نرحب بكم في منتدى مكتوب عالم الحياة الزوجية...

هذا المنتدى خاص بالمتزوجين والمقبلين على الزواج وأحد مواقع شبكة مكتوب للمرأة والاسرة. انضم الآن واكسب المعرفة من أهل الاختصاص واعرض مشاركاتك و تعرف على اصدقاء جدد.

 
بحث متقدم
   
 


العودة  

عالم الحياة الزوجية - منتدى

> المنتديات الأدبية > اللغة العربية وفنونها > اللغة العربية وفنونها

هذا الموقع مخصص للعلاقات الزوجية المهذبة و الثقافة الجنسية و لا يتضمن أى صور أو أى مواد مثيرة و لكن به من الموضوعات مالا يناسب من هم أقل من 18 سنة.

اللغة العربية وفنونها قصص خيال , قصص ادبية , فن الرواية

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-05-2006, 19:21   #1 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



لعشاق الروايات العالمية اليكم أولها

[center]
رواية زوربا
نيكوس كانتزاكيس ( يوناني

الفصل الأول



كانت أول مرة التقيته بها في مرفأ " بيريه " عندما كنت متوجها لأخذ القارب إلى " كريت " ، كان الصباح على وشك أن ينبلج ، و السماء تمطر ، و كان رذاذ الموج يصل إلى زجاج المقهى الصغير الذي كانت أبوابه الزجاجية مغلقة ، و كان الطقس باردا في الخارج ، و قد عبق الجو داخل المقهى بأنفاس رواده .

و كان هناك خمسة أو ستة يجلسون في المقهى منذ الليل الفائت ، و قد التفوا لباسهم القاتم المصنوع من وبر الماعز يشربون القهوة و يدخنون و ينظرون إلى زجاج المقهى العابق و إلى البحر الهائج الهادر في الخارج ، و كانت الأسماك في البحر قد التجأت إلى الأعماق بانتظار هدوء العاصفة عند سطح الماء ، كما كان البحارة و الصيادون ينتظرون بدورهم أيضا هدوء العاصفة ، حتى تصعد الأسماك إلى سطح الماء لتأكل الطعم .

و فتح باب المقهى الزجاجي و ولد منه عامل قصير القامة ، أسمر اللون ، عاري الرأس ، حافي القدمين و قد صبغ بالأوساخ من قمة رأسه إلى أخمص قدميه .

- هاي ! كوستاندي ! كيف هي الأمور معك ؟

هتف بحار عجوز يرتدي سترة زرقاء ، و أجابه المدعو كوستاندي بعد أن بصق على الأرض :

- ماذا تعتقد ؟ في الصباح إلى البار و في المساء إلى البيت ، صباح الخير أيها البار و مساء الخير أيها المنزل ! هذه هي حياتي التي أعيشها الآن ، فليس لدي من عمل أعمله .

و ضحك بعض الحضور بينما شتم البعض الآخر ، و هم يهزون برؤوسهم :

- هذا العالم هو سجنٌ مؤبد ، نعم إنه سجنٌ مؤبد ، عليه اللعنة .

و دلف عبر زجاج المقهى الوسخ شعاعٌ أزرق ، و تعلق بالأيدي و الأنوف و جباه الحاضرين ، ثم تسلل إلى البار و أضاء الزجاجات الفارغة ، و خفت الضوء الكهربائي ، و تمطأ صاحب المقهى الذي كان نصف نائم ، و مسد يديه بحركة متكاسلة كأنه يستقبل ضوء النهار الجديد ، و بعد فترة من الصمت قال البحار العجوز متنهداً :

- ترى ماذا جرى للكابتن ليموني ؟ كان الله في عونه !

و نظر بغضب إلى البحر ثم صاح :

- لعنك الله من بحر أثيم مخرب للبيوت !

ثم عض على شاربه الرمادي .

كنت جالسا في زاوية المقهى من شدة البرد ، و طلبت كأسا ثانيا من الشراب ، و شعرت بالنعاس لكني قاومت الرغبة في النوم و التعب ، و جلست أنظر من خلال الزجاج إلى المرفأ الذي بدأ يضج بالحركة و بصفارات البواخر ، و بصياح سائقي العربات .

كانت عيناي عالقتين في مقدمة باخرة سوداء كبيرة ، كانت لا تزال مغمورة بظلام الليل القاتم ، و كانت السماء تمطر ، و باستطاعتي مشاهدة خيوط الماء المنهمر تربط السماء بالوحل .

نظرت إلى الباخرة السوداء ، و تجسدت كآبة الذكريات الماضية ، و دفعت الأمطار بصورة وجه صديقي الكبير ، هل كانت السنة الماضية ؟ في عالم آخر ؟ البارحة ؟ متى كانت حين نزلت إلى هذا المرفأ بالذات لأقول له وداعاً ؟ لقد كانت السماء ممطرة ذلك الصباح ، أيضا ، و في تلك المرة كان قلبي مثقلا تماما شأنه اليوم .

كم هي مؤلمة ساعة الفراق البطيئة ، خاصة فراق الأصدقاء العظام ! ، فالأفضل الانقطاع دفعة واحدة ، و العودة إلى الوحدة – الجو الطبيعي للرجل ، و لكن ، في ذلك الصباح الممطر لم يكن باستطاعتي ترك صديقي ( و قد علمت لماذا ، فيما بعد ، و لكن للأسف كان ذلك بعد فوات الأوان ) ، لقد صعدت معه إلى ظهر المركب و دخلتُ إلى مقصورته الملأى بالحقائب المبعثرة ، كأنني كنت راغبا في أن أدون ملامحه في مخيلتي ، عينيه المضيئتين بالأزرق ، وجهه الفني ، و ملامحه الذكية ، و فوق كل ذلك يديه الارتسقراطيتين و أصابعهما الطويلة النحيلة .

و حين فاجأني و أنا أحدق به بشوق ، و نظر إلي و قد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الساخرة التي يلجأ إليها حين يريد أن يخفي انفعاله ، و فهم ! ، سألني مبتسما ساخراً :

- إلى متى ؟
- ماذا تعني بإلى متى ؟
- إلى متى ستبقى على عادة مضغ الورق و التلوث بالحبر ؟ لماذا لا تأتِ معي بعيدا في القوقاز هناك الألوف من أبناء جلدتنا في خطر عظيم ، تعال لننقذهم .

ثم راح يضحك كأنه يهزأ من نبله ، قال :

- ربما ، لن نقدر على مساعدتهم ، و لكن ألم تكن تعظ " إن الطريقة الوحيدة في تخليص نفسك هي في مساعدة الآخرين " ؟ حسنا ، أيها المعلم ، إلى الأمام ، و أنت ممتاز إلقاء المواعظ ، لماذا لا تأتِ معي ؟!

و لم أجبه ، و فكرت بأراضي الشرق الساحرة ، و أم الآلهة العجوز ، و صراخ بروميثيوس المسمر إلى الصخور ، و هناك على هذه الصخور نفسها كان عِرقنا مسمراً ، لقد كان ينادي و يصرخ !! لقد كان ينادي طالبا المعونة من أبنائه ، و كنت أسمع النداء كأن الألم هو حلم و الحياة هي مأساة محيقة ، يثبت فيها من يأخذ حصته من العمل في مسرح الحياة .

و بدون أن ينتظر جوابا مني ، نهض صديقي ، و صفرت الباخرة معلنة عن الإقلاع للمرة الثالثة و مدّ يده إليّ ، محاولا إخفاء انفعاله بابتسامته الساخرة ، ثم قال :

- إلى الملتقى ، يا عثّ الكتب !

و ارتجف صوته ، و قد شعر بالخجل لأنه لم يتمكن من السيطرة على عواطفه ، فقد كانت الكلمات الرقيقة ، و الحركات المضطربة ، تبدو له ضعفا لا يجوز للرجل أن يأخذ بها ، نحن ، الذين كنا مولعين ببعضنا أشد الولع ، لم نتبادل أية كلمة من كلمات العطف و المحبة ، لقد مثلنا و خدشنا بعضنا بعضا كأننا قطط متوحشة .

هو : الذكي ، الساخر ، المتمدن ، و أنا : الهمجي ! ، لقد تمرن على ضبط النفس و إخفاء كل العواطف تحت ستار السخرية ، بينما كنت أنا أنفجر بضحكتي الوحشية البلهاء .

لقد كنت أحاول دوما أن أخفي انفعالي و عواطفي بكلمة قاسية ، لكني شعرت بالخجل ، لا ، ليس الخجل بالذات ، و لكن سوء التصرف ، و أمسكت بيده و لم أقو على تركها ، فنظر إليّ مندهشا :

- هل أنت منفعلٌ لهذا الحد ؟!
و أجبته بهدوء :
- نعم .
لماذا ؟ و لكن ماذا قلنا الآن ؟ ألم نتفق على ذلك منذ سنين ؟ ماذا يقول الأحباء اليابانيون " فودوشين " ! ، الوجه قناعٌ يبتسم ، و لكن ما يدور هذا القناع ليس من شأننا !
- نعم .

أجبته محاولا جاهدا أن لا أورط نفسي بعبارات طويلة ، و لم أكن واثقا من أنني قادر على ضبط صوتي .

و دوى صوت صفارة الباخرة ، معلنا طرد الزوار من غرف المسافرين ، كان المطر ينهمر خفيفا ، و كان الهواء عابقا بكلمات الوداع الرقيقة ، القبلات الطويلة ، التأوهات و التوصيات اللاهثة الخاطفة ، و تهافت الأمهات على الأبناء ، و الزوجات على الأزواج ، و الأصدقاء على الأصدقاء ، كأنهم سيفارقونهم إلى الأبد ، كأن هذا الفرق يعني " الفراق الكبير " ، و انطلقت الصفارة من جديد كأنها أجراس الجنائز ، فارتعدت !

- اسمع ، هل أنت متشائم ؟
- نعم .
- هل تؤمن بهذه الهواجس ؟
و أجبته بالتأكيد :
- كلا .
- إذن ؟

و لم يكن هناك من " إذن " فلم أكن أؤمن بها ، و لكن كنت خائفا ..
و رمش صديقي بجفونه مرتين أو ثلاثاً ، و حدّق بي مرة أخرى ، لقد فهم أني منفعل و حزين ، فتردد في إخفاء اضطرابه بالسخرية و الضحك ، و قال :

- حسناً ! أعطني يدك ، إذا قدر لأحدنا أن يجد نفسه في خطر الموت .. و توقف ، كأنه شعر بالخجل ، نحن الذين كنا نهزأ من هذه النزوات الميتافيزيقية لسنواتٍ خلت !! ، و سألته محاولا أن أحذر :
- حسنا ؟!
- لننظر إليها كأنها لعبة ، إذا قدر لأحدنا خطر الموت ، فليفكر في الآخر بشدة لدرجة أن ينبهه حيثما كان .. هل اتفقنا ؟!

قال ذلك محاولا أن يضحك لكن الابتسامة جمدت على شفتيه .

- اتفقنا .

و أضاف صديقي مسرعا ، خوفا من أن يكون قد أفصح عن عواطفه :

- مع العلم ، أني لا أؤمن إطلاقا بعلم قراءة الأفكار ، و ما شابه ..
طمأنته متمتماً :
- لا بأس ، و ليكن ..
- حسنٌ جداً ، و الآن لندع الموضوع عند هذا الحد ، اتفقنا ؟
- اتفقنا .

كانت هذه كلماتنا الأخيرة ، و تصافحنا بحرارة ، و مشيت مسرعا دون أن أنظر إلى الخلف ، كأنني كنتُ مطارداً ، و شعرتُ برغبة في إلقاء نظرةٍ أخيرةٍ على صديقي ، لكني تمالكتُ نفسي و قلت " لا تنظر إلى الخلف ! تقدّم ! " .


***

__________________


التعديل الأخير تم بواسطة ABU_YARA ; 04-05-2006 الساعة 21:05
ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-05-2006, 19:22   #2 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



كان الضوء ينتشر رويدا رويداً ، و الصباحان يبدوان متداخلان ، و ظهر لي وجه صديقي واضحا الآن ، الذي بقي لمدة طويلة تحت المطر ، و يبدو حزينا ساكناً .. و انفتح الباب و دخل رجلٌ قصير القامة ، مقوّس الساقين ، ذو شاربٍ متدلٍ ، و تعالت أصواتٌ فرِحة :

- أهلاً ، كابتن ليموني !

و انتشر الضوء ، و أخذ الكابت مسبحته و راح يطقطق بها بعصبية ، بينما انزويتُ أنا في مقعدي محاولا أن أستعيد تلك الصورة التي كانت تذوب مبتعدةً عني ، لو أتمكن من أن أعيش مرة أخرى هذه اللحظة من الغضب الذي تملكني حين قال صديقي " عث الكتب " ! ، و تذكرت أن كل القرف من الحياة التي كنت أحياها قد تجسد في هذه الكلمات ، كيف تمكّنتُ أنا ، الذي كنت أحب الحياة ، أن أدفن رأسي بين أكداس الكتب و الأوراق الملطخة بالحبر ! لقد ساعدني صديقي في ذلك اليوم ، يوم الفراق ، على الرؤيا بوضوحٍ أكبر ، و شعرت بالاطمئنان ، و الآن بعد أن علمت اسم حزني مصدر شقائي فباستطاعتي التغلب عليه بسهولة ، و لم تعد أحزاني متفرقة ، فقد تجسدت و أصبحت تحمل اسما ، لذلك أصبح بإمكاني مقارعتها بسهولةٍ أكبر .

لقد أثر هذا التعبير علي و دخل في أعماق نفسي ، و قد حاولتُ البحث عن حجة لأترك الورق و الكتابة و أحيا حياة أكثر مغامرة و حركة ، لقد أصبحت مستاءً من حمل هذه الحشرة البائسة مضافة إلى اسمي ، و قد سنحت لي الفرصة منذ شهر ، فقد استأجرت منجما في جزيرة كريت مواجها لبحر ليبيا ، و سأذهب اليوم إلى هذا المنجم القديم لأعيش مع رجال بسطاء ، عمال ، فلاحين ، بعيدا عن جنس " عث الكتب " .

و أعددتُ العدة للسفر ، كأن هذه الرحلة تخفي وراءها معانٍ كثيرة ، فقد عزمت على تغيير منهجي في الحياة ، و قلت لنفسي " لغاية اليوم ، لقد شاهدت الظل و كنت مكتفية به ، و الآن سأقودك إلى الجسم " .

و عندما انتهيت أخيرا ، و في ليلة سفري بينما كنت أقلب أوراقي ، عثرت على مخطوطة لم تنته بعد ، و أخذتها بيدٍ مشدودة ، منذ سنتين كانت الرغبة كامنة في أعماق نفسي ، رغبة قوية جامحة ، رغبة أشعر بها تتآكل في أحشائي كل لحظة ، لقد كانت تنمو و تنضج و ترفسني في صدري تطلب أن تخرج إلى الوجود ، و الآن لم يعد بإمكاني أن أطرحها ، لم أعد أجرؤ على ذلك ، لقد فات الوقت لهذا الإجهاض النفسي .

و بينما كنت ممسكا بالمخطوطات تلك ، ظهر أمامي وجه صديقي الساخر فقلت بصوتٍ مرتفع بعد أن شعرت بألم السخرية : " سآخذها معي ، سآخذها ، لا تضحك !! " ، و لففتُ المخطوطة بعناية و حملتها .

