عرض مشاركة واحدة
قديم 25-04-2007, 17:47   #2 (permalink)
الاميررره
عضوة شرف
 
الصورة الرمزية الاميررره
 
تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874





رد على: صوت في الظلام "قصص إيطالية"

ثم أضاف قائلاً:‏
ـ اسمحي لي أن أقدم تهاني.. ولكنك ترين أنني تذكرت هذه الحالة، فجأة، وتذكرت تشخيص المرض من قبل أشهر الأطباء إذا لم أخدع.. إذا لم تخني الذاكرة.. كان من الصعب تشخيص هذا المرض في البداية، ولكنني واثق من أن المرحومة المركيزة لو عرضت ابنها على هؤلاء الزملاء في الوقت الذي عرضته علي لأجمعوا أن تشخيصهم السابق كان خطأ، وأن الداء في أعراضه السابقة غير موجود. وتذكرت أيضاً زيارتي الثانية الملعونة، وفكرت في أنك لابد أن تكوني قد نسيتِ دعوتي في غمرة الارتباك الذي نشأ عن وفاة المركيزة، ثم في غمرة هذا الحادث السعيد.. صحيح؟ لقد نسيت..‏
فأنكرت في قسوة عندما جاء الحديث إلى هذه النقطة، وتمردت على ذلك العذاب الذي أصابها به هذا الحديث الطويل الذي سممه الدكتور.. وتضايقت..‏
ـ تقولين.. لا.‏
فردت في حزم وإصرار ـ لا، لقد تذكرت أكثر الثقة الضعيفة ـ ولا أقول انعدام الثقة ـ التي كانت المركيزة قد كونتها عنك وعن شفاء ابنها بعد زيارتك.‏
فرد الدكتور على الفور:‏
ـ ولكني لم أصرح بوجهة نظري في مرض ابنها.‏
فقاطعته من جديد قائلة:‏
ـ صحيح.. لقد قلت لي ذلك.. ولكنني كالمركيزة.‏
فقاطعها بدوره:‏
ـ ثقة قليلة؟ بل ثقة معدومة؟ أليس كذلك؟ ولكنك لم تخبري السيد بزيارتي وأسبابها.‏
ـ في ذلك الوقت لم أخبره.‏
ـ وبعد ذلك؟‏
ـ لم أخبره أيضاً.‏
ورفع يده قائلاً:‏
ـ أفهم.. لقد ولد الحب.. ولكن معذرة يا آنسة... يقولون.. إن الحب أعمى، هذا حق.. هل تريدينه أعمى إلى هذه الدرجة، حب المركيز؟ أعمى حتى عضوياً.‏
فشعرت ليديا، أنه لن يفيدها، أمام بروده الثابت القاتل، أن تتسلح بالتحفظ المترفع الذي كانت تلوذ به دفاعاً عن عزتها ضد هذا الشك الحاقد الكريه. وجهدت في أن تصمد وسألته في هدوء واضح:‏
ـ أنت تصر على أن المركيز سوف يستعيد بصره بمساعدتك؟‏
ـ مهلاً يا آنسة ـ ورفع يده ـ لست إلهاً قادراً، لقد فحصت مرة واحدة عيني المركيز، وتبين لي أنه يجب استبعاد إصابة المركيز بالمرض الذي حدده الأطباء، أما البقية، فيحيط بها الشك، كما يحيط بها الأمل. وهذا يكفيك إذا كنت تحبين خطيبك كما أعتقد.‏
فأسرعت ترد عليه في مظهر المتحدي:‏
ـ وإذا ما تقوض الشك، بعد فحصك، وظل الأمل خداعاً ضائعاً؟ ألا يعني ذلك أنك قد أقلقت، عبثاً، وفي قسوة، روحاً قد أسلمت أمرها إلى القدر؟‏
فأجاب في هدوء حازم قاسٍ:‏
ـ لا يا آنسة.. لقد رأيت من واجبي كطبيب أن أزوره دون دعوة لأنني أجد نفسي لا أمام حالة مرضية فحسب، ولكنني أمام حالة ضميرية أشد وأقسى على النفس.‏
