأنظار و الاستفسار ...لا أعلم لما كلما أرى طفلا عليه علامات البؤس أو الحزن أتذكر طفولتي البائسة .. انتابتني ضيقة ..كنت أفكر في أمر يوسف فكيف أصبحت الآن في ذكرى لي ماضية ..بين دمعات خجولة و صور متلاحقة عنيفة و دموية قضيت ليلتي .. خوفي أن ترجع لي خيالات تلك الأيام الكئيبة و كوابيسها المزعجة .. يتبع ... |
|
|
|
|
|
#9 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
إقتباس » أهلا بك متابع .. القصة حبلى بالكثير ... بانتظار تواصلك المستمر |
|
|
|
|
|
#10 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
3 صباح اليوم التالي ... كنت مصمما على أن أتكلم مع يوسف لأعرف ما أمره .. الآن أنا متأكد بأنه يتعرض لعنف جسدي .. الآثار التي على مرفقيه دليل ذلك .. بدأت الحصة الثانية .. في الفصل ثالث ج .. أترقب الوجوه البريئة أين يوسف .. لا أراه .. قمت بتحضير الطلاب .. سألت الطلاب لماذا لم يحضر يوسف اليوم ؟ هل هو مريض .. هل بالفصل أحد من جيرانه يخبرني .. الصمت .. كانت هي الإجابة و بئست الإجابة ..لماذا غاب ؟ هل هو خائف لأني كشفت سره.؟ ممكن أن الشخص الذي يعتدي عليه و هو أجبر يوسف على الغياب حتى تختفي الآثار وحتى لا يسأل ..الأكيد أن يوسف أخبر من يعتدي عليه بالحادثة فالضحية دائماً ما يرتبط بالمعتدي بعلاقة معقدة مزيج من التبعية و الإذعان .. ربما يوسف لم يستطع أن يخفي أمر كشف سره من غير وعي منه ...نعم المعتدي هو من أجبر يوسف على الغياب حتى تختفي الآثار وحتى ينسى موضوعه كما يأمل .. لكن هل سيزول حرق في يومين أو ثلاثة .. أبداً .. سيطول زواله هذا إذا لم يكن عميقا ..تعددت الافتراضات في ذهني .. كنت مشفق عليه ..لا أتمنى أن يعيش الألم كما عشته,لا أريد أن يمر بهذه التجربة بكامل فصولها. *** مر يومين و لم يحضر يوسف .. غاب يوم الثلاثاء و الأربعاء .. كنت جالساً وحدي في غرفة المدرسين التي لا تخلو عادة إلا في حضور مشرف تربوي.. و ذهني منشغل في مشكلة يوسف لابد أن في الأمر شيئا .. ربما صحت ظنوني .. مسألة تأكيد أن يوسف يتعرض لعنف جسدي لن ينتظر سؤاله و التحقيق معه , غيابه يؤكد ذلك إنه هروب و اختفاء .. لن أدع يوسف يعاني مهما كان الأمر .. سأبلغ الإدارة .. سأتصل على والده .. يوسف أصبح قضيتي .. لن أدعه يعيش الألم ..انضم إليّ الأستاذ أيمن الذي دائماً ما تسبق ابتسامته سلامه العذب .. وجدت أنها فرصه ليشاركني التفكير في مشكلة يوسف.. أخبرته بالحكاية و ملاحظاتي المستمرة ليوسف لكنه هون الأمر و جعلني أعتقد أني بالغت في تصوري - قطعا لا يعرف سر مبالغتي- لكن كلامه بدا مقنعاً لي للوهلة الأولى .. الانطواء و العزلة ليست دليلاً قاطعاً على عنف و الحرق ربما عبث أطفال.. سيجارة سقطت من يد أحدهم وجدها مع أصدقاءه بدت لهم أمر مثير .. و غيابه أمر عادي لا يستدعي الشكوك ..الطلاب عادة ما يغيبون يومي الثلاثاء و الأربعاء حتى يجمعونهم مع يومي الخميس و الجمعة ليسافروا .. و ربما كان مريضا مرضا عاديا .. ليس في الأمر أي اعتداء أو عنف .. أخمدت رؤية الأستاذ أيمن للأمر التصورات المشتعلة في ذهني لـ لحظات على الأقل .. ربما عقلي الباطني استنتج هذه الفكرة لأنه يعرف أن الكدمات و الجروح سببها عنف و اعتداء .. فقد جرى عليه ذلك . في الطريق إلى شقتي المتواضعة توقفت عند مكتبة لأشتري كتاب , لم يكن بذهني أي كتاب معين ولم أكن راغباً في القراءة منذ تعييني في هذه المدينة .. اشتريت كتاباً لمؤلف غربي لا أعلم بالتحديد عنوانه لكنه يتكلم عن النجاح و تطوير الذات .. شدني غلافه الجذاب و اشتريته .. قررت أن أقرأه الليلة .. قبل أن أنام قرأت صفحات منه .. كان أسلوب المؤلف جاف و غير واضح بالنسبة لي حاولت أن أواصل القراءة لم أستطع .. تملكني نعاس استسلمت له سريعاً . 4 هذا اليوم لدي حصتين راحة لا انتظار فيهما .. ذهبت لغرفة المدرسين و تحدثت معهم في شؤون الطلاب و أمورهم و أحوالهم و من ثم جلست مع المدير الذي كان برفقة أحد أولياء الأمور .. كنت أريد أن أتكلم معه بشأن يوسف لكني آثرت الانتظار حتى يذهب ولي الأمر رأيت الأستاذ أيمن واقف أمام أحد الفصول .. اتجهت له مستغرباً و مازحاً: - أول مرة أراك خارج الفصل و عندك حصة .. رد عليّ مبتسماً و نظارته الشمسية التي يلبسها حتى في الظلال تعكس خطواتي القادمة نحوه - و أنت الصادق عندي انتظار .. كالعادة أستاذ فهد ... غياب و أنا آكلها!!! - بالهناء و الشفاء !!! - لا تنسى موعدنا الليلة .. أظنك عرفت مكان الشقة .. - مكانها واضح ... بإذن الله راح أمرك .. أحسست بالجوع ..