و عاد إلى مسمعي صوت الكابتن ليموني ، وقورا قاسيا ، و أصغيت إلى حديثه الذي كان عن العفاريت التي تسلقت صاري مركبه أثناء العاصفة و راحت تلحسه :

- لقد كانت لزجة ، و كان الإنسان حين يلمسها يشعر بالنار تحرق يديه ، لقد ملست شاربي و نظرت إليها في الظلام و أنا أشع كالعفريت ، و كما قلت ، لقد طغى البحر على مركبي و أغرق شحنتي من الفحم و بدأ مركبي يميل في هذه اللحظة ، ترفق الله العظيم و رأف بي و أرسل صاعقة حطمت أخشاب الأبواب و انزلق الفحم إلى البحر ، و خف وزن المركب من حمولته و عاد إلى وضعه السابق ، و بذلك أنقذتُ نفسي .

و بينما كنت أصغي باهتمام لما كان يقوله البحار العجوز ، شعرتُ بالانزعاج فجأة فرفعتُ رأسي ، لست أعلم كيف ، لكني شعرت أن عينين اثنتين تحدقان بجمجمة رأسي من الخلف ، و التفتّ مسرعاً باتجاه الباب الزجاجي ، و قد ومضت في رأسي فكرة مجنونة : سأرى صديقي مرة ثانية ! لقد كنتُ مهيأ لاستقبال المعجزة ، لكنها لم تحصل ، فقد رأيتُ رجلا غريبا يبلغ من العمر ستين عاما ، طويل القامة ، نحيف الجسم ، عيناه جاحظتان ، و قد ألصق بأنفه على زجاج الباب و هو ينظر إليّ ، و كان يحمل صرّة صغيرة تحت ذراعه .

و قد أثارني فيه نظرته المتشوقة ، و عيناه الحادتان المتوقدتان ، أو هكذا بدتا لي على كل حال ، و ما إن تقابلت نظراتنا ، و تأكد أنني الشخص الذي يبحث عنه ، حتى فتح الباب بقوة و اندفع إلى الداخل ماراً بين الطاولات بخطى سريعة ، و تقدم نحوي ووقف قرب طاولتي ثم قال :

- هل أنت مسافر ؟ و إلى أين ؟
- مسافر إلى كريت ، و لكن لماذا تسأل ؟
- هل تأخذني معك ؟

و نظرت إليه باهتمام ، كانت خدوده مجوفة ، و فكه صلبٌ قاسٍ ، و وجنتاه ناتئتان ، و شعره الرمادي مجعد و عيناه متوقدتان .

- لماذا ؟ و ماذا أفعل بك ؟

و هز بكتفيه و قال :

- لماذا ، لماذا ؟ ألا يستطيع المرء أن يفعل شيئا دون لماذا ؟ للاشيء ، لأن المرء يريد ذلك ! خذني معك كطباخ مثلا ، إن باستطاعتي أن أطبخ حساءً لم تذق مثله في حياتك .

و رحتُ أحدق به و أنا أضحك ، فقد أعجبني هذا المخلوق كما أعجبني الحساء ، فقلت في نفسي إنه ليس ثمة ضرر في أن آخذه معي ، فيبدو أنه قد جاب البحار طويلاً ، فهو أشبه بالسندباد البحري .. و قد أعجبني !

قال لي و هو يهز برأسه الضخم :

- و بماذا تفكر ؟ هل توازي الأمر بنفسك ؟ هيا أيها الصديق اعتمد و قرر لنفسك ..
- اجلس الآن و خذ قدحا من الشراب .
- حسناً ، و لكن كأسا من " الروم " ينفعني أكثر .

و سألته بعد أن تناول كأس الروم و راح يتذوقه بهدوء :

- ما نوع العمل الذي تتقنه ؟
- كل الأنواع ، بالأرجل و الأيدي و الرأس ، جميعهم !
- أين كنت تعمل في السابق ؟
- في منجم ، فأنا خبيرٌ في عمل المناجم ، كما أنني خبير في المعادن ، أنا أعرف كيف أجد العروق ، أحفر الأنفاق ، و أهبط إلى الحفر العميقة دون أن أخاف ، لقد كنت أعمل جيدا فقد كنت رئيسا على العمال ، و كنت لا أشكو من شيء ، و لكن الشيطان تدخل في عملي ، فيوم السبت الماضي جاء صاحب المنجم ليفتش بين العمال ، فأمسكت به و أوسعته ضربا .. هكذا ، دون أن أكون سكراناً .
- و لكن لماذا ؟ و ماذا فعل لك ؟
- لي ؟ لا شيء على الإطلاق ، فقد كانت المرة الأولى التي أراه فيها ، فالمسكين قد وزع علينا السجائر أيضاً .
- حسنا ؟
- أوه ، مالك تجلس هكذا و تطرح الأسئلة ؟ لقد خطر لي ذلك ، هذا كل ما في الأمر ، تعلم قصة زوجة الطحان ؟ حسنا ، فلا يمكنك تعلم الإملاء من مؤخرتها ، مؤخرة زوجة الطحان ، فهذا هو المنطق الإنساني .

فنظرتُ إلى رفيقي الجديد بمزيد من الاهتمام ، فقد أعجبني تحليله للأمور للمنطق ، ثم سألته :

- و ماذا تحمل في صرتك هذه ؟ طعام ؟ ملابس ؟ أم معدات ؟

و رفع صديقي بكتفيه و ضحك :

- إنك تبدو كثير التعلق ، أرجو المعذرة لهذا .

و ضرب على صرته بأصابعه الطويلة القاسية و قال :

- كلا ، إنها السانتوري .
- السانتوري ؟ و هل تعزف عليها ؟
- نعم ، عندما أكون مفلساً أذهب إلى الحانات ثم أعزف عليها و أنشد بعض الأغاني المقدونية القديمة ، ثم أبدأ بجمع النقود من الزبائن في قبعتي ، فتمتلئ بعد قليل بالدراهم .
- ما اسمك ؟
- الكسيس زوربا ، و في بعض الأحيان يدعونني " مجرفة الفئران " لأنني طويل القامة وجمجمتي مسطحة و تشبه الكعكة ، كما أنني أدعى " مضيّع الوقت " لأنني كنت أبيع البزر المحمص في وقتٍ من الأوقات ، و هم يدعونني أيضا " المعفن " لأنني أسبب المشاكل أينما حللت ، كل شيء يذهب للكلاب ، و لي أيضا أسماء أخرى ، و لكني سأدعها لفرصة ثانية .

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-05-2006, 19:23   #3 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



- و كيف تعلمت العزف على السانتوري ؟
- كنت في العشرين ، فسمعت السانتوري لأول مرة في إحدى الاحتفالات القروية ، هناك عند قدم جبل أوليمب ، فبهرت لتوي حين سمعت النغم ، و بقيت ثلاثة أيام دون طعام ، و سألني والدي رحمه الله " ماذا جرى لك ؟ " ، فقلتُ له أنني أريد أن أتعلم العزف على السانتوري ، فقال لي " ألا تخجل من نفسك ؟ هل أنت غجري ؟ هل تريد أن تتحول إلى عازف ؟ " فأجبته " نعم ، أنا أريد أن أتعلم العزف على السانتوري " و كنت قد ادخرتُ بعض القروش لكي أتزوج حين يحين الوقت ، فقد كنت لا أزال فتيا و دم الشباب لا يزال يجري حارا في عروقي ، و أريد الزواج ، أنا الغبي المسكين ! و هكذا دفعت كل ما ادخرته نم مال ثمنا لشراء السانتوري ، و هربت إلى سالونيك حيث قابلت رجلاً تركيا يدعى رستب أفندي ، و هو معلمٌ ماهر للعزف على السانتوري ، فقلتُ له " إنني أريد أن أتعلم العزف على السانتوري " فقال " حسنا ، و لكن لماذا ألقيت بنفسك على أقدامي هكذا ؟ "

- لأني لا أملك مالاً لأدفعه لك .
- و أنت مغرم بالسانتوري إلى هذا الحد ؟
- نعم .
- حسنا ، يمكنك البقاء يا ولدي ، فأنا لستُ بحاجةٍ إلى مالك .

و بقيتُ عنده سنة أتعلم العزف ، و هو لا بد أن يكون قد مات الآن ، رحمه الله ، و إذا كان الله تعالى يسمح بدخول الكلاب إلى جناته ، فلعله يفتح أبواب الجنة لرستب أفندي ، و منذ أن تعلمت العزف على السانتوري حتى أصبحت رجلا آخر ، فعندما أشعر بالحزن ، أو حين أكون مفلسا ، أعزف على السانتوري فأشعر بالسعادة و الانشراح ، و عندما أعزف لا أسمع شيئا مما يقولونه لي ، و إذا سمعت فلا يمكنني الكلام ، ولا فائدة من المحاولة فأنا لا أستطيع ... "

- و لكن لماذا ، زوربا ؟
- أوه ، ألا ترى ؟ إنه الهوس المحموم ، نعم إنه الهوس .

و فتح باب المقهى من جديد و سمعت هدير البحر ، و كانت أيدينا و أرجلنا متجمدة من شدة الصقيع ، فانزويت أكثر إلى الركن الدافئ و تلفعت بالمعطف و نعمت بدفء المكان ، و قلت في نفسي " إلى أين سأذهب ، فأنا في أحسن حالٍ هنا ، ليت هذه اللحظة تدوم سنين طويلة " ، و نظرت إلى الرجل الغريب أمامي ، الذي كان يحدق بي و قلت له :

- حسنا ؟ استمر .

و هز زوربا بكتفيه و قال :

- دعك من ذلك ، هل تعطيني سيجارة ؟

و قدمت له سيجارة ، تناولها و أخرج من جيبه قداحة و فتيلة و أشعل السيجارة ثم أغمض عينيه بسرور و ارتياح ، و سألته :

- متزوج ؟

و أجابني غاضباً :

- ألستُ رجلاً ؟ ألستُ رجلاً ؟ أعني أعمى ، شأني شأن الجميع ، لقد سقطت على رأسي في الفخ و تزوجت ، و أصبحت رب عائلة ، و بنيت بيتا ، و أصبح عندي أطفال و مشاكل ، و لكن شكرا للرب على السانتوري ..
- و هل كنت تعزف لتنسى همومك ؟
- اسمع ، إني أرى أنك لا تستطيع العزف على أية آلة موسيقية ، في البيت تكمن كل مشاكلك ، الزوجة ، الأولاد ، ما الذي ستأكله ؟ كيف ندبر أمر الملبس ؟ ما الذي سيحل بنا ؟ يا للجحيم ، كلا ، لكي تعزف السانتوري يجب أن تكون في حالة جيدة ، يجب أن تكون صافياً ، فإذا ما رددت زوجتي كلماتها فكيف يمكنني العزف ؟ و إذا كان أولادك جائعين يصرخون ، حاول عند ذلك أن تعزف على السانتوري ، فعقلك يجب أن يكون عند السانتوري ، لا عند أشياء أخرى ، هل فهمت ؟!

نعم ، فهمت ، إن زوربا هو الرجل الذي كنت أنشده منذ مدة طويلة دون أن أجده ، قلب حي ، و فمٌ ضخم شره ، و نفس كبيرة قاسية لم تعركها الأيام .

إن معنى كلمات الفن و الحب و الطهارة و العاطفة ، كل هذه المعاني أظهرتها لي تلك الكلمات البسيطة التي تفوه بها هذا الرجل العامل .

و نظرت إلى يديه التين تستطيعان الإمساك بالمعول و السانتوري ، يدان متحجرتان ، مشققتان ، مشوهتان ، و باعتناءٍ بالغ ، كأنهما تخلعان ثياب امرأة ، فتحت الصرة و سحبت منها السانتوري الذي صقلته السنون ، مع حزمة من الأوتار ، مضربا بالنحاس و العاج مع شرابة حمراء من الحرير ، ثم راحت تلك الأصابع الطويلة تداعبه بعطف كأنه أيدٍ تداعب وجه امرأة ، ثم أعادت وضعه و لفته باعتناء بالغ كأنه جسدٌ محبوب خافت عليه من البرد .

- هذا هو السانتوري العزيز .

تمتم ذلك و هو يضع الصرة باعتناءٍ على الكرسي ، و كان البحارة يقرعون الكؤوس و يضحكون ، و ربت البحار العجوز على كتف الكابتن ليموني و هو يقول :

- قل الحقيقة يا كابتن ، ألست خائفا ؟ إن الله أعلم بعدد الشموع التي نذرتها للقديس نيقولا .

و قطّب الكابتن حاجبيه الضخمين :

- أقسم لكم ، إنني عندما رأيت الموت يقترب مني لم أفكر بالقديسة العذراء ، ولا بالقديس نيقولا ، بل التفت نحو سالاميس ، و فكرت بزوجتي و صحت " آه ، كاترين ! لو أنني الآن معكِ في الفراش "


و انفجر البحارة في الضحك ، و شاركهم الكابت ليموني الضحك هذه المرة .

- يا للإنسان ، إن الرجل حيوان ، فقد كان شبح الموت مخيما فوق رأسه بينما كانت أفكاره منشغلة هناك ، لا في أي مكان آخر ، تباً له من حيوان !

و صفق الكابتن و طلب دورا آخر من الشراب لرفاقه ، كان زوربا يستمع إلى الحوار بأذنين كبيرتين ، و التفت إليهم ثم قال لي :
- ما هذا ؟ ماذا يقول هذا الرجل ؟

و لكنه فهم فجأة ، و هتف بإعجاب :

- برافو ، يا صديقي ، إن هؤلاء البحارة يعرفون السر ، و أغلب الظن لأنهم معرضين ليلا نهارا للموت .

و أشار بقبضتيه في الهواء و قال :

- حسناً ، إن هذه مسألة أخرى ، و لنعد الآن إلى عملنا ، هل سأبقى أم لا ؟ قرر بسرعة .
- أنا موافق يا زوربا ، تعال معي إلى كريت ، فلدي فحما هناك ، و باستطاعتك مراقبة العمال ، و في المساء ستتمدد على الرمال ، في هذا العالم ليس عندي لا زوجة ولا أطفال ولا كلاب ، سنأكل و نشرب معا ، و ستعزف أنت على السانتوري .
- هذا إذا كنت في مزاج خاص للعزف ، هل تسمح ؟ سأعمل لك أي شيء تريده ، فأنا رجلك المطيع هناك ، و لكن السانتوري .. فهذا شيءٌ آخر ، إنه حيوان وحشي ، و هو بحاجة إلى الحرية ، فإذا كنت مستعدا للعزف فسأعزف ، و ربما أنحني أيضا ، و سأرقص " الزيباكيكو " و " الهاسابيكو " و " البنتوزالي " و لكن دعني أخبرك منذ الآن ، يجب أن أكون مستعدا لذلك ، لنفهم ذلك بوضوح ، و إذا أرغمتني على ذلك فسينتهي كل شيء الآن ، فأنا بما يتعلق بهذه الأمور .. رجل .
- رجل ؟ ماذا تعني بذلك ؟
- أعني .. حراً .

و طلبت كأسا من الروم فأضاف زوربا طالبا كأسا آخر أيضاً ، و قرعنا الكؤوس ، و كان الصباح قد أشرق ، و سمعنا صفارة المركب , و أشار الحمال الذي نقل حقائبي إلى المركب ، و قلت و أنا أنهض :

- تعال ، لنذهب .. و ليكن الله معنا .
- الله و الشيطان معاً .
أضاف زوربا ، ثم انحنى و التقط صرته و وضعها تحت ذراعه و فتح الباب و سبقني بالخروج

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2006, 21:00   #4 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



الفصل الثاني



البحر ، و طراوة الخريف ، و الجزر السابحة في النور ، و المطر الناعم الذي أضفى حجابا شفافا على العري الأبدي لجزر اليونان ، كم هو سعيد الرجل الذي يمخر عباب بحر إيجه قبل وفاته .