وحاولت أن تقاطعه قائلة:‏
ـ أنت تشك..‏
ولكنه لم يمهلها حتى تتم كلامها فقال:‏
ـ لقد ذكرت أنت نفسك أنك قد أخفيت خبر زيارتي عن المركيز.. وتعللت بعذر لا أستطيع أن أقبله، لا لأني اعتبره إهانة، ولكن الثقة أو عدم الثقة في قدرتي ومهارتي، شيء لا يخصك أنت، وإنما يخص المركيز.. تأملي يا آنسة ربما كانت هذه قسوة مني، لا أستطيع أن أنكرها. وأزيدك أنني لن أتقاضى شيئاً من المركيز إذا زارني في عيادتي حيث يجد كل عناية وكل مساعدة يستطيع أن يقدمها إليه العلم بلا مقابل. بعد هذا التصريح أيشق عليك حين أطلب منك أن تخبري المركيز بزيارتي هذه؟ فنهضت ليديا ـ ثم نهض الدكتور مستعيداً مظهره المعتاد قائلاً:‏
ـ انتظري.. لن أخبر المركيز بزيارتي السابقة بل أقول لـه ، إذا رغبتِ، بأنك دعوتني بصفة مستعجلة قبل الزفاف.‏
ولكن ليديا نظرت إليه في اعتزاز وتحدّ.‏
ـ قل الحقيقة بل سوف أقولها أنا.‏
ـ الحقيقة في أنك لم تثقي فيَّ؟‏
ـ تماماً؟‏
فهز الدكتور كتفيه وابتسم قائلاً:‏
ـ سوف يؤلمك ذلك.. أنا لم أرد إيذاءك.. إذا كنت راغبة في تأجيل الزيارة بعد الزفاف فإنني مستعد للعودة؟‏
وصرخت فيه: "لا"، مصحوبة بحركة من يدها دالة على الرفض أكثر من الكلمة المنطلقة من شفتيها. وكانت تشعر بالضيق. وتضرج وجهها حنقاً على النقيصة التي يثيرها في نفسها هذا الكرم الزائف من الدكتور. وأشارت إليه بيدها أن يتبعها.‏
كان المركيز الشاب ينتظر في الحجرة، في قلق زائد، ودخلت عليه، وهي ترتجف، ثم قدمت إليه الدكتور قائلة:‏
ـ هذا هو الدكتور (فالشي)، لقد أوضحنا هناك إشكالاً خاصاً. ألا تذكر أن الدكتور قد وعد في زيارته الأولى بالعودة.. أليس كذلك؟‏
فأجاب المركيز:‏
ـ أذكر ذلك جيداً.. يا دكتور.‏
فواصلت ليديا كلامها قائلة:‏
ـ ولكنك لا تعرف أنه في نفس اليوم الذي ماتت فيه أمك.. تحدث معي، وأكد لي أن عاهتك تختلف كل الاختلاف عن تشخيص الأطباء. ومعنى ذلك في رأيه احتمال شفائك.. ولكنني لم أخبرك بشيء من ذلك.‏
فأسرع الدكتور يضيف إلى كلامها.‏
ـ تأمل.. كان ذلك لأن الآنسة استغلت شكي الذي شرحته في تلك اللحظة، وتوهمت أني أريد أن أدخل الاطمئنان على نفسك فقط.. ولذلك لم تهتم بالموضوع.‏
فأجابت في اعتزاز واستعداد:‏
ـ هذا ما قلته أنا.. ولكنه ليس ما تفكر فيه أنت يا دكتور.. اسمع يا سلفيو: إن الدكتور، شك فيما أصبح بعد ذلك حقيقة ثابتة.. وهي أني لم أخبرك بزيارته السابقة، وأنه جاء وحده، مدفوعاً برغبته الخاصة ليقدم إليك خدماته قبل الزفاف دون مقابل.. فهل تستطيع أن توافقه في اعتقاده، بأني أردت أن أتركك أعمى، لكي أتزوج منك؟‏
فصرخ الأعمى:‏