ذهبت إلى مقصف المدرسة .. مررت بطريقي في ملعب الكرة و كان فصل يوسف هو الذي يلعب .. شيء مضحك لعب الأطفال .. كل الفريقين يجتمعون على الكرة في وقت واحد بما فيهم الحراس .. و كلما ذهبت الكرة في اتجاه ركضوا نحوها في مشهد مضحك .. كان يوسف ينتظر دور مجموعته في اللعب لم أرغب في محادثته الآن و أفسد حصة الرياضة عليه انتظرت جرس الفسحة.. ناديته .. اقترب يوسف .. -نعم يا أستاذ قالها و هو يغمض عينيه متقياً أشعة الشمس التي كانت مباشرة في عينيه - سلامات .. ليه غايب يوم الثلاثاء و الأربعاء .. فاتتك دروس مهمة .. قال و هو واضع يديه في جيبيه .. - كنت مسافراً عند جدي صمت قليلا ثم استدرك .. كان مريض حيل .. - الله يشفيه .. أراد أن يمشي لكني لاحظت فمه جاف كأنه لم يأكل ..ناديته - يوسف أفطرت في البيت ؟ صمت قليلا كأنه يريد أن يتذكر - لا ..لا يا أستاذ. - خلاص خذ العشرة و تفسح فيها .. مددتها له بسرعة حتى لا يشعر بإحراج كان بعض الطلبة واقفين بقربي حينما شعرت بهم رفعت صوتي كأني أرسله للمقصف .. - جب لي موية صحة .. هاتها لي في غرفة الوكيل... تلقاني هناك أبسألك عن موضوع.. كأنه خاف و تردد .. لاحظت أنه يعض إصبعه السبابة .. - عن أيش يا أستاذ .. ربت على كتفه و قلت : - تعرف الموضوع أنت جب المويه و تعال لي بغرفة الوكيل .. حضر يوسف و معه علبة المياه المعدنية و قد مد يده إلي بالباقي .. - يوسف تفسحت رد يوسف و هو لم يزل مادا يده - لا ... - أنا عطيتك الفلوس عشان تتفسح .. الحين تفسح و بعد الفسحة تعال لي هنا .. ثم استدركت بعد أن عرفت خوفه أني أخبرت الوكيل عن أمره ... - أبكلمك عن موضوع يوم الاثنين – إذا كنت ترغب- في الكلام عنه و ترى الموضوع بيني و بينك الوكيل جالس عند المدير .. أحسست أنه ارتاح قليلاً .. |
|
|
|
|
|
#11 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
جاء يوسف بعد انتهاء الفسحة و انصراف الطلاب إلى الفصول طرق الباب قبل أن يدخل كنت أقرأ الجريدة .. وضعتها بجانبي و رحبت بـ يوسف - أهلا بالبطل كيف حالك يا يوسف .. رد بسرعة - بخير أستاذ .. - وكيف جدك عساه طيب .. صمت قليلاً و كأنه يختار كلامه لئلا يغرق في التفاصيل - يقول الطبيب ضغطه مرتفع و هو مرقد .. أجبت منهياً مقدمة الحوار و لأبدأ في صلب الموضوع - الله يشفيه الله يشفيه ... ليه واقف عند الباب تعال اجلس على هذا الكرسي ... جلس يوسف و قمت أنا من كرسي الوكيل المريح لأجلس بالقرب منه .. عرف يوسف قطعاً أني سأله عن أمر الحرق في ذراعه لم أشأ أن أبدأ باستجواب معه أريده أن يتحدث عن الأمر بنفسه - يوسف تذكر يوم الاثنين الماضي وقت الصلاة لما كنت تتوضأ .. - أيه يا أستاذ - أنا شفت في ذراعك شي . - إيه يا أستاذ أنا كنت ألعب و أتسابق مع خالد ولد فصلنا و طحت من السيكل وو ..قاطعته بعد أن بدأ يسترسل في روايته الغير مقنعة . - لكن هذا مو بس جرح من طيحة سيكل هذي كدمة و حرق ... يوسف أنا أبي أعرف من وين جاء الحرق إذا كنت تبي تقول لي قل .. يوسف ما أبي أضغط عليك أنا أبي مصلحتك ... تبي تقول لي أبسمع لك و إذا رفضت فهذا شي راجع لك و في هذه الحالة ترى ما أقدر أساعدك .. إذا فيه شخص يؤذيك و يضربك لا تخاف منه علمني و أنا أتصرف إذا كان طالب في المدرسة راح نوقفه عند حده أنت خلك شجاع و بطل و تكلم عن كل ما في قلبك ... انتظرت أن يهل علي سيل من كلمات يوسف المختبئة في أعماقه .. لكني صدمت في الصمت المطبق ونظرات خائفة مترددة ..من يعرف يوسف يجد صعوبة في إجراء محادثة صغيرة معه فطبيعته الصمت و الهدوء و الخروج بكلمات قليلة يعتبر مكسب ... لم أستطع أن أدفعه إلى الكلام .. أحتاج إلى أن أكسب ثقته أكثر و أشعره بالارتياح و أن أخفف جو التوتر الذي يعيشه .. طرأت على بالي فكرة قد تفيد .. لا أعرف كيف جاءتني الفكرة ..