كم هي عديدة مسرات هذا العالم ، نساء ، و فواكه ، و آراء ، و لكن أن تشق عباب هذا البحر الهادئ و في فصل الخريف لهي السعادة التي تملأ قلب الإنسان في نعيم الفردوس ، فهذا هو المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان أن ينتقل فيه من مكان إلى مكان بهدوء و سهولة ، من الواقع إلى الخيال .. إنها المعجزة بالذات !

و عند الظهر انقطع المطر ، و بددت الشمس حجب الغيوم ، و أطلت علينا ناعمة لتداعب بأشعتها صفحات الماء الحبيبة ، و تركت نفسي تستوعب هذه المعجزة الخالدة التي انقشعت على مدى الأفق البعيد .

و على ظهر المركب ، كاليونانيين ، الشياطين الأذكياء ، ذوو العيون المشعة و العقول التي تتقن فن المساومة الطويل على البضائع التافهة ، و في بعض الأحيان تأخذ بك الرغبة في أن تمسك بهذا المركب من طرفيه و تغرقه في البحر ، ثم تهزه جيدا لتغسل عنه كل هذه الحيوانات التي أوسخته ، رجال ، فئران ، و قمل . ثم تعومه من جديد بعد أن يصبح نظيفاً فارغاً .

و لكن في بعض الأحيان كانت العاطفة تمنعني ، عاطفة بوذية ، باردة كالاستنتاجات الميتافيزيقية ، عاطفة ليست نحو الرجال فقط ، بل نحو الحياة كلها بجهادها ، و صراخها ، و نواحها ، و آمالها التي لا ترى أن كل شيء ليس إلا محاولة لإظهار الأشباح من العدم ، عاطفة نحو اليونانيين ، و نحو المنجم الفحمي ، و نحو مخطوطتي الناقصة عن بوذا ، و عن ذلك الخليط من النور و الظلال الذي يزعج صفاء الجو .

و كنت أختلس النظر إلى زوربا المنهك ، الشاحب الوجه ، و قد قبع في مجلسه على ظهر المركب على كومة من الحبال عند مقدمة المركب ، كان يشم ليمونة و يصغي إلى صراخ الركاب و شجارهم بأذنيه الكبيرتين ثم يهز برأسه الضخم و يبصق و يتمتم قائلا :

- هؤلاء الحطام ، ألا يخجلون من أنفسهم ؟
- ماذا تعني بكلمة ( حطام ) يا زوربا ؟
- كل هؤلاء الملوك ، الديموقراطيات ، النواب ، المرائين !

إن الحوادث لم تكون لزوربا سوى أمور قديمة ، فهو بنفسه قد ابتعد عنها ، و بالتأكيد كان التلغراف ، و البواخر ، و المراكب ، الأخلاق السائدة ، و الدين ، لا بد أن تكون كالبنادق القديمة الصدئة ، فتفكيره قد تقدم بسرعة تجاوزت تقدم العالم .

كانت الحبال تتشقق على الصواري ، و الشواطئ كانت تتراقص ، و النساء المسافرات أصبحت وجوههن أكثر اصفرارا من الليمونة ، لقد ألقين بأسلحتهن ، المساحيق و المشدات و دبابيس الشعر و الأمشاط ، و شحبت شفاههن و أظافرهن بدأت تتحول ألوانها إلى الأزرق ، و بدأت تتساقط الريش المستعار و الشرائط الحريرية و الجفون الاصطناعية ، فقد كان الناظر إليهن بالإجمال يشعر بالقرف و الرغبة بالتقيؤ .

و شحب وجه زوربا بدوره و اصفر لونه ثم اخضر ، و خفتت عيناه المتقدتان و لم يعد إلى تألقه الأول إلا في المساء ، حين أشار إليّ ليريني درفيلين كانا يتقافزان و يسابقان المركب ، و صاح :

- درافيل !

و لاحظت لأول مرة أن نصف إبهام يده اليسرى مقطوع ، فارتعدتُ و سألته :

- ماذا جرى لإصبعك يا زوربا ؟

و أجابني و قد بدا عليه الاستياء لأنني لم أنظر إلى الدرافيل :

- لا شيء !
- هل قطعته بآلة حادة ؟
- و ما شأن الآلة بالموضوع ؟ كلا فقد قطعته بنفسي .
- بنفسك ، و لماذا ؟
- أنت لا يمكنك الفهم ، أيها الرئيس ، لقد سبق و أخبرتك أنني قمت بأعمال عديدة ، و في إحدى المرات عملت في صناعة الفخار ، و قد أحببت هذا العمل لدرجة الجنون ، هل يمكنك أن تتصور ماذا يعني أن تأخذ حفنة من الطين و تعمل منها ما تريد ؟ قرر! ثم تدوّر الدولاب و يدور الطين معه بينما تقول بنفسك " سأصنع جرة ، أصنع صحنا ، سأصنع قنديلا ، و الشيطان يعلم ماذا أيضاً " هذا ما تقوله عن كونك رجلاً : الحرية !

لقد نسي البحر ، و لم يعد يقضم الليمونة ، و عاد الصفاء إلى عيونه ..

- حسنا ، و لكن إصبعك ؟
- لقد كانت تزعجني ، و تقف في طريق عملي ، و تفسد علي مشاريعي ، و في ذات مرة أمسكت بفأس صغيرة ..
- ألم تشعر بالألم ؟
- كيف لم أشعر بألم ؟ هل تعتقد أني جذع شجرة ؟ إنني إنسان ، لقد تألمت و لكن كما قلت لك كانت تقف في طريقي فقطعتها !

و هدأ البحر قليلا عند غياب الشمس و انقشاع الغيوم ، فدبت نجمة المساء لامعة براقة ، و ألقيت نظرة على البحر و رحت أفكر .. كيف نحب إلى هذا الحد ؟ ثم نأخذ فأسا و نقطع ثم نتألم ، لكني أخفيت اضطرابي و أردفت قائلا محاولا الابتسام :

- إنها لطريقة سيئة يا زوربا ! إنها تذكرني بالأسطورة الذهبية التي تقول عن ناسك رأى امرأة قد أزعجته جسديا ، فتناول فأساً ..

و صاح زوربا مقاطعاً :

- كم هو أحمق ، يقطع هذا ! و لكن هذا المسكين لا يعتبر عقبة !
- كيف ؟ بل هو عقبة كبيرة .
- أمام ماذا ؟
- أمام ولوجك أبواب السماء !

و حدجني زوربا بنظرة ساخرة و هو يقول :

- إنه هو الذي يمكنك اعتباره مفتاح السماء !

ثم رفع رأسه و حدق بي كأنه يريد معرفة رأيي بالحياة التالية ، و بملكوت السماء ، و النساء و النساك ، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى شيء فهز رأسه الضخم و استطرد :

- إن الخصيان لا يدخلون السماء .

ولاذ بالصمت ، فذهبت إلى مقصورتي و أخذت كتاباً و أخذت أقرأ ..

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2006, 21:01   #5 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



و في صباح اليوم التالي استيقظتُ مبكراً ، و كانت الجزيرة قد أصبحت عن يميننا ، تلك الجزيرة الكبيرة المزهوة المتوحشة ، و الجبال الوردية الشاحبة تبدو كأنها تبتسم من خلال ضباب شمس الخريف ، و من حول المركب كان البحر الأزرق ما يزال ثائرا مهتاجاً .

و كان زوربا الملتحف بغطائه الرمادي ينظر محدقا إلى جزيرة كريت ، و عيونه تنتقل من الجبل إلى السهل و تتبع الشاطئ و تتفحصه ، كأنه قد شاهد جميع هذه الأراضي و البحار مرات سابقة و هو يتمتع برؤيتها ثانية ، و دنوت منه واضعا يدي على كتفيه قائلاً :

- زوربا ، أعتد أنها ليست المرة الأولى التي تأتي فيها إلى كريت ، فأنت تحدق بها كأنك صديق قديم .

و تثاءب زوربا ، كأنه ضجر ، و شعرت أنه لا يميل إلى الحديث الآن ، فابتسمتُ و قلت له :

- إن الحديث يضجرك ، أليس كذلك يا زوربا ؟
- ليس هذا بالضبط ، أيها الرئيس ، لكن الكلام صعب .
- صعب ؟ و لماذا ؟!

و لم يجبني على الفور ، و أجال بنظره إلى الشاطئ مرة أخرى ، لقد نام ليلته على ظهر المركب و كان شعره الرمادي المجعد يقطر بالندى ، و كانت الشمس المشرقة تضيء التجاعيد في وجهه و رقبته ، و حرك شفتيه أخيرا و هو يقول :

- في الصباح أجد صعوبة في فتح فمي ، صعوبة كبيرة ، اعذرني .

و مرة أخرى راح في صمتٍ عميق و عاد ينظر إلى كريت . و رن جرس طعام الإفطار ، و ظهرت الوجوه من المقصورات ، نساء مترنحات و شعورهن متدلية تفوح منهن روائح القيء الممزوج برائحة الكولونيا ، و أعينهن مذعورة بلهاء . و كان زوربا يجلس أمامي و هو يشرب فنجان القهوة و يغمس قطعة الخبز التي مسحها بالزبدة و العسل ، ثم يأكلها ، و أشرق وجهه بعد ذلك و اطمأن قليلا و بدا فمه كأنه أصبح مرنا ، ثم أشعل سيجارة و راح يستنشق أنفاسا و هو على أشد ما يكون من التلذذ ، و لاحظت أنه أصبح مستعدا للحديث و من ثم راح يقول :

- هل هذه هي المرة الأولى التي آتي بها إلى كريت ؟

ثم أغمض عينيه قليلا ، ثم راح ينظر إلى جبل ابرا الذي كان ممتدا وراءنا ، و استطرد قائلاً :

- كلا إنها ليست المرة الأولى ففي عام 1896 أصبحت رجلا ناضجا تماما و كان شاربي و شعري لا يزالان بلونيهما الحقيقيين و كنت لا أزال في مقتبل العمر ، و كنت حين أسكر ألتهم المقبلات أولا ثم الطعام ، نعم ، فقد استمتعت إلى أقصى حدود الاستمتاع ، لكن الشيطان تدخل أيضا فقد نشبت الثورة في كريت . في تلك الأيام كنت بائعا جوالا ، و كنت أبيع الخضراوات متنقلا من قرية إلى قرية في مقدونيا و عوضا عن المال كنت أستبدل ما أبيعه بالجبنة و الصوف و الزبدة و الأرانب و الذرة ، ثم أعود و أبيع هذه الأشياء و أكسب ربحا مضاعفاً ، ففي كل قرية أحلها ليلا ، أعلم أين أنام ، ففي كل قرية كنت أجد قلب أرملة رحيمة عطوف ، و كنت أقدم لها مشطا أو مكبا من الخيطان أو وشاحاً ، أسود اللون بسبب المرحوم ! و أنام معها بعد ذلك ! و لم يكن ذلك يكلفني كثيراً .. كلا ، لم تكن تكلفني كثيرا ، أيها الرئيس ، و لكن كما قلت سابقا لقد تدخل الشيطان و هبت كريت لتحمل السلاح ، و قلت لنفسي لتذهب بمصيرها إلى الجحيم ! ألا تقدر هذه الكريت اللعينة أن تتركنا بسلام ؟ ثم وضعت جانبا أمشاطي و حملت بندقيتي و توجهت للانضمام للثوار في كريت .

و صمت زوربا ، فقد بدأنا نسير إلى خليج مستدير رملي ، و كانت الأمواج تنتشر بهدوء دون أن تتكسر ، تاركة خيطا رفيعا من الزبد على طول الشاطئ ، و انقشعت الغيوم و تألقت الشمس و لاحت أطراف الجزيرة بوضوح ، و التفت زوربا نحوي و حدجني بنظرة ساخرة :

- و الآن ، أعتقد أيها الرئيس أنك تتصور بأني سأخبرك كم رأسا تركيا قطعت و كم أذنا قد وضعت في الكحول ، فهذه هي العادة في كريت ، حسنا .. و لكني لن أفعل ، فأنا لا أحب أن أفعل ذلك لأني أخجل منه ، ما هذا الجنون ؟ و اليوم بعد أن أصبح عقلي راجحا صرت أسائل نفسي قائلا : ما هذا الجنون الذي تملكنا لكي نلقي بأنفسنا على رجل آخر لم يؤذنا بشيء ثم نعضه و نقطع أنفقه و نمزق أذنيه ، و في الوقت نفسه نطلب من الله العظيم أن يساعدنا ! فهل هذا يعني أننا نطلب من الله أن يذهب معنا ليقطع آذان البشر و أنوفهم ؟ و لكن في ذلك الوقت ، كان دمي لا يزال حارا في عروقي ، و ما كان باستطاعتي الوقوف و التساؤل و التفحص ، إذ يجب على المرء لكي يفكر بدقة و عدل أن يكون هادئا مسناً دون أسنان ! فعندما يكون المرء عجوزا لا أسنان له ، فباستطاعته القول بسهولة تامة " لعنكم الله أيها الأولاد ، فمن العيب أن تعضوا " و لكن حين تكون له أسناني الاثنين و الثلاثين .. يكون الإنسان متوحشا كالحيوان .. نعم ، أيها الرئيس ، كالحيوان المفترس آكل لحوم البشر .

و هز رأسه ثم قال :

- و هو يأكل الخراف أيضاً ، و الدجاج و الخنازير ، و لكنه إذا لم يأكل لحم البشر تبقى معدته خاوية ، كلا .. إن معدته لا تكتفي ، و الآن ما لديك من أقوال ؟!

و لكنه لم ينتظر الجواب ، بل أكمل قوله و هو يحدق بي :

- ماذا يمكنك أن تقول ، فكما أرى ، إن سيادتك لم تشعر بالجوع مطلقاً ، و لم تقتل أبدا ، و لم تسرق و لم تزنِ ، ماذا تعرف من هذا العالم ؟ إن عقلك بريء ، و جلدك لم ير أشعة الشمس .

قال جملته الأخيرة بكثير من الاحتقار ، مما جعلني أشعر بالخجل من يدي الناعمتين و وجهي الشاحب و حياتي الخالية من لطخات الدم و الوحل ، ثم قال و هو يمسح بيده الخشنة على الطاولة :

- حسنا ، حسنا ، فهناك ما أود أن أسألك إياه فلا بد أنك قرأت مئات الكتب ، فربما تعرف الجواب .
- هيا ، قل لي يا زوربا ، ما هو ؟
- إن هنا ثمة معجزة تحدث ، أيها الرئيس ، معجزة مضحكة تحيرني ، إن كل هذه الأعمال ، هذه الخدع القذرة و السرقات و المذابح التي نقوم بها – نحن الثوار – كل هذه جاءت بالأمير جورج إلى كريت ، الحرية !

ثم نظر إلي بعينين ملؤهما الدهشة :

- إنها أحجية عظيمة ، فإذا أردنا الحصول على الحرية في هذا العالم القذر يجب أن نقوم بهذه الجرائم ، و هذه الخدع القذرة ، أليس كذلك ؟ أقول ، إذا أخبرتك عن كل هذه الجرائم المريعة لوقف شعر رأسك ! و لكن ما هي نتيجة كل ذلك ؟ الحرية ! فبدلا أن يزيلنا الله تعالى بصاعقة من عنده يمنحنا الحرية ! إني لا أفهم حقاً ..

و نظر إلي كأنه يطلب العون مني ، و قد لاحظت أن هذه المعضلة قد شغلته و آلمته و لم يتمكن من كشف سرها ، ثم سألني بقلق :

- هل فهمت ؟!

ماذا أفهم ! و ماذا أقول له ؟ فإما هذا الذي ندعوه إلها غير موجود ، أو أن تكون هذه التي ندعوها جرائم و اغتيالات ضرورية للكفاح من أجل حرية العالم ، و حاولت أن أجد له طريقة أسهل لأشرح له الأمر .