ـ ليديا.. ماذا تقولين؟‏
فتابعت ليديا كلامها في ضحك عصبي غريب وهي تقول:‏
ـ أجل.. ربما كان ذلك صحيحاً. وفي الحق أنني بهذا الشرط فقط أستطيع أن أكون لك.‏
فعاد الأعمى إلى مقاطعتها:‏
ـ ماذا تقولين؟‏
ـ سوف تفهم ذلك يا سلفيو إذا استطاع الدكتور أن يرد إليك بصرك.. إني خارجة الآن.‏
وهتف بها:‏
ـ ليديا.. ليديا..‏
ولكنها خرجت وجذبت الباب في عنف، وألقت نفسها على الفراش في غرفتها، وهي تعض الوسائد في حنق، وانفجرت في بكاء لا ينقطع. وما كادت تخمد رغبتها في البكاء حتى أصابها ذهول وأحست أنها تواجه ضميرها، فزعة مرتاعة. وبدا لـها أن كل ما قاله الطبيب، ببروده القاتل، قد قالته هي إلى نفسها، منذ زمن بعيد، أو على الأصح، قد قاله شخص آخر في نفسها، وتظاهرت هي بأنها لم تسمعه.. أجل لقد تذكرت دائماً الدكتور فالشي.. كانت صورته تبدو لـها دائماً كأنها شبح من عذاب الضمير، وكانت تدفعها دائماً عنها بإهانة.. "محتال" لأنها.. وهل تستطيع أن تنكر؟ لأنها تريد.. تريد أن يبقى خطيبها سلفيو أعمى.. إن عماه هو الشرط الأساسي لحبها.. إنها إذا استعاد بصره غداً فلن يتزوجها.. وهو الشاب الغني صاحب السيادة؟ أيتزوجها اعترافاً بفضلها؟ أم يتزوجها رحمة بها؟.. لا؟؟ لا يمكنها أن تقبل منه ذلك، وهي التي أحبته، ولم ترغب في شيء آخر غير حبه... لقد كانت ترى في عاهته تبريراً لحبها، وعذراً تجابه به ثرثرة الناس، هل يمكن أن تتسامح وتتساهل مع ضميرها الذي يوشك على اقتراف جريمة دون أن تشعر، لكي تقيم سعادتها على شقاء، ومصيبة إنسان آخر؟ إنها في الحقيقة لم تكن تصدق أن عدوها الطبيب قادر على أن يصنع المعجزة، فيرد البصر إلى سلفيو، لم تصدقه، ولم تؤمن به حتى الآن. ولكنها لماذا سكتت؟ هل فعلت ذلك لأنها لم تكن تثق في الطبيب؟ أم لأن الظن الذي عبر عنه الطبيب سوف يفتح باباً للأمل في نفس سلفيو ويكون في ذلك موتها، موت حبها، خاصة إذا تأكد النجاح في العملية..‏
كانت تعتقد، حتى ذلك الوقت، أن حبها كاف لأن يعوض على خطيبها بصره الضائع، وهي تعتقد أنه إذا استعاد بصره بمعجزة، فلن تستطيع هذه النعمة السابغة، ولا كل الملذات التي يحققها بثروته، ولا حبه لأية امرأة أخرى، لا تستطيع، كل هذه، أن تعوضه عن فقدانه لحبها. ولكن هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أفكارها وتبريراتها، وليس لـه شيء فيها. لو ذهبت إليه قائلة: "سلفيو.. يجب أن تختار بين حبي ونعمة البصر"، فلا يستبعد أن يجيبها: "ولماذا ترغبين في أن أظل أعمى؟"، إنها ترغب في ذلك لأن سعادتها لا يمكن أن تتحقق بهذا الشرط.‏