طرأت حينما سمعت جوال الوكيل الذي نسيه يرن في درجه .. - يوسف تعرف لعبة البلياردو في الجوال ؟ لم يكن لسؤالي أي علاقه في حديثنا .. جاوبني يوسف مستغربا سؤالي .. - إيه يا أستاذ أعرف ألعبها علمني إياها و لد خالي إذا جانا في البيت يعطيني جواله و يقول ألعب ..... لأن ما عندي بلاي ستيشن ... شعرت تجاهه بالأسى ..مسكين حتى اللعبة الشعبية عن الأطفال محروم منها .. ألا يكفي أنك بلا أصدقاء بلا أقرباء حقيقيين .. الحرمان و المعاناة و الألم يجب أن يسموا باسمك يا يوسف .. وقفت بعد أن أخرجت جوال الوكيل من الدرج و قلت - خلاص أنا أبودي جوال الوكيل له .. و أنت خذ جوالي و ألعب لعبة البلياردو و إذا جيت أبشوف أنت فنان فيها أو لا ... خرجت من عنده و أ آمل أن تخفف لعبة البلياردو من توتره .. حينما عدت كان يوسف مندمج مع اللعبة و متحمس معها .. حينما رآني مد إليّ الجوال لكني أشرت إليه بالإشارة أن يكمل اللعبة ... من يشاهد يوسف و هو يلعب يجزم بأنه محروم و يعاني .. تذكرت في هذه اللحظات حينما يمنعني أخي الغير شقيق من دوري في لعبة كمبيوتر العائلة كنت أشعر بالقهر و العجز .. - أستاذ .. خلصت اللعبة .. قالها يوسف و هو يمد الجوال إليّ ... - ألقيت نظرة على درجات اللعبة .. لم أتحقق من نتيجتها لكنني أثنيت عليه مشجعاً .. - ما شاء الله .. و الله فنان يا يوسف .. مو بس بالكورة .. صدق إنك خطير .. كان في قمة السعادة و قد زال تخوفه و هدأت روحه الغضة .. يبدو أن مفعول لعبة البلياردو قد آتى أكله و أصبح الطريق ممهداً للعودة لحوارنا ... احترت كيف أبدأ .. لآن .. أنا من ارتبك و من تخوف .. كيف أبدأ الحوار ثانية .. أنا لا أجيد التعامل مع الأطفال في هذه المواقف خاصة و أنا في سنتي الأولى في التعليم .. يا يوسف شكلنا كلنا نعاني .. قلتها في نفسي و لم أشعر إلا و لساني ينطق بها .. من غير قصد .. نظر إلي يوسف غير فاهم .. كانت نظراته مستنكرة .. لو لم أشاهد هذه النظرة لما اعتقدت أني قلت جملتي مسموعة .. من حيث لا أعلم .. كانت كلمتي مدخل مثالي لحواري مع يوسف أنقذني من تخبص في الكلام عادة ما تصاحبني في مثل هذه المواقف ... أعدت الجملة مؤكداً ..كأنني تعمدتها .. - إيه يوسف كلنا نعاني .. أنا أعاني و المدير يعاني و الوكيل يعاني و جارك يعاني وصديقك يعاني ... كل واحد بالدنيا عنده مشكلة .. و المشكلة إذا حصلت الواحد يستشير صديقه أو أخوه أو أي شخص يثق فيه عشان يساعده في حل مشكلته.. أو على الأقل عشان يتعاطف معه و يشجعه و يوقف معه .. إذا الواحد منا سكت و كتم مشاكله في قلبه و ما تكلم راح يعيش في ضيقة و يكون زهقان و متضايق على طول .. - معي يا يوسف ؟ رد يوسف بصوت خافت خافضاً رأسه .. - إي يا أستاذ معك .. - يوسف وين الحرق اللي بأيدك أو الكدمة أو أثر الطيحة من السيكل .. رفع يوسف كم ثوبه قليلاً .. ثم نظر لي كأنه يقول لا أثر لم يكن هناك جرح .. ارفع الكم زيادة فوق كوعك .. رفع يوسف كمه ليظهر أثر الحرق بوضوح .. لم أكن مركز على الكدمة بقدر الحرق .. فالكدمة متعددة الافتراضات لكن الحرق و بهذا المكان لا تبدو افتراضاته كثيرة.. - يوسف شف يدي .. رفعت كم ثوبي ليدي اليسرى .. ألجمت يوسف المفاجأة .. لم يكن يتوقع ما رأى .. نظر إلى يدي ثم إليّ .. - هذا حرق بالسيجارة .. قلتها و أحسست أن الألم جثم على صدري .. ثم أكملت يوسف تبي تشوف بعد .. رفعت ثوبي فوق كعبي قليلاً و قلت ليوسف شوف ترى هذي الهللة في الجلد أثر حرق سيجارة .. ما قلت لك يا يوسف كلنا نعاني . قلتها ثالث مرة لها و قد شعرت أنها هذه المرة أكثر صدقاً ... - يوسف أنا عانيت قبلك و أعرف الألم اللي تعيشه ... تدري من كان يضربني و يحرقني .. أبوي يا يوسف أبوي .. لا أعلم كيف نطقت هذه الكلمات لا أعلم كيف لم أكن أظن أني سأتكلم عن نفسي أو الحرق الذي في قدمي و يدي .. سألني يوسف ببراءة.. - طيب ما قلت لأمك .. - لا يا يوسف أمي مو مع أبوي .. في ديره ثانية .. سادت حالة من الصمت لثواني ثم مسحت بيدي على أس يوسف المجعد الخشن -- يوسف أنت عندك مشكلة .. مو شرط إنك تتكلم عشان أعرف .. أنا ألاحظ إذا تبي تتكلم معي عنها .. تفضل .. أو تبي تتكلم مع الوكيل أو أي أستاذ غيري على راحتك و إذا ما لك رغبة بالكلام على كيفك .. تعمدت عدم ذكر اسمه أبيه لأن إحساسي أن له صلة بالأمر .. نظر يوسف إليّ و هو صامت متخوف .. انتظرته أن يتكلم ... لم أرى إلا عينيه تنطق بالهروب من هذا الموقف الصعب عليه .. أشعر به يتمنى الخروج من هذه الغرفة قاطعت صمته متسائلاً .. - يوسف تبي تسكت ؟ أنا سكت .. لما سألني جاري لما شافني أبكي عند باب البيت .. ما تكلمت .. صرفت السالفة و دخلت البيت .. يعني أنا خفت لا أتكلم .. تدري وش كانت النتيجة .. الضرب استمر و ما في أحد درى فيني .. عشت بحزن و ضيق .. أنا ما ودي تمر يا يوسف باللي مريت أنا فيه ودي أساعدك و أوقف معك . يبدو أن كلماتي الأخيرة أقنعت يوسف فملامح وجهه بدأت بالتغير و شعرت أنه بأي لحظة سوف ينفجر - يوسف أنا ألاحظ عليك شرود دائم بالفصل و ألحظ إن مالك صديق عزيز في هذه المدرسة وأن الطلاب كثير تصير معهم مشاكل معك أدري إنك مــو مذنب .. يوسف قل لي عشان أقدر أساعدك .. هـــــا يوسف إذا تبي تقولي الحين أو بعدين ؟؟ نظر إلىّ بتوجس و قال .. - أستاذ أنا أبقولك لكن .. لكن .. - لكن وش يا يوسف .. - أنا ودي أقولك من اللي حرقني .. صحيح أستاذ هذي حرق سيجارة .. بس أخاف أنا أخاف إني أتمشكل مع مع ,,, - مع من يا يوسف ؟ شعرت بخطورة الوضع و عظم الأمر الذي هو فيه و ربت على كتفه لا تطمن يا يوسف أنا أوعدك إني معك .. اعتدلت في جلستي واعتدل يوسف في جلسته لا شعورياً .. بادرته بالكلام بلغته ليشعر بالأمان : - يوسف لا تعتبرني أستاذك اللي تخاف تتكلم عنده عشان يضربك اعتبرني أخوك الكبير .. أبيك تتكلم بصراحة و بحرية و تقول كل اللي في قلبك .. و تذكر إني راح أساعدك قدر استطاعتي و ما راح أؤذيك أو أسمح لأحد إنه يؤذيك مهما كان .. تردد يوسف في الكلام .. كأنه خائف من شيء .. يعتقد أنه إذا تكلم هناك من يسمعه فيؤذيه .. شجعته .. أقنعته حتى يتكلم .. -يوسف اللي حرقك واحد من الحارة أو من البيت ؟ - لا يا أستاذ مو من الحارة .. - يعني من البيت .. صمت يوسف ولم يجب .. - طيب من يسكن معك بالبيت ؟ - أبوي و عمتي زوجة أبوي و بس .. - أمك و ينها ؟ - أمي ماتت يوم إني صغير , قبل لا أدرس بسنة .. - الله يرحمها .. زوجة أبوك حبيبة معك ؟ - لم يرد عليّ.. - حبيبة معك يعني هل هي طيبة و زينة ؟ - هي طيبة و زينة و أبوي يضربها مثلي ... لم يعد هناك أي شك في أن والده هو المعتدي .. قالها يوسف بلا شعور بكل براءة .. يضربها مثلي ... أي ألم تعيشه يا يوسف أي شقاء يسكن جسدك النحيل أي بؤس يطل من وجهك الطفولي الشاحب .. تمنيت وقتها أن أضمه لصدري ليشعر بتعاطفي معه و حزني عليه .. لأفرغ انفعالات مكبوتة في داخلي تخبره بأني كنت مثله طفل بائس حزين الكل يرى الألم و القهر بنظراتي و لا يصدقها .. الكل يراني أصيح في داخلي و لكن يتظاهر بعد السماع... نظرات يوسف غدت كسيرة أشعر بأنه يحمل هم كبير فوق كاهله , كان من واجبي أن أعرف أسباب هذا الضرب الوحشي على جسد طفل صغير .. بدون ذنب كما يبدو و حتى لو كان مذنباً فالوحشية لا تبرر أبداً كعقاب .. من يحرق أكيد أنه ضرب .. كنت متخوفاً من أن يتجاوز الأمر الاعتداء الجسدي و يصل لأمر أكبر ما دعاني لسؤال يوسف الذي ألاحظه يعض إصبعه السبابة مجدداً .. - أبوك اللي حرق يدك؟ - أيه يا أستاذ... ضربني بالخيزرانة و بعدين حرقني .. - بس كان يضربك ؟ ما يسوي لك أشياء ثانية .. - إيه بس يضربني و دايماً يهاوشني و أنا ما أسوي شي .. لم يفهم يوسف سؤالي الثاني جيداً .. تجاوزت هذا السؤال على أمل أن استنتج جوابه من بقية كلامنا .. - يوسف يمكن أبوك يضربك لأنك سويت شي غلط ؟ - لا يا أستاذ يضربني دايماً و بدون سبب , أحيانا إذا ما جابت عمتي الغداء بسرعة يحذف علي طفاية السجاير و يقولي : اذلف بسرعة و خل عمتك تجيب الغداء بسرعة . و مرات إذا جاء بالليل يكون مو صاحي .. |
|
|
|
|
|
#12 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