- كيف تستطيع الزهرة أن تنمو و تعيش وسط السماد و القذارة ؟ افترض يا زوربا لنفسك أن هذه الأقذار هي الإنسان و أن الزهرة هي الحرية .
- و لكن البذرة ؟

صاح زوربا و هو يضرب الطاولة بقبضة يده و يقول :

- لكي تنبت الزهرة يجب أن يكون هناك بذرة ، من هو الذي وضع بذرة كهذه في جوفنا ؟ و لماذا لا تنبت البذرة هذه زهور لطيفة شريفة ؟ لماذا تحتاج إلى الدم و الأوساخ ؟

فهززت رأسي قائلا :

- لا أعلم
- و من يعلم ؟
- لا أحد .

و صاح زوربا في يأس :

- إذا ماذا تنتظر مني أن أفعل بالقوارب و المحركات و ربطات العنق ؟!

و تململ اثنان من المسافرين الذين كانوا يحتسون القهوة على مائدة مجاورة و رهفوا آذانهم لسماع ما نقوله ، و اشمأز صديقي منهم و قال لي بصوتٍ خفيض :

- لنغير الموضوع ، فعندما أفكر في ذلك أشعر برغبة في تحطيم كل ما تقع عليه يدي من كراسي أو قناديل أو حتى ضرب رأسي بالحائط ، و لكن ما الفائدة من كل هذا ؟ فسأضطر إلى دفع ثمن ما حطمته ، ثم أضطر للذهاب إلى الطبيب ليربط لي رأسي ، فهذا أسوأ بكثير ، فسينظر إلي من أعالي السماء و ينفجر بالضحك .

و حرك يده فجأة كأنه يريد أن يتخلص من ذبابة مزعجة ، ثم قال :

- لا بأس ، فكل ما أردت أن أقوله لك هو : عندما جاءت المركبة الملكية و هي مزدانة بالأعلام و ابتدأ إطلاق المدافع ، و حين وضع الأمير رجله على أرض كريت .. هل سبق لك أن رأيت شعبا بأسره يصبح مجنونا لأنه رأى حريته ؟ كلا ؟ آه ، أيها الرئيس ، إذن فقد خلقت أعمى ، و ستموت أعمى ، فإذا قدر لي أن أعيش ألف سنة حتى لو أن كل ما تبقى مني عبارة عن قطعة لحم حية ، فلن أنسى ما رأيته ذلك اليوم ! و إذا كل واحد منا قدر له أن يختار جنته في السماء حسب ذوقه – و هذا ما يجب أن نكونه ، فهذا ما أدعوه جنة – سأقول للإله العظيم " يا إلهي ، لتكن جنتي جزيرة كريت المملوءة بالأعلام و الزينات ، و دع هذه اللحظة التي وطأت بها أقدام الأمير جورج أرض كريت تستمر قرونا طويلة ! فهذا يكفي "

و عاد زوربا إلى الصمت مرة أخرى ، و رفع شاربه ، ثم ملأ كأسا من الماء البارد و شربها دفعة واحدة :

- ماذا جرى في كريت يا زوربا ، أخبرني !

و قال لي منزعجاً :

- هل سنعود إلى العبارات الطويلة ؟ أنظر ، أقول و أكرر لك أن هذا العالم غامض جدا و الإنسان ليس إلا وحش كاسر

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2006, 21:03   #6 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



وحشٌ عظيمٌ و إله ، حارس أسود ثائر ، جاء معي من مقدونيا ، اسمه يورغا و كان يدعونه " المجرم " خنزير شرس ، و هل تعلم .. لقد بكى ، و قلت له و عيوني تترقرق بالدمع " لماذا تبكي أيها الكلب ؟ لماذا تبكي أيها الخنزير ؟ " و لكنه لم يجب ، لم يكب ، بل ألقى بيديه حول عنقي و راح يبكي كالأطفال ، ثم تناول محفظته و وضعها على حجره بعد أن أفرغ منها القطع الذهبية التي نهبها من الأتراك ثم ملأ قبضته بالقطع و ألقى بها في الهواء ، أرأيت .. أيها الرئيس ، هذه هي الحرية !

و نهضت إلى ظهر المركب لأستنشق هواء البحر .. " هذه هي الحرية " فكرت بنفسي ، تهوى ثم تجمع قطعا من الذهب ، و فجأة تتغلب على تلك العاطفة فتتمسك بكنزك و تلقي به أدراج الرياح لتحرر نفسك من عاطفة معينة و تأخذ بعاطفة أسمى ، أليست هذه هي نوعا آخر من العبودية ؟ لتضحي بنفسك من أجل فكرة معينة ، من أجل عرق ما ، لله ؟ أم أن كلما ارتفع الرمز طال حبل العبودية ؟ عندئذ يمكننا الاستمتاع و اللهو في أرجاء أوسع و نموت دون أن نصل إلى نهاية الحبل ، هل هذا ما ندعوه الحرية ؟!

* * *

و عند المغيب شارفنا الشاطئ الرملي و رأينا أخيرا الرمال البيضاء الصافية و أشجار الخرنوب و التين ، و التل الصغير الأجرد الذي يشبه وجه امرأة تستريح ، و تحت ذقنها و حول رقبتها تمر عروق الفحم الرمادية .

كانت نسمات الريح الخريفية تهب ، و الغيوم المتقطعة تمر في السماء لتغلق الأرض بالظلال ، و غيوم أخرى كانت تنظر و تهدد الشمس التي احتجبت وراءها ، و وجه الأرض يضيء و يظلم كوجه حي منزعج .

و توقفت للحظة على الرمل و نظرت ، كانت الوحدة مجسمة أمامي ، وحدة مميتة و لكنها مدهشة ، كالصحراء ، و برزت أغنية البوذيين من الأرض و تلمست طريقها إلى أعماق نفسي " متى سأنزوي في الوحدة أخيرا ، لوحدي ، دون رفاق ، و بدون فرح أو بدون حزن ، و بالتأكيد مقدس أن كل شيء ليس إلا حلما ؟ متى ، و في أسمالي البالية – دون رغبات – سأنزوي مكتفيا في الجبال ؟ و متى ، و أنا متبين أن جسدي ليس إلا مرضا و جريمة ، و حياة و موت ، حرا دون خوف و بسعادة ، سأعتزل إلى الغابات ؟ متى ؟ متى ؟ آآه .. متى ؟ "

و تقدم زوربا نحوي و هو يحمل السانتوري تحت ذراعيه ، بخطى قلقة ، فقلت له محاولا إخفاء قلقي :
- هناك مناجم للفحم !
و دون أن ينظر إلى حيث أشرت أجابني بهزة من رأسه ..
- فيما بعد ، فهذا ليس الوقت لذلك أيها الرئيس ، يجب أن ننتظر حين تقف الأرض ، إنها لا تزال تموج و ليأخذها الشيطان ، كظهر المركب ، تعال .. لنذهب إلى القرية .

و بهذه الكلمات تقدم بخطى طويلة محاولا إنقاذ وجهه ، و تراكض اثنان من الصبية الأشقياء ليحملا الحقائب ، و في الكوخ ، حيث نقطة الجمرك ، جلس أحد الموظفين يدخن ( الحُقة ) و حدجنا بطرف عينه بنظرات ثاقبة ، ثم ألقى نظرة سريعة على الحقائب و تحرك قليلا كأنه يريد الوقوف لكنه وجد أن ذلك سيأخذ منه كثيرا من المشقة ، و اكتفى بأن أشار إلينا قائلاً " أهلا بكم " ، و تقدم أحد الصبية و قال لي بلهجة ساخرة :

- إنه ليس كريتيا ، إنه شيطان بليد .
- أليس الكريتيين شياطين بلداء ؟
فقال الكريتي الصغير :

- إنهم كذلك ، نعم ، إنهم كذلك .. و لكن بطريقة مختلفة .
- هل القرية بعيدة ؟
- على بعد طلقة بندقية من هنا ، أنظر ، وراء البساتين في الوادي ، إنها قرية جميلة ، يا سيدي تحوي الكثير من كل شيء ، شجر خرنوب ، لوبياء ، زيت ، نبيذ ، و هناك على الرمال نبت الخيار مبكرا كذلك البطيخ ، إن هواء أفريقيا هو الذي ينضجها باكراً ، فإذا ما نمت بأحد البساتين فإنك تسمع صوت طقطقتها و هي تنضج و تكبر .

كان زوربا يتقدمنا و رأسه ما يزال مترنحا ، فصحت به قائلاً :

- ارفع رأسك يا زوربا ، لقد اجتزنا المخاطر الآن ، و لم يعد هناك من داعٍ للخوف .

و تقدمنا مسرعين ، و كانت الأرض مملوءة بالرمال و الصدف ، و هنا و هناك نجد بعض أشجار التين ، كان الجو ثقيلا ، و الغيوم تتجمع و تقترب و الريح تهدأ ، و اقتربنا من شجرة تين ضخمة ، فتوقف أحد الولدين و أشار إلى الشجرة و هو يقول :

- هذه شجرة التين خاصة سيدتنا الصغيرة .

و فوجئت بكلمته ، فقد كانت لكل شجرة أو صخرة في أرض كريت قصة محزنة :

- و لماذا تدعى كذلك ؟
- في الأيام الماضية ، أيام أجدادنا ، وقعت إحدى البنات من الأعيان في غرام أحد الرعاة الشباب ، لكن والدها لم يكن موافقا ، و راحت الابنة تبكي و تصرخ و ترجو والدها الذي لم يلين ، و في أحد الأيام اختفى الشابان و ظلوا يبحثون عنها يوما ، و يومين ، و ثلاثة ، و أسبوعا ، و لكن دون جدوى ، و أخيرا فاحت رائحة العفونة فتتبعوها فوجدوا العاشقين تحت شجرة التين ، متعانقين متعفنين ، هل تفهم ؟ لقد عثروا عليهما بسبب رائحة العفونة .

و انفجر الصبي بضحكة مجلجلة ، و تناهت إلى أسماعنا ضوضاء القرية البعيدة ، و سمعنا أصوات نباح الكلاب و صياح النسوة و الديوك ، و شممنا رائحة العنب من القدور الذي كان العرق يقطر منها ..

- هذه هي القرية .

و ما إن اقتربنا من التلة الصغيرة حتى لاحت لنا القرية الصغيرة و بنات لنا كأنها تتسلق سفح الوادي ، كانت البيوت الصغيرة متجملة ، متلاصقة ، نوافذها كأنها بقع سودا ، فالبيوت كانت مبنية من الكلس الأبيض الناصح و الحجارة ، و لحقت بزوربا وقلت له :

- لا تنس ، يا زوربا ، أن تتصرف بلياقة فقد دخلنا إلى القرية الآن ، و لنتصرف كرجال الأعمال ، فأنا المدير و أنت ناظر العمال ، إن الكريتيين لا يأخذون الأمور بسهولة فما أن تقع أعينهم عليك حتى يبحثوا عن شيء ظاهر بك و يطلقوا عليك لقبا معينا ، حيث لا يمكنك بعد ذلك التخلص من هذا اللقب ، و ستجري كالكلب الذي لحقت بذيله مقلاة .

و أمسك زوربا بشاربه و غاب في التأملات ، و أخيرا قال :

- اسمع ، أيها الرئيس ، إذا كانت هناك أرملة في القرية فلا لزوم للخوف ، و إذا لم يكن ..

و في هذه اللحظة و ما إن دخلنا إلى القرية تقدمت منا امرأة فقيرة بأسمال بالية و مدت يدها نحونا ، و لاحظت أن لها شاربا أسود ، و صاحت بزوربا كأنها تعرفه :

- مرحى يا أخ ، هل لك روح أيها الأخ ؟
و توقف زوربا و أجابها :

- نعم لدي .
- إذاً أعطني خمس درخمات .
و نفحها بشيء من المال قائلا " خذي " ، افترت شفتاها عن ابتسامة حريرية ، و أضاف زوربا قائلا :

- إن الحياة هنا ليست غالية على ما أظن ، أن الروح تساوي خمسة درخمات .

و اقتربنا نحو ساحة القرية فرأينا مقهى كتب على مدخله " مقهى الحشمة ، و دكان اللحام " .
- و لماذا تضحك ؟!
سألني زوربا ، لكنني لم أجد وقتاً لأجيبه ، فقد خرج من باب الدكان هذا خمسة أو ستة عمالقة يرتدون سراويل زرق لها أحزمة حمراء و صاحوا بنا :

- أهلا بالأصدقاء ! تفضلوا بالدخول و خذوا كأسا من العرق ، إنه لا يزال حارا من القدور .

و لعق زوربا لسانه و قال :

- ما رأيك أيها الرئيس ؟ هل نشرب كأسا ؟

و شربنا كأسا أحرق أمعاءنا ، و قدم إلينا صاحب المقهى / اللحام ، و هو رجل عجوز جليل ، كرسيين ، فسألته عن مكان نأوي إليه و صاح أحدهم :

- اذهبا إلى مدام هورتنس .
و تساءلت بدهشة :
- هل هي فرنسة ؟
لقد جاءت من مكان لا يعلم إلا الشيطان ما هو ، لقد طافت في جميع الأرجاء ثم استقرت هنا و أسست فندقا صغيرا .
و قال أحد الأولاد :

- و هي تبيع الحلوى أيضاً !
ثم أضاف أحدهم :

- و هي تتزين و تصبغ وجهها أيضا ، و تضع شريطة حول عنقها ، و لديها ببغاء .

و هتف زوربا :

- و هل هي أرملة ؟
و قال له صاحب المقهى :
- كم هو عدد السكارى هنا أيها الصديق ؟ إنها أرملة لعدد كبير من الأزواج ، هل فهمت ما أقصد ؟
- نعم فهمت .
أجاب زوربا و هو يلعق شفتيه .

- و يمكنها أن تجعل منك أرملا
- انتبه أيها الصديق !

صاح أحد الرجال و ضحك الآخرون ، و تقدم صاحب المقهى حاملا صينية عليها الخبز و الجبن و هتف قائلا :

- هيا ، دعوهما و شأنهما ، و سوف أستضيفهما عندي .
- كلا ، أنا سأستضيفهما ، فأنا ليس عندي أطفال و بيتي كبير .

و أجاب صاحب المقهى و هو ينحني فوق الرجل و يقول :

- أرجو المعذرة ، أيها العم انانيوستي ، فأنا سبقتك بالكلام .
- إذن خذ الآخر ، و سآخذ أنا العجوز .
و صاح زوربا غاضباً :

- أي عجوز ؟!!
و قلت له و أنا أهدئ من روعه
- لن نفترق ، و سنذهب لعند مدام هورتنس .

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2006, 21:06   #7 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



* * *

كانت امرأة بدينة قصيرة القامة ، شعرها باهت اللون ، تتلوى في مشيتها ، مادة ذراعيها ، و على ذقنها خال تتدلى منه شعيرات طويلة ، و كانت تربط حول عنقها شريطة حمراء ، و خدودها المجعدة مصبوغة بلون بنفسجي ، و قالت لنا مرحبة :

- أهلا ، أهلا و سهلا .

و أجبتها ببشاشة و أنا أقبل يدها :

- كم أنا سعيد بمعرفتك يا مدام هورتنس ، إنا نريد سريرين يا سيدتي .. دون قمل .
- أوه ، بدون قمل ؟ لا أعتقد ذلك ، ليس هنا من قمل على الإطلاق .

و تقدمتنا و هي ترفس الحجارة بقدمها القصيرة المكتنزة ، و كانت تلبس جواربا زرقاء و ضخمة و تنتعل حذاءين مشقوقين عليها عقدة صغيرة من الحرير و لحق بها زوربا و عينيه تكاد تأكلانها !