لاحظ يوسف نظرات الاستغراب و التفاجؤ حينما نطق " مو صاحي" ليعيد الجملة مستدركاً .. مو صاحي .. عمتي تقول إنه مو صاحي ..ضربني بالعقال و أنا نايم.. لم أعرف كيف أرد أو أواسيه .. جاءني الدور لأصمت .. هل أنهي الحوار أو أجعله يكمل ليخرج ما بداخله حمماً يقذفني بها .. ما أردت معرفته عرفته .. يوسف يتعرض لاعتداء متواصل من أبيه .. تبادر إلى ذهني سؤال عن والده ... - يوسف أبوك يشتغل ؟ - كان عسكري بس فصلوه من الدوام لأنه كان يغيب دايماً - طيب لك عم و أو خال ساكن قريب منكم .. - خالي ساكن بالشرقية و عمي متهاوش مع أبوي و لا يكلمه أبد.. - من يصرف عليكم من يشتري مقاضي البيت إذا أبوك ما يشتغل - الخيرية !!! - تقصد الجمعية الخيرية .. - أيه و مرات جدي يعطيه من راتب التقاعد .. - ساكن معكم جدك .. - لا ساكن في الديرة مو بعيد عنا .. - كيف جدك معك ؟ يعرف باللي يسويه ابوك - جدي طيب معي و دايما يعطيني فلوس .. و إذا سيرت عليه أبوي ما يضربني . - طيب أبوك دائماً يضربك أو إذا كان معصب بس .. - دائما يضربني و إذا ما كان معصب يجرب طريقة جديدة بالضرب .. انتابني خوف من جوابه ..نظرت إليه مستغرباً وقلت: - كيف يجرب طريقة جديدة بالضرب ما فهمت .. كنت قد فهمت ما يقصد لكن أردت أن أكذب فهمي وعقلي . - مرات يربطني بالكرسي و يضربني بالخيزرانة , ومرات يكب عليّ مويه باردة ويجلدني بلي الغاز و مرات ... - بس خلاص لا تكمل يا يوسف .. شيبت راسي .. و يتفنن في تعذيبك , قلتها في نفسي و الدمعة تختنق في عيني , كانت كلماته متباعدة و صوته خافت بالكاد يسمع .. ونظراته صوب الأرض.. لم أستطع أن أسمع المزيد .. أردت أن أبعده من دنيا لا رحمة فيها .. دنيا الكل يعاقبه و يقتص منه وينفس عن غضبه في هذا الجسد النحيل .. الله الله يا يوسف .. كأن الألم و الشقاء قد وجد فيك ضالته .. كأنه يريد أن يثأر من البشرية فما وجد إلا أنت يصب على جلدك أنواع العذاب ... حدثني يوسف انهمرت الكلمات منه كالمطر الغزير و كذا دموعه .. تحدث بكل شيء .. بقيت مشدودا أنظر إليه منصت بذهول لما يقول .. كانت تنتابه لحظات صمت لكنه يعود و يكمل ما بقي من حديث .. كان يوسف خائفاً من أن يخبر أحدا عن وضعه ... فوالده كان يهدده باستمرار ظللنا نتحدث حتى انتهت حصتين و جاء وقت الفسحة .. قام يوسف وقد بدا على وجهه الارتياح و كأنه أزاح عن كاهله جبلاً ..قلت له - أنت شجاع يا يوسف و أوعدك إني ما راح أخذلك و بأكون معك .. بس تطمن و تحمل أبوك شوي وأنا بأتصرف .. - أستاذ: تكفى لا تعلم أبوي و الله يذبحني .. اقتربت من يوسف وقلت له بصوت حازم و واثق .. - يوسف تأكد إن ما في أحد راح يؤذيك .. أنا أوعدك ..أنت الحين رح تفسح و غسل وجهك و لا تعلم أحد عن كلامنا .. أراد يوسف أن يذهب .. لكني أمرته أن ينتظر ..تذكرت حيل بسيطة أتجنب بها بطش أبي - يوسف إذا كان أبوك معصب .. لا تقعد معه في نفس الغرفة .. و إذا هاوشك لا تدافع عن نفسك بالكلام كذا يعصب أكثر .. قل له سم و آمر و أبشر .. و إذا ناداك و تدري إنه يبي ضربك اهرب بسرعة ..و تخبا حتى ينسى .. زين يا يوسف .. - زين يا أستاذ .. خرجت أنا و يوسف معاً من غرفة الوكيل ..جرى إلى الساحة بسرعة بعد أن شاهد الطلاب يلعبون الكرة و أنا واقف أمام باب الوكيل كنت أراقبه من بعيد فإذا به يرجع مسرعاً ولما اقترب مني مشى ببطء ..استغربت عودته قلت في نفسي ربما نسي أن يقول لي شيئاً .. اقترب يوسف مني .. - أبسألك يا أستاذ سؤالّ - اسأل يا يوسف بس لا يكون سؤال صعب ؟؟ خفض يوسف رأسه وابتسم كما هي عادته ثم نظر إليّ كأنه بدا جاداً .. - أستاذ أبوي يرسلني عشان أشتري له دخان من الدكان .. وأستاذ التوحيد يقول حرام و يقول لا تطيع أبوك إذا أرسلك لأنك تعصي ربك .. ولما أرسلني أبوي عييت .. لكنه ضربني و أطفى السيجارة بيدي .. قال كلماته في برائه و في قمة طهر الطفولة .. قلت له و أنا أربت على كتفه - يوسف إذا أرسلك أطعه .. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .. أنت أفعل اللي تقدر عليه .. بس لا تعرض نفسك لمواقف تخلي أبوك يضربك .. الآن تفسح قبل لا يزدحم المقصف و لنا حديث آخر .. غضبت في داخلي من أبو مصعب و تساءلت في نفس لم يكن موفقاً في توجيهه لهؤلاء الصغار .. لا تطيع أبوك إذا أرسلك تشتري دخان .. قطعاً في الحصة القادمة سيتحدث عن فضل الأب و وجوب طاعته و البر به .. سيعيشون تناقض .. عقولهم صغيرة و لا تقوى على المقارنة و الاستنتاج و معرفة ما هو حرام و ما هو حلال .. ربما في مرحلة متقدمة يميزون و يستطيعون التفريق .. لم نعلمهم سوى أن يكونوا متناقضين ... في الحصة السادسة لم تكن لي رغبة في إعطاء درس ..كلفت الطلاب بواجب و أمرتهم أن يحلوه في الفصل و بقيت جالساً أفكر في يوسف والذي أراه منهمكاً في حل واجبه وكأنه في عالم آخر .. الوضع متشابه لحد كبير قلتها لنفسي وأنا أعبث بقلم السبورة ..بين طفولتي البائسة و بين طفولة يوسف .. أشياء كثيرة مشتركة .. أحس أننا نتشابه .. كلانا قست عليه دنياه عافه و أخافه من يفترض أن يرعاه ويشعر بالأمان عنده .. يوسف أي مستقبل ينتظرك |
|
|
|
|
|
#13 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
5 في هذه الليلة واعدت الأستاذ أيمن لزيارته ومشاهدة أحدى المباريات .. دخلت شقته المرتبة على عكس شقتي التي تبدو كأن إعصاراً مر بها .. كان قد دعا بعض الشباب للحضور ..الجلسة كانت جميلة ,لقد تسليت .. الجلسة كانت جميلة و ممتعة .. ضحكت فيها كثيراً .. قبل أن أغادر الشقة و قد تأخرت عن موعد نومي المعتاد سألني أيمن: - أستاذ عبدالله وش صار على يوسف أشوفك جلست تتكلم معه في غرفة الوكيل.. لقد نسيت أمر يوسف لساعات و الآن تذكرته .. أنا أمام ليلة صعبة .. - اللي شاك فيه يا أيمن صار حقيقة الولد ظروفه صعبة ومعقدة .. - لا حول و لا قوة إلا بالله .. تصدق أنا كنت أقول إنك تبالغ يوم كلمتني عنه لكن أمس لما مريت من جنبه بالفصل كنت أبغى افتح النافذة كان يوسف سرحان مديت يدي للنافذة .. فز الولد بسرعة وخاف ,, كان يحسب إني أبضربه .. - الولد متعقد و كل البلاء من أبوه ,,,موضوعه طويل بكرة أقولك عنه ونفكر بحل لهالمشكلة .. إن شاء الله قالها أيمن و هو قابض بالباب كأنه يتشبث به ثم استدرك ... - ترى ما هي مشكلتك .. - إلا مشكلتي ونص .. أنا ملزم بمساعدته ..السالفة طويلة - يالله الصباح رباح .. بكرة تعلمني بكل الموضوع ... - أجل ... تصبح على خير .. عدت إلى شقتي و أنا أفكر بحواري الصغير مع أيمن . و أفكر بأمر يوسف .. دخلت شقتي ..يا لها من فوضى .. نظيفة نعم لكنها فوضى ..لم أرد أن أقارن بينها و بين شقة أيمن اتجهت فوراً إلى السرير ..أطفأت النور و استلقيت .. لا أعلم لماذا تذكرت أبي حينما يغلق عليّ غرفة المخزن المظلمة .. قمت و أنرت المصباح من جديد .. لم أشعر بالارتياح بالظلام .. أخذت الكتاب الملقى على الطاولة علني عند قراءته أشعر بالنعاس و أنام .. محاولة فاشلة .. قلتها و أنا أرمي الكتاب يائساً .. ما زال موضوع يوسف مسيطر على تفكيري .. لماذا هذه القسوة مع طفل لا يملك من أمره شيء .. هذا الشرود و الصمت لم يأت من فراغ .. تعذيب جسدي زرع فيه الخوف الدائم فهو صامت دائماً يفكر في حاله أو العقاب الذي سيتلقاه .. كم أنت قريب مني يا يوسف شرود مستمر شك و خوف مسيطر .. مع كل مرة أرى والدي أتوقع أمر سيحدث لي .. لا أفكر بالهرب إلا إليه .. أتقدم إليه لأنال نصيبي المستحق من الألم لأني و بطريقة ما أذكره بفشل أو أرمز لنحس و خسارة كبيرة في حياته ... أشعر بالصور و المشاهد في طفولتي تتزاحم في مخيلتي و تتقافز لتأخذ دورها بالظهور ..أتذكر حينما أخذ أخي الغير شقيق دراجتي ... دفعته وأخذتها .. بكى و ذهب لأمه ... جاءني مبتسماً بمكر .. لم أعرف ما الأمر.. مرت دقائق .. جاء أبي من العمل ضائقاً كالعادة أذكر زوجة أبي بوضوح و هي تتمسح بأبي و تستقبله بعد رجوعه .. كلمته قليلاً .. فجأة شاهدته يقبل نحوي و العقال بيده .. عرفت أني المقصود .. حاولت الهرب .. ركضت هنا و هنا ... لكن انتهى بي المطاف في المخزن تلك الغرفة المظلمة بعد أن طبع العقال على ظهري قبلات الشقاء و الألم .. أتذكر أبي و العقال أبي و الخيزرانة أبي و أي شيء قريب منه .. لا أعلم كيف قضيت ليالي التعيسة .. كان يخترع أعذار ليضربني .. كان بالحقيقة ينتقم من جور الحياة يعبر عن فشله برسومات على جسدي .. لم أكن أعلم أي ذنب ارتكبته .. كم من ليلة بت و الدموع رفيقتي ... كنت أنام في غرفة الجلوس .. بقرب النافذة .. أرتجف من شدة البرد ..لا الغطاء الممزق يدفئني ولا صدر حنون يضمني ...