- أنظر ، أنظر أيها الرئيس ، كيف تتلوى في مشيتها كالنعجة ذات الإلية المشحمة .

و عض زوربا على شاربه بعصبية و عيناه مسمرتان على السيدة و قال :

- همم ، إن هذه الحياة ملأى بالعهر ..



.
.
.
...

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2006, 23:23   #8 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية الاصيل المحب
 
تاريخ التسجيل: 18-08-2005
الدولة: جدة
المشاركات: 2,005


آخـر مواضيعي



اخي العزيز


اتمنى

لو معاك روابط تحميل لروايات عالميه تحطها من اجل نطبعها


انا وجدت القليل لكن منك اكيد سنجد الكثير

اشكرك على جهدك ويبدو انها روايه رائعه

__________________

الاصيل المحب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2006, 01:36   #9 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



للأسف أصيل عجزت حتى حصلت الرواية

أنت تشجعني اذا على الاستمرار
شكرا لمرورك
دمت بود
__________________
أتحبني..بعد الذي كانا؟

إني أحبك رغم ماكانا

ماضيك لا أنوي إثارته

حسبي بأنك هاهنا الان

تتبسمين وتمسكين يدي

فيعود شكي فيك إيمانا

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2006, 13:21   #10 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



الفصل الثالث



كان فندق مدام هورتنس عبارة عن صف من أكواخ الحمام القديمة ، جمعت مع بعضها البعض ، أما الأولى فكانت دكانا لبيع الحلويات و السجائر و الفستق و الشموع و العلكة ، و أربع غرف – أو أكواخ – متلاصقة تألفت منها غرف النوم ، و في الخلف كان المطبخ ، و غرفة الغسيل ، و قن الدجاج و الأرانب ، و كانت عيدان القصب الكثيفة مغروسة حول المكان في الرمل الناعم ، و كانت رائحة البحر تعبق بالمكان بالإضافة إلى روائح البراز و البول ، لكن الرائحة تتغير حين تمر مدام هورتنس بين وقت و آخر ، كأن أحدهم أفرغ طشتا للحلاق تحت أنفك .

و ما إن جهزت لنا الغرف و السرائر حتى انطرحنا عليها دون حرام و لم نستيقظ إلا في صباح اليوم التالي ، كان يوم الأحد و العمال سيصلون في الغد من القرى المجاورة ليبدأوا العمل في تمام التاسعة ، لذلك فقد ترك لي بعض الوقت لأقوم بجولة على الشاطئ الذي ساقتني إليه الأقدار ، كان الفجر يكاد يلوح عندما خرجت ، فذهبت في سبيلي ماراً بالبساتين متتبعاً حافة البحر ، متعرفا إلى الأرض و الهواء .

و صعدت إلى تلة مجاورة ، و أجلت نظري إلى منظر الصخور الغرانيتية و الكلسية القاسية ، و أشجار الخرنوب القاتمة و أشجار الزيتون الفضية و أشجار التين و الدوالي .

كان هذا المنظر – كما بدا لي – شبيها بالنثر الجيد ، المصاغ بعناية فائقة ، بسيطا ، خاليا من الزخارف المصطنعة ، قويا ، صارماً . لقد كان معبرا عن كل ما هو ضروري بطريقة سهلة ، إنه لم يكن متباهيا و لم يكن متصنعا ، فهو ينطق بكل شيء بطريقة قاسية صارمة ، لكن الليونة كانت متبدية من خلال أشجار البرتقال و الليمون التي كانت تعطر الهواء برائحتها الزكية ، و من بعيد كان البحر الخالد يبدو كالشعر الذي لا ينفد .

- كريت ، كريت ..

قلتُ متمتماً و قلبي ينبض بالبهجة !!
و نزلت من التل الصغير و رحت أمشي قريبا من ماء البحر ، فرأيت صبايا صغار يسرن في طريقهن إلى الدير لسماع القداس عند ساحل البحر ، و ما إن ظهرتُ لهن حتى توقفن عن المسير ، و أصبن بذعر شديد و تشبثن ببعضهن البعض ، و علمت فيما بعد أن رؤية رجل غريب كانت تخيفهن ، فعلى طول الساحل الكريتي كانت القراصنة في القرون الغابرة يقمن بغزوات مفاجئة ، و يخطفون النساء و الأطفال ، و يربطونهن بأحزمتهم الزرقاء الغليظة و يلقون بهن في السفينة و يبعنهن في الجزائر ، و الاسكندرية ، و بيروت .

و رحت أنظر إليهن مبتسما بعد أن تكاتفن مع بعضهن البعض و سرن كالطود المرصوص ، و اقتربن مني و أضاءت وجوههن بالاطمئنان و تابعن مسيرهن بعد أن ألقيت عليهن تحية الصباح .

و أشرقت الشمس عن سماء صافية ، و جلست بين الصخور أتأمل البحر أمامي ، و شعرت بالقوة تدب في جسدي ، و رحت أجول بمخيلتي كالموج الهادر أمامي مطاوعا خاضعا دون مقاومة لنغمات البحر .

و شعرت بالانقباض ، و انطلقت من أعماقي أصوات متضرعة ، و علمت من الذي يدعوني ، فأينما أكون بمفردي كنت أشعر بثمة نداءات تطلبني ، و المخاوف تنتابني ، و فجأة سمعت صوت رفيقي زوربا يناديني من الخلف ، فاستدرت لأجده منتصبا و هو يضحك و يقول :

- لقد بحثت عنك منذ ساعات ، و لكن كيف أستطيع مشاهدتك في هذا المخبأ ؟

و لم أجب على تساؤله ، استطرد قائلاً :

- لقد مضى نصف يوم ، و الدجاجة المسكينة قد نضجت ، و ستذوب بعد قليل .
- نعم ، أعرف ذلك ، و لكني لا أشعر بالجوع .
- لا تشعر بالجوع ! و لكنك لم تأكل شيئا منذ الصباح ، إن في جسدك روحا و يجب أن تشفق عليها ، أعطها شيئا لتأكله ، أيها الرئيس ، أعطها شيئا ، فإذا لم تطعمها تركتك في منتصف الطريق .

لقد احتقرت ملذات الجسد منذ سنين ، و لو كان ذلك ممكنا لأكلت في الخفاء ، كأني أقوم بعمل مخجل ، و قلت لزوربا لكي لا يثرثر :

- حسناً ، سأتِ .

و ذهبنا إلى القرية بعد أن مرت الساعات الطوال بين الصخور ، و كما تمر الساعات بين العشاق كالبرق الخاطف ، و سألني زوربا متردداً :

- هل كنت تفكر بالمخيم ؟
- و هل تعتقد أني كنت أفكر بسواه ؟ ففي الغد سنبدأ العمل ، لذلك يجب أن أقوم ببعض الحسابات .
- و ما هي نتيجة الحسابات ؟
- بعد ثلاثة أشهر يجب أن نستخرج عشرة أطنان من الفحم لنغطي مصاريفنا .

و نظر إلي زوربا بشوق و قال :

- و ما أخذك إلى الشاطئ لتقوم بتلك الحسابات بحق الشيطان ؟! أرجو المعذرة أيها الرئيس ، لسؤالي هذا ، و لكني لا أفهم ، فعندما أضطر إلى مقارعة الأرقام أشعر بأني بحاجة إلى أن أحشر نفسي في جوف الأرض كي لا أستطيع مشاهدة أحد ، فإذا رفعت نظري و رأيت البحر أو شجرة أو امرأة .. حتى لو كانت عجوز ، عند ذلك تطير جميع هذه الأرقام و سأضطر إلى مطاردتها ..
- و لكنها غلطتك يا زوربا ، فأنت لا تستطيع التركيز .
- ربما تكون على حق أيها الرئيس ، فهذا يتوقف على نظرتك للأمور ، فهناك حالات لا يتمكن حتى سليمان الحكيم .. اسمع ! ففي ذات يوم بينما كنت مارا في قرية صغيرة ، رأيت رجلا عجوزا يبلغ التسعين من العمر يزرع شجر اللوز فقلت له " هل تزرع شجرة لوز يا جدي ؟ " و التفت إلي و قال " يا بني ، أنا أعمل كأني لن أموت أبدا ، و أعمل كأني كأموت في أي لحظة " ! و الآن .. من منا على صواب أيها الرئيس ؟

و نظر إلي نظرة المنتصر و قال : و الآن .. لقد أحرجتك !!

و بقيت ملزما الصمت ، فهناك ممران متساويان قد يؤديان إلى القمة نفسها ، أن تعمل كأن الموت غير موجود ، و أن تعمل متوقعا الموت في أية لحظة ، هما أمران ربما كانا متشابهين ، و لكن عندما سألني زوربا هذا السؤال لم أستطيع الإجابة على التو ، و قال لي زوربا هازئاً :

- حسنا ! لا تغضب أيها الرئيس فلن تستطيع المجادلة ، و لنتكلم عن أشياء أخرى ، فأنا الآن أفكر بالدجاجة و الأرز ، لنأكل الآن و من ثم نرَ , فلكل شيء وقته المحدد ، الآن أمامنا الأرز ، فلنفكر به ، و غدا سيكون المنجم أمامنا و سنفكر بأمره أيضاً .

و عند المقهى المجاور رأينا شيخا يبدو عليه الأسى يقف بانتظارنا ، إنه مافراندوني ، كبير رجال القرية الذي أجرنا المنحم ، فقد جاء الليلة الماضية إلى مدام هورتنس ليأخذنا إلى بيته و قال لنا :

- إنه من العار أن تظلا في الفندق ، كأنه لا يوجد رجال في القرية !

لقد كان متأثراً ، و كانت كلماته متزنة متناسقة مع مركزه المحترم في القرية ، و عندما رفضنا طلبه شعر بالاستياء لكنه لم يلح ، و قال لنا و هو يغادر الفندق :

- لقد قمت بواجبي ، و أنتم أحرار .

و بعد قليل أرسل لنا شيئا من الجبن و سلة من الفواكه و جرة من العرق ، و قد قال لنا الخادم الذي أحضرها :

- مع تمنيات الكابتن مافراندوني ، إنها ليست كثيرة ، كذلك أوصاني أن أخبركما .. لكن القصد منها حسن !

و اقتربنا منه و ألقينا عليه التحية ، و أجابنا واضعا يده على صدره :

- أتمنى لكما حياة طويلة .

و تمتم زوربا معلقاً :

- إنه لا يحب كثرة الكلام ، و يبجة بوقفته كقضيب العجوز .
- لكنه فخور بنفسه ، إنه يعجبني .

و ما إن رأتنا مدام هورتنس حتى صاحت مرتبكة و هرولت إلى المطبخ ، و أسرع زوربا إلى وضع الاولة على الشرفة تحت الدالية ، و جاء بالخبز و قطعه قطعا صغيرة ، و أحضر النبيذ ، ثم نظر إلي بعد أن انتهى من إعداد الطاولة لثلاثة أشخاص و قال :

- هل رأيت ، ايها الرئيس ؟
- نعم رأيت ، أيها الفاسق !

ثم قال و هو يلعق شفتيه :

- إن الطيور العجائز تصلح للشواء ! خذها نصيحة مني !

ثم راح يدمدم بأغاني الحب القديمة ، و هو يهرع متمتا بتجهيز المائدة :

- هكذا يجب أن نعيش أيها الرئيس ، يجب أن نستمتع بكل دقيقة نعيشها ، إني أعمل أشياء الآن كأني سأموت بعد دقيقة ، و أنا أسرع بذلك كي لا يدركني الموت قبل أن أحصل على العصفور .

و سمع صوت مدام هورتنس : إلى المائدة !
و قدمت إلينا القدر ثم وقفت مشدوهة ، فقد رأت الصحون ثلاثة ، و رمقت زوربا و قد علا وجهها الاحمرار الشديد و لمعت عيناها الصغيرتان ، و همس زوربا قائلا :

- لقد بدأت تشعر بالحرارة تدب فيها .

ثم نظر إليها و قال لها بكثير من اللياقة و الأدب :

- يا جنية الأمواج الجميلة ، لقد غرقت سفينتنا و ألقى بنا البحر في مملكتك ، أرجو أن تشرفينا – يا عروس البحر الجميلة – و تشاركيننا الطعام .

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2006, 13:23   #11 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



و فتحت الغانية العجوز ذراعيها و ضمتهما إلى صدرها كأنها تريد أن تضمنا نحن الإثنين إليها ، ثم تمايلت بعظمة و لامسة زوربا و لامستني و أسرعت عائدة إلى غرفتها ، و ظهرت بعد قليل ترتدي أجمل ما لديها من ثياب ، فستانا مفتوحا عند الصدر ، و وضعت عند الصدر وردة متألقة ! ، و أحضرت معها قفص الببغاء الذي علقته على غصن الدالية أمامنا ، و بعد أن أجلسناها بيننا رحنا نلتهم الطعام التهاما ، دون أن ننبس بكلمة واحدة ، فقط كان الحيوان في داخلنا يأكل و يتغذى و يشرب الخمر ، و الطعام الذي نزدرده يتحول بسرعة إلى دم ، و العالم من حولنا يبدو أجمل ، و السيدة التي تتوسطنا تبدو أصغر في كل لحظة ، التجاعيد في وجهها بدأت تزول و تمحى .. و كان الببغاء المعلق على الشجرة ينظر إلينا فيبدو كأنه رجل غريب قد سحره هذا المنظر ، و كانت عينا زوربا تدوران في محجريهما ، ثم فتح ذراعيه و كأنه يريد أن يعانق العالم كله ، ثم صاح بي مدهوشاً :

- ماذا جرى أيها الرئيس ؟! فما إن نشرب كأسا من النبيذ حتى يبدو العالم و قد فقد صوابه ، و مع هذا فالحياة كلها خمر و نبيذ ، قل لي ، بشرفك ، هل هذه عناقيد متدلية فوق رؤوسنا أم هي ملائكة ؟ لا أعلم ، أم ترى ليست شيئا على الإطلاق ؟ و لا شيء موجود ، لا الدجاجة ولا عروس البحر ولا كريت ! ، قل لي أيها الرئيس ، تكلم حتى لا أفقد عقلي ..

و لاحظت أن زوربا بدأ يشعر بالفرح ، لقد شبع من الدجاجة و راح ينظر إلى مدام هورتنس ، كانت نظراته تغتصبها ، و تصعدان إلى جسدها و تدخلان إلى صدرها المنتفخ و تتحسسانه و كأنهما يدان ، و كانت عينا السيدة الصغيرتين تلمعان من السرور ، فقد بدأت تستمتع بعد أن أفرغت عدة كؤوس من النبيذ ، و بدا كأن شيطان الخمر قد رجع بها إلى الوراء و إلى أيام الصبا الجميلة ، و نهضت و قد عاد إليها لطفها و بشاشتها و رغبتها ، ثم أغلقت باب الحديقة الخارجي كي تمنع الأعين الفضولية من رؤيتنا ، و أشعلت سيجارة و راحت تنفث دخانها بهدوء و استمتاع .

في أوقات كهذه تتفتح أبواب المرأة جميعها ، و يستريح حرسها ، و الكلمة الطيبة تصبح قوية كقوة الذهب أو الحب ، و هكذا أشعلت غليوني و قلت تلك الكلمة الطيبة :

- مدام هورتنس ، أنت تذكرينني بسارة برنهارت ، عندما كانت صغيرة ، لم أكن للحقيقة أنتظر رؤية أناقة كهذه ، عظمة كهذه ، لياقة كهذه و جمالا كهذا الجمال ، ما هذا ( الشكسبير ) .
- شكسبير ؟ أي شكسبير ؟
- الذي أرسلك إلى هنا بين هؤلاء المتوحشين .