بين دمعات خجولة و صور متلاحقة عنيفة و دموية قضيت ليلتي .. لقد رجعت لي خيالات تلك الأيام الكئيبة و كوابيسها المزعجة .... *** استيقظت هذا اليوم على آذان الفجر على غير العادة لم تمر خمس دقائق إلا و الساعة المنبهة تبدأ يومي بالصراخ .. لم أنم سوى ساعتين .. و نصف على الأكثر.. يبدو أني استرسلت في ذكريات مضت و أنا الذي قطعت عهداً على نفسي بنسيانها بعد خلاصي من الجحيم .. أصبح حضوري للمدرسة بالدقيقة .. التأخر لم يحدث إلا نادراً بيد أن علاقتي مع المدير لم يزل يكسوها الجليد و عدم التفاهم .. كالعادة انتظر بسيارتي و بيدي كوب الشاي مستمعاً لإذاعة القرآن مستمتعاً برؤية مشاهد يومية مكررة .. الطالب الذي يسحب حقيبته على الأرض و هو غارق في التفكير و الآخر صاحب الفم الممتلئ بالسانتدويش ويوسف أخيراً جالس تحت الجدار الإسمنتي البليد .. شاهدني .. رفع يده مسلماً .. أحسست أنه لما رآني كأنه رأى شخصاً قد فارقه منذ زمن .. رفعت يدي و رددت السلام .. طبعاً انتهى هذا الروتين المعتاد بجرس الطابور و الحارس الذي يصرخ بيوسف و يأمره باللحاق بالطابور و من ثم قدوم الأستاذ أيمن و الذي شاهدته مقبلاً فخرجت من السيارة لأمشي معه حتى ندخل المدرسة معاً .. أحياناً يبدو الروتين ممتعاً و له لذة .. يوسف يؤدي التمارين بجد و حماس .. أسعدني نشاطه .. أراه يتحدث مع زميله في الطابور ..مررت من جانبه سمعته يتحدث عن برنامج أطفال .. لم أهتم بماهية الحديث سعدت لأمره .. هذا مؤشر إيجابي .. كان غارقاً في نفسه و الآن بدأ يتواصل مع غيره و لو بشكل محدود .. قبل أن أتجاوزه .. قاطع زميله و التفت إلي - أستاذ حفظت النشيد .. ابتسمت و قلت له مشجعاً - ممتاز يا بطل .. إذا في حصة القراءة ذكرني أسمع لك. .. في وقت الفسحة خرجت أنا و أيمن للإفطار في بوفيه قريب من المدرسة .. كان أيمن يتحدث عن بقية الجلسة مع الشباب البارحة ثم قطع حديثه متذكراً .. - يوسف .. وش صار عليه .. وش قصة هالولد ؟ ؟؟ حكيت لأيمن باختصار قصة يوسف .. تأثر كثيراً .. - الولد يعاني .. قالها بنبرة حزينة ردد عليه مؤكداً و مضيفاً .. - كلنا نعاني .. أيمن ذو شخصية طيبة ردة فعلها سريعة و الحلول جاهزة دائماً .. بادرني و قد تحمس معي.. - الفسحة الثانية نكلم المدير و هو يتصرف .. و بكذا تنتهي مسؤوليتك .. و من ناحية الدراسة راح يمشي حاله و كلنا نساعده و ينجح .. و بالنسبة للمادة أنا من عندي و أنت من عندك و بعض المدرسين فيهم الخير ما يقصرون .. ابتسمت ابتسامة مهذبة .. الأمر بهذه السهولة .. - هل تعتقد الأمر يا أيمن بهذه السهولة ؟؟ أولاً أنا متأكد إن المدير ما راح يعمل ليوسف شي .. وش يسوي يعني يبي يتصل على البيت اللي تلفونه ما يرد ..و إذا حصل الأب أكيد يبرر تصرفه بأن شقاوة أطفال أو إن البزران كثيرين الحركة و هذا اللي يسبب الكدمات , ثم إن المدير أعرفه سلبي .. ما يحب يدخل نفسه في مشاكل عائلية . ثانياً : من قال لك أني مسؤوليتي تنتهي بأني أعطي خبر للمدير أو للمرشد الطلابي على فكرة أيمن هل عندنا مرشد طلابي ؟؟؟ ضحك أيمن كثيراً و قال - المتين أبو نظارات شمسية اللي يلبسها دايماً ما تعرفه ؟ - آها .. طلع مرشد طلابي .. طول الفصل الدراسي الأول و أنا أحاول أعرف وش شغلته!! أرجع لكلامي من قال لك إن دوري ينتهي بأن أعطي خبر للمدير .. دوري ينتهي إذا تطمنت على يوسف و إنه بأمان ... ثالثاً الولد دراسياً ما عليه مجرد اهتمام بسيط و متابعة تمشي أموره .. و بالنسبة للمادة فحلكم مؤقت و مهو حل دائم يعني اليوم نعطيه و بكرة طيب الشهر الجاي و اللي بعده .. و من نعطي ؟؟ الولد صغير و لا يمكن نعطيه مبلغ كبير و أبوه هو ساس المشكلة . الأمر مو بالسهولة اللي تتخيلها . صمت أيمن قليلاً و قال - فعلاً كلامك صحيح ثم واصل كلامه محاولاً إنهاء المشكلة يا أخي خل الخلق للخالق .. الله يعين الولد ألف مثله .. - بس الولد يعاني و ما في أحد يحس فيه .. - إلا أنت .. قالها أيمن سكت قليلاً لكن وش سر اهتمامك به ؟ - الولد وثق فيني علمني بسره و أنا وعدته بأني أوقف معه و أساعده .. مهي حلوة من مدرس و قدوة يشوف طالب عنده يحتاج المساعدة و يوقف بدون حراك و الأصعب أنه يتخلف عن وعده ..أنا أكثر واحد يحس بيوسف لأني أعرف اللي يمر فيه... إذا بدأت بالكلام عادتي أن أخرج ما في صدري .. أيمن ثقة قلت له - أيمن أنا مريت بظروف في طفولتي مشابهه للظروف اللي يمر فيها يوسف الآن .. و ظروف يوسف أكبر و أصعب.. طفولتي كانت مرة و قاسية كلها ألم و قهر .. عشان كذا أهتم لأمر يوسف و أنا بحاول مساعدته قدر الإمكان و الله يعين .. و بسرعة خلص على الفول تأخرت على الحصة الثالثة .. راح تلقى المدير باستقبالك الحين.. رد أيمن و هو يشرب الشاي - لا الآن وقت الفطور مع و كيلنا و مرشدنا اللي لازم - على فكرة - تتعرف عليه .. ما في أمل يطلع من المكتب حتى يخلص فطوره ... و بعدين ترى الحصة الثالثة فاضيه عندي و عندك !!! *** .. هذه الليلة استمرار لليالي الأخيرة ذكريات متدافعة.. أراها كأشباح تدخل مع النافذة .. كنت أخشى أن أطفئ النور حينما أنام و أنا طفل ... أحكم إغلاق الباب و النافذة .. كبرت و لم أعد أهتم لهذه الطقوس .. اعتقدت أني تجاوزت هذه المرحلة . لكن الآن.. عاد الماضي .. كأني أرى أبي و معه العصا .. يناديني .. بجملته المشهورة .. تعال يا حيوان .. و بيده سجارته ..أحاول دائما تناسي هذه الذكريات المؤلمة ... ربما تختفي فترة من حياتي بسبب مشاغل الحياة لكنها تعود شرسة تذكرني بنفسها .. أنا ما أزال هنا .. كانت هذه الذكريات تنتابني بين فترة وأخرى في أحلامي و خيالاتي ... أبي مات عليه رحمة الله ... حياتي بدأت بعد وفاته واستمرت ...صورته و الخيزران و العصا و العقال تخرج دائما لتذكرني بذلك الماضي ... حينما كبرت اعتقدت أني تجاوزت هذه الأزمة النفسية مرارا لكني أراها الآن تعود يبدو أن تجاوزاتي هي في الحقيقة مسكنات فقط ...اعتقدت عندما رحلت عن مدينتي و عملت في هذه المدرسة أني نسيت تلك الذكريات نهائياً ... باعتبار أني ابتعدت عن ما يربطني بها .. البيت الشعبي البسيط .. النخلة التي تقف في صدر باحة البيت صديقتي في أيام الصيف الملتهبة ربما نسيتها لظروف الـحياة الجديدة .. حسبتها اندثرت تلاشت مع الزمن .. قلت أنها البداية لنسيان الآلام .. نجحت لحد ما .. تناسيتها و ساعدتني بيئة جديدة و مجتمع جديد لفـترة من الزمن عشت بلا تداعيات تلك الأيام لكني الآن قطعاً بدأت أرى في يوسف طفولتي المؤلمة ..للأسف .. أعاد يوسف أيامي القديمة .. كأنما هي أمس .. رجعت تلك الأحلام المفزعة و رجع الصداع إلى رأسي .... رغم أني حاولت جاهدا أن أنسى قضية يوسف لأنها هي السبب في النكوص الذي طرأ عليّ .. يوسف و لا حزن و لا هم و لا بؤس لم يطرق بابه .. يا ترى كيف يتحمل طفل صغير هذا العنف .. لقد كانت توقعاتي صحيحة إنه يتعرض لاعتداء جسدي متكرر و من والده .. إنها مأساتي تتكرر .. لكن تجربة يوسف أعنف .. أنا كانت لدي بعض الحلول أحياناً .. كنت أبيت عند خالتي أو عند أختي .. على الأقل كان هناك جارنا أبو ناصر الذي يعطف علي و يشفق .. أما يوسف فلا .. أمه ماتت .. وحالتهم المادية أقل من المتوسط .. و علاقتهم من الجيران سيئة بسبب والده ... يا لهذه الطفولة الشقية .. يتبع ... |
|
|
|
|
|
#15 (permalink) |
|
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 50
|
رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....
إقتباس » بادرة حب ,,, هناك من يفتقد الإنسانية .. هناك من يفرغ شحنات الغضب و الإحباط على جسد بريء حتى يشعر بالارتياح و الزهو و النصر !!! طالب من طلابي عمره 10 سنوات و أخوه أكبر منه ..يذكر لي أن أخاه الأكبر يربطهم في الكرسي و يضربهم بالخيزران !!! صور مؤلمة تصدر من أشخاص ربما نصادفهم في الطريق كأشخاص عاديين أو ربما بنظرنا مثاليين لكنهم في الحقيقة وحوش بشرية تحياتي
__________________
لا تجرحي التمثال في إحساسه .. فلكم بكى في صمته ... تمثال .. حسبي و حسبك أن تظلي دائماً .. سراً يـمـزقـنـي و لـيـس يـقـال !! |
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
العاب - العاب بنات - الفراشة - عالم حواء - منتديات - طيران - سفر - كورة - ابراج – حظك اليوم - اخبار - كليبات - العاب فلاش - التنمية البشرية - بنت الحلال – زواج - اصحاب–تعارف - مدونات مكتوب – مدونات عربية