و طارت بتفكيرها إلى أيام الغناء و المسرح ، و جالت به في المقاهي و المسارح من باريس و حتى بيروت و على طوال شاطئ الأناضول ، و كأنها تذكرت فجأة : لقد كان ذلك في الاسكندرية ! و في مسرح كبير عامر بالثريات ، و المقاعد الفخمة ، و الرجال و النساء ، و الظهور عارية ، و العطور و الأزهار ، و فجأت ارتفعت الستارة و ظهر رجل أسود مخيف ..

- أي شكسبير ؟

و سألتني مرة أخرى بكبرياء ، فقد تذكرت :

- هل هذا الذي يدعونه أيضا عطيل ؟
- هذا هو ، أي شكسبير إذن ألقى بك على هذه الصخور الوحشية ، أيتها الزهرة البيضاء ؟

و نظرت حولها ، و كانت الأبواب مغلقة ، و الببغاء نائمة ، و الأرانب تتبادل الحب ، و كنا لوحدنا ، و راحت تفتح لها قلبها و كأنها تفتح أمامنا صندوقا عتيقا ، مملوءا بالطيب ، و أوراق الرسائل الصفراء و الثياب القديمة ، و كانت تلفظ بعض الكلمات باليونانية ، و راحت تخلط بينها ، و لكننا تمكنا من فهمها بوضوح ، و في بعض الأحيان كنا نجد صعوبة قصوى في إخفاء ضحكاتنا ، و في بعض الأحيان كنا ننفجر بالبكاء ، علما أننا قد شربنا كثيرا من النبيذ .

- حسنا ، إن السيدة التي تنظرون إليها الآن لم تكن مغنية بسيطة في الحانات ، كلا ، فقد كنت فنانة شهيرة و كنت أرتدي ثيابا داخلية من الحرير الخالص و لكن الحب ..

و تنهدت تنهيدة عميقة ، و أشتعلت سيجارة ثانية من زوربا و قالت :

- لقد أحببت أميرالا ، فقد أصبحت كريت مرة أخرى ولاية ثائرة و أساطيل الدول العظمة بدأت ترسو في مرفأ ( سورا ) ، و بعد أيام قليلة رسوت أنا الأخرى هناك ، آه .. ياللحظ ! لو رأيتم هؤلاء الأميرالية الأربعة ، الإنجليزي ، الفرنسي ، الطلياني ، الروسي .. جميعهم متلفحين بالذهب و الأحذية اللماعة ، و القبعات المريشة ، كالديوك تماما ، و يا لتلك اللحى ، المجعدة الحريرية ، الداكنة ، الشقراء ، الرمادية ، و الحمراء .. ما أطيب رائحتهم ! فكل واحد منهم كانت له رائحة مميزة ، فهكذا كنت أميز بينهم في الظلام ، فأنكلترا كانت تتميز برائحة الكولونيا ، و فرنسا برائحة البنفسج ، و روسيا برائحة المسك ، و إيطاليا .. آه ، إيطالية المشغوفة بالعطر ! يا إلهي .. يا لهذه اللحى !! و كنا نلتقي عدة مرات على ظهر سفينة العلم و نتحدث عن الثورة ، و كانت بزاتهم مفتوحة و كان ثوبي الحريري يلتصق بجسدي ، فقد كانوا يصبون عليه الشمبانيا و كان ذلك كله في الصيف ، كما تعلم .. و كنا نتحدث عن الثورة بجدية ، و كنت أنا أرجوهم و أتضرع إليهم أن لا يطلقوا مدافعهم على الكريتيين المساكين ، و كنا نشاهدهم بالمنظار على الصخور قرب ( كايني ) ضئيلين كالنمل ، يرتدون قمصانا زرقاء و أحذية صفراء و هم يصرخون و يصيحون ، و كان معهم علم ..

و فجأة سمعنا صوتا خلف قضبان القصب و توقفت المجاهدة العجوز عن الكلام مذعورة ، و أرينا بين القضبان عيون الأطفال الخبيثة تراقبنا ، فقد شعر أطفال القرية بوجودنا و راحوا يتلصصون علينا ، و حاولت المغنية القيام عن الكرسي و لكنها لم تتمكن فقد أكلت و شربت كثيرا ، فعادت إلى الجلوس و هي تتصبب بالعرق و أخذ زوربا حجرا فتفرق الأولاد و هم يصرخون ..

- استمري يا جميلتي ، استمري يا كنزي !

قال ذلك زوربا و قد اقترب بكرسيه منها ..

- و قلت للأمير الطلياني ، فقد كنت قد ألفته أكثر من الآخرين ، و أمسكت بلحيته و قلت له : كانافارو أرجوك ، يا كانافارو العزيز ، لا تفعل بوم بوم .. أرجوك !! . كم من المرات كانت هذه المرأة الجالسة أمامكم تنقذ حياة الكريتيين من موت محتم ، كم من المرات كانت المدافع جاهزة للانطلاق و كنت أهرع لأمسك بلحيته و أرجوه أن لا يفعل بوم ! بوم ! و لكن من الذي شكرني على ما فعلته من أجلهم ؟ و بدلا من الوسام ، أنظروا ما حصلت عليه ..

لقد كانت مدام هورتنس غاضبة أشد الغضب لجمود الرجال و ضربت على الطاولة بقبضة يدها الطرية ، و مد زوربا يده إلى ركبتيها المنفرجتين و أمسك بهما بعطف مصطنع و صاح :

- يا بوبولينتي ، بحق السماء .. لا تفعلي بوم بوم !
- ارفع يديك ..

كذلك صاحت به السيدة الطيبة ، و أضافت بعد قليل :

- من تظنني ؟

و حدجته بنظرة غاضبة ..

- إن الله موجود في السماء ، لا تزعجي نفسك ، يا بوبولينتي ، فنحن هنا .. يا حبيبة ، لا تخافي .

و رفعت عروس البحر العجوز عينيها إلى السماء و رأت ببغاءها الأخضر يغط في النوم ، و قالت بصوت حنون :

- كانافارو ، كانافارو ..

و ما إن سمع الببغاء صوت سيدته حتى فتح عينيه و أمسك بقضبان القفص و ردد قولها كانافارو ، كانافارو ..

- موجود !

كذلك صاح زوربا و هو يضع يده من جديد على تلك الركبتين اللتين خدمتا كثيرا ، و كأنه يريد امتلاكهما ، و استدارت المغنية العجوز على كرسيها و فتحت فيها لتقول :

- و أنا أيضا حاربت ببسالة ، لقد حاربت صدرا بصدر ، لكن الأيام العصيبة جاءت و تحررت كريت بعد أن تلقت الأساطيل الأوامر بالانسحاب ، و لكن ما الذي سأصير إليه ؟ هكذا قلت و أنا أمسك باللحى الأربعة " أين ستتركوني ؟ لقد تعودت على العظمة ، و على الشمبانيا و الدجاج ! لقد اعتدت على البحارة الصغار و هم يؤدون لي التحية العسكرية حين أمر أمامهم ، سأصبع أرملة أربع مرات ، يا سادتي الأعزاء " ، و لكنهم سخروا مني ، هكذا هم الرجال ، لقد أشبعوني بالليرات الإنجليزية و الإيطالية و الروبلات و الفرنكات التي وضعتها في جواربي و قميصي و حذائي ، و في الليلة الأخيرة بكيت كثيرا حتى أن القواد الأربعة أشفقوا عليّ فملأوا المغطس بالشمبانيا و وضعوني به ثم شربوا منه على شرفي و سكروا و بعد ذلك أطفأوا النور .. و في الصباح استيقظت على رائحة العطور الممزوجة تفوح في الغرفة ، رائحة البنفسج و الكولونيا و غيرها ، لقد كنت ممسكة بالدول الأربعة ، إنجلترا ، فرنسا ، روسيا و إيطاليا ، على ركبتي ، هنا على ركبتي ، و ذهبت هكذ معهم ..

ثم راحت مدام هورتنس تهز بيدها كأنها تلاعب طفلا صغيرا على ركبتيها ثم قالت :

- هكذا ! هكذا !

و عند انبلاج الفجر راحت المدافع تنطلق في الهواء ، و أقسم أن ذلك كان على شرفي ، نعم أطلقوا المدافع و جاء زورق صغير أبيض ليقلني إلى الشاطئ .

ثم تناولت منديلها و راحت تمسح دموعها و تبكي ، و هتف زوربا :

- أغمضي عينيك ، يا بوبولينتي الصغيرة ، أغمضي عينيك يا كنزي ، فأنا هو كانافارو .

و صرخت السيدة الفاضلة :

- ارفع يديك ، لقد قلت لك ذلك ، أنظر إلى نفسك ، أين شارتك الذهبية ؟ و القبعة و اللحية المعطرة ؟ آه .. آه .. !

ثم ضغطت على يد زوربا و راحت تبكي من جديد .

لقد بدأ الطقس يبرد ، و ساد الصمت حولنا ، و كان البحر من وراء القصب يتنهد ، لقد سادت الطمأنينة و الهدوء أخيرا ، فالريح سكنت و الشمس غرقت عند الأفق لتنام ، و مر من فوقنا غرابان يصفقان بأجنحتهما كأن قطعة من الحرير قد تمزقت ، ربما كان قميص مغنية !! و همهم زوربا بعطف و هو يضغط بركبته على ركبتها :

- يا بوبولينا ، لا تضطربي ، ليس هناك من إله أو شيطان ، ارفعي رأسك الصغير و أسندي خدك على يدك و اشندي لنا أغنية ، و ليذهب الموت إلى الجحيم !

لقد كان زوربا يشتغل بالحب ، و كانت يده اليسرى تفتل شاربه ، بينما يده اليمنى تنساب على المغنية المنتشية ، و كانت كلماته تنقطع متقطعة و عيناه واهنتان ، و لم تكن هذه العجوز المطلية المساحيق هي التي تثيره ، بل أنه كان يرى آفاق متملا ، الجنس الأنثوي بأجمعه ، كما كان يدعو امرأة ، لقد اختفى القرد و انمحي الوجه سواء كان فتيا أم هرما ، جميلا أم بشعا ، فهذه كانت اختلافات لا أهمية لها ، إن خلف كل امرأة يقف وجه أفروديت المقدس الغامض ، هذا هو الوجه الذي يراه زوربا ، و يحدثه و يشتهيه ، أما مدام هورتنس فلم تكن سوى قناعا شفافا سريع الزوال يمزقه زوربا ليقبل الشفاه الخالدة ، و ردد في صوت متضرع هامس :

- ارفعي عنقك الناصع يا كنزي ، ارفعي العنق الأبيض و أنشدينا بأغنية جميلة ..

و وضعت المغنية العجوز يدها على خدها و راحت تنشد أغنية من أغنياتها القديمة ، و قفز زوربا و أحضر السانتوري و جلس متربعا على الأرض ثم صاح بأعلى صوته :

- أوه ، أوه .. خذي سكينا و اقطعي به عنقي يا بوبولينتي ..

و عندما بدأ الليل يقترب ، بدأت مدام هورتنس تتقلب و تلتصق بزوربا برفق و دلال ، و نظر إليها مشيرا إلي ثم همس بقوله :

- قد بدأت تنسجم ، كن لطيفا و اتركنا لوحدنا ..

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2006, 13:26   #12 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



الفصل الرابع



طلع النهار، وفتحت عينيّ، ورأيت أمامي زوربا،جالساً مثني القدمين عند طرف سريره، كان يدخن وهو غارف في تأمل عميق. وكانت عيناه الصغيرتان المستديرتان تحدقان بالنافذه التي صبغتها أشعة الفجر الأولى ببياض حليبي. كانت عيناه منتفختين ، ورقبته العارية النحيلة ممتدة، بطولها غير العادي، كرقبة طائر صيد.

-انني ذاهب أٌلُهُ جيدا يا زوربا تشجّع يا فتاي!
فأجاب زوربا:
-إلى اللقاء، أيها الرئيس. دعنا نسوي قضيتنا، مساء الخير، أيها الرئيس نم جيداً!
والظاهر أنهما قد سويا قضيتهما، لأنه بدا لي في نومي أنني سمعت هديلا مكتوما، وهزمات تقلقل الغرفة المجاورة في احدى اللحظات. ثم عدت إلى النوم. وبعد زمن طويل على مضي نصف الليل دخل زوربا عاري القدمين وتمدد على سريره بهدوء كبير كي لا يوقظني.

والآن عند الفجر كان هناك عيناه ضائعتان بعيداً، نحو النور ونظرته مطفأة، وكان ما يزال غارقا في خدر خفيف، وصدغاه لم يتحررا بعد من النعاس. واستسلم بهدوء وسلبية الى تيار من نور كثيف كالعسل. كان الكون يجري، الأراضي، والمياه والأفكار والبشر نحو بحر بعيد، وزوربا يجري معه يدون مقامة، دون تساؤل، وبحبور.

بدأت القرية تستيقظ –ضجيج خليط من أصوات الديكة، والخنازير، والحمير والبشر. وأردت أن اقفز من الفراش، وأصرخ: "أي زوربا لدينا اليوم عملّ" لكنني كنت أحس أنا نفسي بهناء كبير اذا استسلم هكذا دون كلمات، دون حركات لتسربات الفجر. القلعة الرائعة. في مثل هذه الدقائق السحرية، تبدو الحياة كلها خفيفة كالزغب. وتتشكل الارض وتتصل بنفح الريح، وكأنها غيمة متموجة، رخوة.

كنت أنظر الى زوربا يدخن، ورغبت في التدخين أنا أيضا، فمددت ذراعي وأخذت غليوني. ونظرت إليه بانفعال. انه غليون انجليزي ضحم وثمن اهداني اياه صديقي –ذو العينين الرماديتين الخضراوين واليدين الضامرتي الاصابع – في ظهر احد الايام، منذ عدة سنوات في بلد أجنبي. كان سيسافر بعد ان انهى دراسته، الى اليونان في مساء نفس اليوم، فقال لي :" دعك من السجائر، انها انك تشعلها وتدخن نصفها ثم ترميها وكأنها بغي" هذا عار. تزوج الغليون، فهو المرأة المخلصة. عندما تعود الى بيتك تجده هناك دوما ينتظرك دون أن يتحرك. فتشعله وتتطلع الى الدخان وهو يصعد في الهواء، وتتذكرني".

كان الوقت ظهراً، وكنا خارجين من احد متاحف برلين، حيث ذهب ليودع لوحته العزيزة "المحارب" لرامبراندت، بخوذته البرونزية وخديه الهزيلين ونظرته المتألمة العنيدة. وتمتم وهو ينظر الى المحارب الحاقد واليائس:" اذا ما قمت في حياتي بعمل جدير بإنسان فسأكون مدينا به له". كنا في باحة المتحف مستندين الى عمود. وأمامنا كان تمثال من البرونزي فارسة عارية تمتطي برشاقة لا توصف حصانا متوحشا. وحط عصفور صغير رمادي، من نوع الذعرة، على رأس الفارسة لحظة، ثم التفت نحونا وهز ذنبه هزات صغيرة عنيفة وصفر مرتين او ثلاثا لحنا هازئا وطار:
وارتعدت ونظرت الى صديقي وسألته:
-اسمعت العصفور؟ لقد بدا عليه انه قال لنا شيئاً
ابتسم صديقي وأجاب مستشهدا ببيت من أغانينا الشعبية:
"إنه عصفور، دعه يغني، انه عصفور دعه يتكلم!"
كيف تعود في هذه اللحظة عند طلوع النهار، فوق هذا الساحل الكريتي، كيف تعود هذه الذكرى الى ذاكرتي مع ها البيت الحزين الذي يغرق نفسي بالمرارة؟

وحشوت غليوني ببطء وأشعلته. لكل شيء معنى خفي في هذا العالم. هكذا قلت في نفسي. البشر، الحيوانات، والأشجار، والنجوم، كلها ليست الا خطوطا هيروغليفية، وسعيد هو الذي بدأ بحلها وادراك ما تعنيه، لكن يا لتعاسته ايضا! انه لا يفهمها عندما يراها، فهو يعتقد انها بشر وحيوانات واشجار ونجوم. ثم يكتشف، بعد عدة سنوات بعد فوات الاوان معناها الحقيقي.

المحارب ذو الخوذة البرونزية، وصديقي المستند الى العمود، والنور الكثيف في ظهر ذلك اليوم، وعصفور الذعرة وما قاله لنا وهو يصفر، وبيت الاغنية الحزينه، كل ذلك يمكن أن يكون له معنى خفي، هكذا افكر اليوم ولكن ما هو؟

وتتبعت بعيني الدخان الذي كان يلتف وينتشر في نور الشفق العاتم وينقشع ببطء. وكانت روحي تندمج بهذا الدخان، وتتلاشى في دوائر رزق. ومضى زمن طويل وكنت احس، دون تدخل المنطق وبيقين لا يوصف، بأصل العالم وتفتحه وزواله. وكأنني قد غرقت من جديد في بوذا. لكن هذه المرة بدون الكلمات الخادعة، وألعاب الفكر البهلوانية والوقحة. ان هذا الدخان هو خلاصة تعاليمه وهذا الدوائر المتلاشية هي الحياة التي تؤدي بهدوء واطمئنان وسعادة، الى النيرفانا الزرقاء. لم افكر بشيء ولا ابحث عن شيء ولا اشك بشيء, كنت اعيش في اليقين.

وتنهدت بهدوء وكأن هذه التنهدة أعاتي الى اللحظة الحاضرة، فنظرت حولي ورأيت الكوخ الخشبي البائس، ومرآة صغيرة معلقة على الحائط، قد سقط عليها شعاع من الشمس الأول، فراحت تقدح بالشرر. وكان زوربا جالسا امامي فوق فراشه مُديرا ظهره لي، يدخن.

وفجأة هدر في نفسي يوم امس بكل احداثه المضحكة-المبكية. وروائح البنفسج الفائحة، البنفسج، وماء الكولونيا، والمسك والعنبر. وببغاء، او كائن شبه انساني استحال الى ببغاء، كان يضرب بجناحيه قضبان قفصه الحديد وهو يدعو حبيبا قديما، وسفينة عجوز هي الوحيدة من اسطول كامل لا تزال على قيد الحياة، تروي معارك بحرية قديمة...

سمع زوربا تنهدتي، فهز رأسه واستدار متمتماً:
-لقد أسأنا التصرف، لقد اسأنا التصرف، أيها الرئيس, لقد سخرت وكذلك أنا، ورأتنا المسكينة؟ ثم ذهبت دون تمهد لذلك، وكأنها عجوز عمرها ألف عام، يا للعار! ليس هذا بالادب، أيها الرئيس، ليس هكذا يجب أن يتصرف الرجل، كلا، اسمح لي أن أقول لك ذلك! أنها امرأة بعد كل شيء، أليس كذلك؟ مخلوق ضعيف، سريع البكاء. ولحسن الحظ بقيت أنا لأعزيها.
فقلت ضاحكاً:
-لكن ماذا تقول يا زوربا. اتعتقد جديا أن جميع النساء في رؤوسهن غير ذلك؟
-نعم. ليس في رؤوسهن غير ذلك. صدقني، أيها الرئيس انا الذي رأيت وعاشرت من جميع الالوان، وان لي، كما يقولون بعض الخبرة. ليس للمرأة شيء آخر في رأسها، انها مخلوق مريض، اقول لك سريعة البكاء. فاذا لم تقل لها انك تحبها وتشتهيها، تأخذ بالبكاء. قد تقول لك لا، وقد لا تعجبها مطلقا، وقد تثير اشمئزازها، لكن هذه قصة اخرى. إن من يرونها عليهم ان يشتهوها. هذا ما تريده، المسكينة، اذن فأنت تستطيع أن تسرها!
"أنا كانت لي جدة، وكانت في الثمانين. ان قصة هذه المرأة لرواية حقيقية. لكن حسنا، ان هذه ايضا قصة اخرى... كانت اذن في الثمانين تقريبا، وامام بيتنا كانت تقطن فتاة جميلة شابة نضرة كالزهرة. كانت تدعى كريستالو. وفي مساء كل سبت كنا، نحن، اغرار القرية نذهب لشرب قدح، وننتشي بالخمر. ونضع غصنا من الحبق خلف اذنننا، ويأخذ ابن عم لي قيثارة نذهب للسيرينادا. يا للنار! يا للهوى! كنا نخور كالجواميس. كنا نريدها جميعا، ومساء كل سبت نذهب قطيعا واحد لتختار منه.
"حسنا! هل تصدقني أيها الرئيس؟ انه لسر محير، ان في المرأة جرحاً لا يلئتم أبدا. ان جميع الجراح تلتئم، لكن هذا لا تصغ الى ما تقوله كتبك، لا يلتئم بادا. لماذا، لان المرأة قد بلغت الثمانين؟ ن الجرح يبقى دوما مفتوحا.
"اذن كل سبت كانت العجوز تجر فراشها فرب النافذة، وتأخذ خفية مرآتها الصغيرة وتمشط الشعرات القليلات التي بقيت، وتفرقها الى فرقين، وتنظر حواليها بطرف خفي خشية ان يشاهدها احد، واذا ما اقترب انسان تنكمش على نفسها بهدوء كأنها قديسة تدعي التقوى، وتتظاهر بالنوم. لكن كيف تنام؟ انها تنتظر السيرينادا. في الثمانين! اترى ايها الرئيس ان هذا يدفني الى الرغبة في البكاء اليوم. لكني في ذلك الوقت لم اكن لا طائشا، لا افهم شيئا، وكان ذلك يثير سخريتي. وذات يوم غضبت عليها. كانت تسيء معاملتي لانني اجري وراء الفتيات. فصارحتها مرة بحقيقة امره:" لماذا تسمحين شفتيك بورق الجوز كل سبت، وتمشطين شعرك؟ لعلك تتصورين اننا نقوم بالسيرنادا من اجلك؟ نحن انما نريد كريستالو اما انت، فتفوح منك رائحه الجثث!"
"صدقني ايها الرئيس! في ذلك اليوم عندما رأيت دمعتين كبيرتين تنسابان من عيني جدتي، فهمت لأول مرة ما هي المرأة. فقد توقعت في زاويتها ككلبة وراحت ذقنها ترتعد. وصرخت وانا اقترب منها كي تسمعني جيدا :" كريستالو"، "كريستالو". ان الشباب حيوان مفترس لا انساني، لا يفهم. ورفعت جدتي ذارعيها الضامرتين نحو السماء وهتفت:"ألعنك من اعماق قلبي"، ومنذ ذلك اليوم، اخذت تهبط المنحدر، وتتلاشى وبعد شهرين كانت على وشك الموت. وفي اللحظة التي كانت فيها تحتضر، شاهدتني. فتنهدت كالسلحفاة ومدت يدها اليابسة لتخدشني: "انت الذي قتلتني يا الكسس. يا لعين، لتحل اللعنة عليك ولتتألم انت أضا بقدر ما أتألم!"
وابتسم زوربا وقال وهو يداعب شاربه،
-آه! ان لعنة العجوز لم تخطئني، انني في الخامسة والستين، على ما اعتقد، لكنني لن اصبح حكيما ابدا، حتى لو عشت مئة عام. سأحمل دوما مرآة صغيرة في جيبي وسأركض وراء الجنس الانثوي.
وابتسم مرة اخرى، والقى سجارته من النافذة، وتمدد قائلاً:
-لدي اكداس من النقائص، لكن هذه النقيصة ستقتلني!
وقفز عن سريره:
-هذا يكفي. لقد تحدثنا كثيرا. اليوم سنعمل!
ولبس في اقل من ثانية، وانتعل حذاءه وخرج.
ورحت اجتر كلمات زوربا، ورأسي محني على صدري، وفجأة عادت الى صورة ذهني مدينة بعيدة مغطاه بالثلج. كنت واقفا انظر في معرض لأعمال رودان، الى يد ضحمة من البرونز، "يد الله" كانت الراحة نصف مغلقة وفي تلك الراحة رجل وامرأة يتدافعان ويمتزجان مأخوذين بالنشوة متعانقين.
واقتربت صبية ووقفت الى جانبي. وراحت تنظر، مضطربة هي ايضا إلى عناق الرجل والمرأة القلق الخالد. كانت نحيفة انيقة الثياب، ولها شعر كثيف اشقر، وذقن قوية، وشفتان ضيقتان. كان فيها ثمة شيء مصمم ورجولي. ولا أدري ما الذي دفعني الى التكلم مع انني اكره الدخول في محادثات سهلة. فالتفت قائلا:
-بِم تفكرين؟
فتمتمت بتحدٍ:
-لو نستطيع الهرب!
-للذهاب الى أين؟ان يد الله في كل مكان. لا سلام. أأسفة لذلك؟
-كلا من الممكن ان يكون الحب اعظم فرح على هذه الارض. هذا ممكن. لكنني اود ان اهرب، اذ ارى الان هذه اليد البرونزية.
-أتفضلين الحرية؟
-نعم.
-لكن ما العمل ان لم تكن حريتنا الا في طاعة اليد البرونزية واذا كانت كلمة "الله" ليس لها المعنى الشائع الذي تعطيه الجاهير لها؟
فنظرت إليْ بقلق. كانت عيناها بلون المعدن الرمادي. وشفتاها جافتين ومريرتين وقالت:
-انني لا افهم.
وابتعدت وكأنها خائفة. ثم اختفت. ولم تعد الى خاطري قط منذ ذلك الحين. لكنها كانت تعيش بالتأكيد في داخلي، تحت بلاطة صدري، وها هي اليوم فوق هذا الساحل القفر، تخرج من اعماق نفسي، شاحبة نائحة.
نعم لقد أسأت التصرف، إن زوربا على حق. لقد كانت تلك اليد البرونزية ذريعة حسنة، وكنا نستطيع، بعد أن نجح الاحتكاك الاول وقيلت الكلمات الاولى اللطيفة، ان نتعانق، رويداً رويدا دون ان ينتبه احدنا، ونتحد بهدوء تام في راحة الله. لكنني اندفعت فجأة من الارض الى السماء، فذعرت المرأة وهربت.
وصاح الديك في باحة السيدة هورتانس. ان النهار يتسرب الان، شديد البياض، من النافذة الصغيرة ونهضت دفعة واحدة.
أخذ العمال يجيئون حاملين معاولهم وعتلاتهم ومجارفهم. وسمعت زوربا يصدر الاوامر. لقد انهمك فجأة في عمله، واصبح ذلك الرجل الذي يعرف كيف يأمر والذي يحب المسؤولية.
ومددت رأسي من النافذة ورأيته واقفا، كعملاق ضخم وسط ثلاثين من الرجال، النحيفين القساة السمر، القصيري القامة. كانت ذراعه تمتد بشكل آمر، وكلماته مختصرة ودقيقة. وبعد لحظة أمسك بعنق فتى صغير كان يتمتم بتردد. وصرخ:
-أهناك شيء تود أن تقوله؟ قلت بصوت عالٍ! انني لا احب الهمهمات. كي تشتغل لا بد أن تكون مستعداً، فإذا لم تكن كذلك، فاسرع الى الحانة.
وعندئد ظهرت السيدة هورتانس، شعثاء الشعر منتفخة الخدين، غير مخضبة الوجه، مرتدية قميصا عريضا قذرا وخفين طويلين باليين.

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2006, 13:27   #13 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



وسعلت سعالا جافا كسعال المغنيات العجائز، اشبه بالنهيق، وتوقفت ونظرت الى زوربا باعتزاز. واضطربت عيناها. وسعلت من جديد كي يسمعها ومرت قربه وهي تتأرجح وتهز ردفيها. ولم يبق الا قيد شعرية لتمسه بكمها الواسع. لكنه لم يلتفت حتى لمجرد النظر اليها. وأخذ من احد العمال قطعة من كعكة مصنوعة من الشعير وقبضة من الزيتون وصرخ:
-هيا، أيها الرفاق، وبخطا عريضة، قاد الفريق في خط مستقيم نحو الجبل.
لن اصف ها هنا أعمال المنجم. ان ذلك يتطلب الصبر، وليس لدي شيء منه. لقد بنينا قرب البحر كخا من القصب والخيزران وصفائح الوقود. كان زوربا يستقظ عند الفجر، ويتناول معوله، وينطلق إلى المنجم قبل العمال، ويحفر دهليزا ويتركه، ويجد عرقا من اللينيت اللامع كالفحم الحجري ويرقص من الفرح. لكن العرق كان يضي بعد عدة ايام فيلقى زوربا بنفسه على الارض، رافعاً ساقيه في الهواء، ويأخذ برجليه ويديه يتحدى السماء.
كان يشتغل من كل قلبه ولم يكن حتى ليستشيرني, وبعد عدة ايام كان الهم كله والمسؤولية كلها قد انتقلت من يدي الى يده. انه هو الذي يقرر وينفذ. اما انا علي ان ادفع ثمن الجرار المكسورة –وهذا لم يكن يزعجني بالاصل- لانني احس جيدا ان هذه الاشهر من حياتي ستكون من اسعد الاشهر على الاطلاق. وهكذا، بعد ان قمت بجميع حساباتي، كنت ادرك انني اشتري سعادتي بقليل من التكاليف.
كان جدي لأمي هو الذي كان يسكن في قرية صغيرة بكريت. يأخد كل مساء فانوسه ويقوم بجولة في القرية ليرى اذا كان احد الغرباء قد جاء اليها مصادفة. كان يأخذه الى منزله ويقدم له الكثير من الطعام والشراب، ثم يجلس على الاريكه ويشعل غليونه التركي الطويل، ويلتفت نحو ضيفة الذي حان ان يوفي ما عليه ويقول له بلهجة آمرة:
-حدثني!
-عمَ أحدثك، ايها الاب موستيوري؟
-ما بك، من انت، من اين قدمت ما المدن وما القرى التي شاهدتها عيناك، كل شيء، حدثني عن كل شيء. هيا تكلم!
ويبدأ الضيف بالحديث، كيفما اتفق، خالطا الحقائق بالاكاذيب بينما يدخن جدي غليونه، ويصغي اليه ويسافر معه، وهو جالس بهدوء على الاريكة. واذا ما اعجبه الضيف يقول له:
-ستبقى غدا أيضا، ولن تذهب. مازال لديك اشياء لترويها.
ان جدي لم يغادر قريته. بل انه لم يذهب حتى الى "كاندي" او الى "كانيه" كان يقول: "أأذهب إليها، لماذا؟ هناك سكان من كانيه وكاندي يمرون من هنا، ان كاندي وكانيه تأتيان الي. لست بحاجة الى الذهاب إليهما!"
انني اليوم استمر في عادة جدي فوق هذه الارض الكريتية. لقد وجدت انا أيضا ضيفا، وكأنني بحثت عنه بضوء فانوسي. انني لن اتركه يذهب وهو يكلفني أكثر بكثير من ثمن عشاء، لكنه يستحق ذلك. كل مساء انتظره بعد العمل، واجعله يجلس بمواجهتي ونأكل ثم يأتي الوقت الذي يجب أن يدفع فيه واقول له : "حدثنيّ". وأدخن غليوني وأصغي إليه. لقد جاب هذا الضيف الارض كثيرا. وسبر غور الروح الانسانية جيدا وانا لا اشبع من الاصغاء اليه.
-حدثني زوربا، حدثني!
وما أن يفتح فاه، حتى تتجلى كل ماسيدونيا امامي، وتمتد في الفسحه الصغيرة التي بيني وبين زوربا، بجبالها وغاباتها وسيولها وجنودها غير النظاميين ونسائها اللواتي لا يشق عليهن العمل، ورجالها الغلاظ القساة وكذلك جبل آتوس بديوره الواحد والعشرين. وترساناته، وساكنيه الكسالى.
ويهز زوربا عنقه وهو ينهي قصصه عن الرهبان، ويقول وهو ينفجر ضاحكا: "ليحفظك الله، ايها الرئيس، من مؤخرات البغال ومن مقدمات الرهبان!"
كل مساء، يأخذني زوربا للنزهة عبر اليونان، وبلغاريا والقسطنيطينة، واغلق عيني وأرى. لقد جاب البلقان، ولاحظ كل شيء بعينيه المرتبكتين القلقتين الصغيرتين اللتين تشبهان عيني الصقر، واللتين يجحظهما في كل لحظة، وقد تملكه الذهول. ان الاشياء التي اعتدنا عليها والتي نمر بها لامبالين. تنتصب امام زوربا وكأنها ألغاز مخيفة. فهو أن رأى امرأة تمر، يقف مبهوتاً ويسأل:
"ما هذا السر؟ ما المرأة، ولما تجعل عقلنا يدور؟ ما معنى هذا، قل لي قليلاً؟"
انه يتساءل بالذهول نفسه امام رجل، أو شجرة مزهرة، أو قدح من الماء البارد. انه زوربا يرى يومياً كل الاشياء للمرة الأولى.
كنا جالسين البارحة امام الكوخ. وبعد اشرب كأسا من الخمر، التفت نحوي مذعوراً:
-ما هذا الماء الاحمر، أيها الرئيس، قل لي! جذع شجرة عجوز ينبت أغصانا، وثمة أنواع من الزخارف الحامضة المتدلية، ويمضي الوقت وتنضجها الشمس، فتصبح حلوة كالعسل، وعنها تسمى عنباً، وتداس بالاقدام، ويسخرج منها العصير الذي يوضع في براميل، ويتخمر من تلقاء نفسه، ويفتح في عيد القديس جورج السكير، فإذا هو خمر! ما هذه المعجزة أيضا! وتشرب هذا العصير الاحمر، فإذا بروحك تعظم، ولا تعود تستطيع البقاء في الجسد العجوز وتتحدى الاله للمعركة. ما هذا، أيها الرئيس، قل لي؟
لم أتكلم، كنت احس، وانا أصغي الى زوربا، ببتولية العالم تتجدد. وراحت جميع الاشياء العادية الباهتة تستعيد تألق ايامها الاولى، لحظة خرجت من يدي الله. وعاد الماء، المرأة، والنجمة، والخبز، الى النبع البدائي الغامض وانطلقت الدوامه السماوية من جديد في الجو.
لهذا كنت، كل مساء انتظر زوربا وانا متمدد على حصى الشاطئ، بشوق شديد. كان يخرج من احشاء الارض، مليئا بالوحل ملوثا بالفحم، وكأنه فأرة ضخمة بقامته الطويلة المتهادية. ومن بعيد كنت احزر كيف سار الى العمل في ذلك اليوم، من هيئة جسده، من رأسه المنحني الو المنتصب عاليا من اهتزاز ذارعيه الكبيرتين.
في البدء، كنت اذهب معه، وأراقب العمال. كنت أجهد نفسي للسير في درب جديدة، وللاهتمام بالاعمال اليدوية، ولمعرفة المادة الانسانية التي سقطت بين بدي ولمحبتها، وللاحساس بالفرح الذي لطالما تمنيته، فرح العمل مع بشر احياء لا مع كلمات. وكنت اقوم بمشاريع رومانتيكية –فاستخراج اللينيت يتم بسرعة- لتنظيم نوع من الكومونة نعمل فيها جميعا. وكل شيء يكون فيها مشتركاً، فنأكل معاً جميعاً من نفس الطعام ونرتدي نفس الثياب، كالأخوة. كنت أخلق في هذني رهبانية جديدة، خميرة حياة جديدة...

لكنني لم اكن قد قررت بعد ان اطلع زوربا على مشاريعي. كان ينظر اليّ بانزعاج، وانا اذهب واجيء بين العمال، اسأل، واتدخل، وادافع دوماً عن العامل. يزم زوربا شفتيه ويقول لي:
-أيها الرئيس، ألا تود أن تقوم بجولة في الخارج؟ ان الشمس رائعة هناك!
ولكني كنت اصر في الايام الاولى، ولا اذهب. كنت أسأل وأثرثر، واطلع على تاريخ جميع عمالي، الاطفال الذين عليهم ان يطعموهم، والاخوات اللواتي عليهم ان زوجوهن، والوالدين العجوزين العاجزين، همومهم، وامراضهم، ومشاغلهم.
وكان زوربا يقول لي بغضب:
-لا تنبش هكذا تاريخ حياتهم. فسيميل قلبك نحوهم، وتحبهم اكثر مما يجب، واكثر مما تقتضي مصلحة عملنا. وستسامحهم مهما فعلوا..
وإذ ذاك فيا لشقائهم هم أيضا، يجب ان تعرف ذلك عندما يكون الرئيس صلبا، يخشاه العمال، ويحترمونه، ويشتغلون. وعندما يكون الرئيس ضعيفاً، يضعون الرسن في عنقه، ويجرونه بهدوء. أتفهم؟

وذات مساء، بعد ان انتهى العمل، القى بمعوله امام الكوخ، متعبا، وصرخ:
-ارجوك أيها الرئيس لا تتدخل في اي شيء. أنا أبني وانت تهدم. ما هذه القصص التي كنت ترويها لهم اليوم؟ اشتراكية وهراء! أأنت واعظ أم رأسمالي؟ يجب أن تختار.

لكن كيف أختار؟ كان الرغبة ساذجة تتأكلني في أن اجمع الامرين معنا، وان اجد التركيب الذي تتآخى فيه التناقضات التي لا سبيل للتوفيق بينها، وان اكست في آن واحد الحياة الارضية وملكوت السماوات. ان هذا قد بدأ منذ سنوات، منذ حداثتي. فمنذ ان كنت في المردسة، نظمت مع صفوة اصدقائي "اخوة ودية" وهو الاسم الذي اعطيناه للمنظمة وأقسمنا وقد أغلقنا على انفسنا الغرفة بالمفتاح، اننا سنكرس كل حياتنا للنضال ضد الظلم. وقد انسابت دموع كبيرة من أعيننا، عندما أقسمنا وأيدينا فوق قلوبنا.

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2006, 13:28   #14 (permalink)
عضو نادي الألف
 
الصورة الرمزية ABU_YARA
 
تاريخ التسجيل: 17-10-2005
المشاركات: 3,033
إرسال رسالة عبر MSN إلى ABU_YARA


آخـر مواضيعي



مُثل عليا صبيانية ومع ذلك فيا لشقاء من يضحك اذا سمعها وانني اذ ارى الى اين انتهى اعضاء "الاخوة الودية" –ادعياء طب ومحاماة، وعطارون وسياسيون دجالون، وصحفيون صغار- فأن قلبي لينقبض. وان مناخ هذه الارض فظ وقاسٍ على ما يبدو، واثمن البذور لا تنبت فيه واو هي تختنق في الشوك والقراص. ومع انني ارى ذلك الان بوضوح، الا انني لم اصبح منطقياً بعد. ألا فليتمجد اسم الله فأنا احس بأنني على استعداد لألقي بنفسي في غزوات دونكيشوتية.
كنا نستعد ليوم الاحد، وكأننا عروسان يريدان الزواج، فنحلق، وترتدي قميصا ابيض جديداً، ونذهب في نهاية بعد الظهر عند السيدة هورتانس. كانت في كل يوم أحد تذبح لنا دجاجة، ونجلس من جديد ثلاثتنا، لنشرب ونأكل ثم يمد زوربا يديه الطويلتين الى صدر السيدة الطيبة المضياف، ويمتلكه، وعندما يرخي الليل سدوله، نعود الى شواطئنا، وتبدو لنا الحياة بسيطة ومليئة بالنوايا الطيبة، وعجوزاً، لكنها لطيفة جدا، ومضيافة، مثل السيدة هورتانس.

وذات أحد قررت ونحن عائدان من وليمتنا الوفيرة، ان احدث زوربا واطلعه على مشاريعي. وأصغى عليّ فاغر الفم، وهو يرغم نفسه على الصبر. ومن اللحظة الاولى حتى طارت السكرة من عقله، وصفا ذهنه وعندما انتهيت انتزع بعصبية شعرتين أو ثلاثا من شاربه وقال:
-بالإذن منك أيها الرئيس فأنا احس بأن عقلك ليس صلبا جدا بل هو اشبه بالمعجنات حقاً. كم عمرك؟
-خمس وثلاثون.
-اذن! هو لن يصبح صلباً مطلقاً.
وقهقه ضاحكاً. واحسست بأنني لسعت، وصرخت:
-الا تؤمن بالانسان انت؟
-لا تغضب أيها الرئيس. كلا انا لا اؤمن بشيء, لو كنت اؤمن بالانسان لآمنت أيضا بالله، ولآمنت أيضا بالشيطان. وتلك مشكلة. ان الامور يلتبس بعضها ببعض، وهذا يسبب لي، أيها الرئيس، كثيرا من الازعاج.
وصمت، وخلع قلنسوته، وحك رأسه بعصبية، وشد ايضا شاربه وكأنه يريد انتزاعه. ارد ان يقول شيئا ما لكنه امتنع. نظر الي من جانبي عينه، ثم نظر الي ثانية وقرر. وصرخ وهو يضرب الحجارة بعصاه بعنف:
-الانسان بهيمه؟ بهيمه كبيرة ان سيادتك لا تعرف ذلك، وكل شيء على ما يبدو كان سهلا بالنسبة لك، لكن اسألني انا. بهيمه، اقول لك! اذا كان سيئا معه احترمك خافك، واذا كنت طيبا فقأ عينيك، "حافظ على المسافات، ايها الرئيس، لا تشجع البشر كثيرا ولا تقل لهم اننا جميعا متساوون، وان لنا جميعا الحقوق نفسها. ولا فانهم سيدوسون حقك انت، ويسرقون خبزك ويتركونك تفطس من الجوع. حافظ على المسافات أيها الرئيس، من اجل الخير الذي اريده لك".
فصرختُ غاضبا:
-لكن ألا تؤمن بشيء إذن؟
-كلا، لا اؤمن بشيء، كم مرة يجب ان اقول لك ذلك؟ انني لا اؤمن بشيء، ولا بأي شخص، بل بزوربا وحده. ليس لان زوربا افضل من الاخرين. ليس ذلك مطلقا، مطلقا! انه بهيمه هو الاخر. لكنني اؤمن بزوربا لانه الوحيد الذي يقع تحت سلطتي، الوحيد الذي اعرفه وكل الاخرين انما هم اشباح. انني ارى بعينيه واسمع باذنيه، واهضم بأمعائه، وكل الاخري اقول لك، اشباح. عندما اموت انا، فكل شيء يموت. ان كل العالم الزوربي سينهار دفعة واحدة!
فقلت ساخرا:
-انت تتحدث بأنانية!
-انني لا استطيع شيئا ايها الرئيس! الأمر هكذا: اذا أكلت فولاً فانني اتحدث عن الفول، وانا زوربا اذن اتحدث على طريقة زوربا.

لم اقل شيئا. كنت احس بكلمات زوربا وكأنها صفعات سوط. انني اعجب لقوته هذه، ولمقدرته على احتقار البشر الى هذا الحد، وفي نفس الوقت لوجود مثل هذه الرغبة عنده في ان يعيش ويعمل معهم. أما أنا، فانني إما أصبح ناسكا وإما ن ازين البشر بريش زائف كي استطيع تحملهم.
والتفت زوربا ونظر إلي. وعلى ضوء النجوم تبينت وجهه الذي شقّته ابتسامه حتى أذنيه.
وقال وهو يتوقف فجأة:
-أأغضبتك، ايها الرئيس؟
كنا قد وصلنا الى الكوخ، ونظر إلي زوربا بعطف وقلق.
لم اجب. كنت احس ان عقلي على اتفاق مع زوربا، لكن قلبي كان يقاوم، يريد الانطلاق، والهرب بعيداً عن البهيميه، وفتح طريقله.
وقلت:
-انني لا اشعر بالنعاس، يا زوربا، هذا المساء. اذهب للنوم، انت.
كانت النجوم تتلألأ، والبحر يتنهد ويلعق الاصداف، واضاءت احدى الحباحب تحت بطنها منارتها الصغيرة الفاضحة. وكان شعر الليل يقطر ندى.
وتمددت على الشاطئ، وغرقت في الصمت، دون أن افكر بشيء. واصبحت انا والليل والبحر كلاًَ واحداً واحسست بروحي وكأنها حباحب قد وقفت بمنارتها الصغيرة الذهبية الخضراء المضيئة، فوق ارض رطبة وسوداء، وراحت تنتظر.
كانت النجوم تسافر، والساعات تمضي، وعندما نهضت كنت قد رسمت في نفسي نهائياً، دون أن ادري كيف، المهمة المزدوجة التي علي ان اقوم بها على هذا الشاطئ:
ان اهرب من بوذا، واتخلص من الكلمات من كل همومي الميتافيزيقية. واحرر روحي من قلق غير مجدٍ. ثم اقيم بدءاً من الآن، احتكاكا عميقا ومباشرا مع البشر. وقلت في نفسي: "لعل الوقت لم يفت بعد".

__________________

ABU_YARA غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 19-10-2006, 05:24   #15 (permalink)
عضو فعال
 
الصورة الرمزية فتاة من سورية
 
تاريخ التسجيل: 20-09-2006
الدولة: سوريا
المشاركات: 26


آخـر مواضيعي
 
0 مسا الخير




كل التقدير لمجهودك أبو يارا

أردت سؤالك إن كانت (الحب في زمن الكوليرا) في متناول يديك

اما بالنسبة لزوربا فقد قرأتها من ثلاث سنوات وكانت من أحب ما قرأته. مع العلم أني

عاودت قراءة ما ورد في صفحاك.

مشكـــــــــــــــــــــور.
__________________
الموسيقــــــــــــــــــــــــــا أنقى أشكال الفن وأقرب تعبير ٍعن الجمـــــــــــــــــــــــــال

__________________

فتاة من سورية غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة




الساعة الآن 11:00.

موقع حلوة   -   ابراج مكتوب   -   للرجال فقط   -   الثقافة الجنسية   -   الحياة الزوجية   -   اختبار القدرة الجنسية   -   للمقبلين على الزواج   -   الحمل و الولادة   -   اخبار الفنانين   -   كلمات الاغاني

تجارة الكترونية   -   منتديات الامارات   -   اناشيد طيور الجنة   - العاب   -   العاب بنات   -   صور اطفال   -   صوت الاسلام   -   الفراشة - عالم حواء   -   منتديات   -   طيران - سفر   -   كورة   -   ابراج – حظك اليوم   -   اخبار   -   كليبات   -   العاب فلاش   -   التنمية البشرية -   بنت الحلال – زواج -   اصحاب–تعارف -   مدونات مكتوب – مدونات عربية -   توبيكات   -   العاب بنات- العاب تلبيس-العاب ماكياج


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.1.0
جميع مايطرح يمثل وجهة نظر صاحبه ولا يمثل وجهة نظر المنتدى للأستفسار والأقتراحات اتصل بنا


[حجم الصفحة الأصلي: 354.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 346.76 كيلو بايت... تم توفير 7.88 كيلو بايت...بمعدل (2.22%)]