ونهضت فجأة كأنما كانت تستجيب لنداء عاجل. ألم تنته الزيارة؟ ترى ماذا يقول الطبيب؟ وماذا يفكر؟ واستبدت بها رغبة في أن تمشي على رؤوس أصابعها لكي تتجسس عليهما خلف الباب الذي أغلقته بيديها إلى الأبد.. ولكن، هل كانت قادرة على أن ترضى بلذعات الطبيب المسمومة التي واجهها بها في قسوة؟ لقد عرض عليها أن يؤجل الزيارة إلى ما بعد الزفاف.. ليتها قبلت.. وانكمشت على نفسها هاتفة.. لا.. لا.. وهي تعاني تقززاً واشمئزازاً.. ما أحقرها صفقة؟ إنها أحقر أنواع الخداع.. ونتيجتها؟ كراهية.. ولا مكان للحب.‏
وأحست بانفتاح الباب فارتجفت ولكنها هرعت إلى الممشى الذي سيمر منه الدكتور.‏
فقال لـها في برود:‏
ـ لقد فكرت كثيراً في صراحتك فازددت إصراراً على تحليلاتي.. سيزورني المركيز غداً في عيادتي.. اذهبي إليه فهو في انتظارك.. إلى اللقاء.‏
ورافقته إلى نهاية الممشى عند عتبة الباب وكان الفراغ يحيط بها، والشعور بالإعدام يملأ نفسها. ثم سمعت صوت سلفيو يناديها من الحجرة، فأصابها دوار، وكادت تسقط، ولكنها تجلدت، ووضعت يدها على وجهها، لكي تمسك الدمع، وتوجهت إليه.‏
كان جالساً ينتظرها بذراعين مفتوحتين، وضمها إليه ضمات، عنيفة قوية، هاتفاً بسعادته، وفرحته باستعادة بصره، الذي يمكنه من رؤية تلك المخلوقات العزيزة عليه.. زوجته الحلوة الجميلة.‏
ـ أتبكين؟ لماذا؟ إنني أبكي أنا أيضاً.. انظري.. يا لـها من سعادة.. سوف أراك.. أراك.. سوف أُبصر.‏
كانت كل كلمة بالنسبة إليها موتاً محققاً، وقد فطن هو رغم سعادته الغامرة، وفرحته العظيمة، إلى أن بكاءها يختلف عن بكائه، حتى كاد يصدق أقوال الطبيب، ولكنه لم يكن مستعداً لأن يؤمن بهذه الأقوال، في ذلك اليوم السعيد، وطرد عن نفسه تلك الفكرة، ولم يعد يفكر في شيء، سوى أن هذا اليوم عيد.. فلتطرد جميع المنغصات.. ولتذهب جميع الأفكار.. إلا فكرة واحدة هي أن سعادته ستكون كاملة لأنه سيرى زوجته. ستكون لـها مهلة أطول. سيكون لـها زمن أوفر لإعداد عش الزوجية الذي يجب أن يكون فاخراً وجميلاً. هذا العش الذي كان حلماً سوف يراه قبل كل شيء آخر. وقطع على نفسه عهداً في أن يخرج من العيادة معصوب العينين ولا يفتح العصابة أول ما يفتحها إلا على منظر هذا العش السعيد.‏
ـ كلميني.. حدثيني.. لا تدعيني أتكلم وحدي.‏
ـ هل أنت متعب؟‏
ـ لا لم أعرف التعب.. ولكن اسأليني مرة ثانية.. هل تشعر بالتعب؟ اسأليني بصوتك هذا العذب الناعم، دعيني أقبلك، هنا، على شفتيك.. مصدر صوتك العذب..‏
ـ حسناً.‏
ـ تحدثي وأخبريني كيف تعدين العش؟‏
ـ كيف؟‏
ـ أنا لم أسألك شيئاً من قبل، ومع ذلك فلست أريد أن أعرف شيئاً حتى الآن. افعلي ما تشائين.. سيكون كل ما تفعلينه مفاجأة مذهلة عجيبة.. ولكنني لن أرى شيئاً قبل أن أراك.‏
وخنقت في حزن نحيبها اليائس وكست وجهها مسحة من الانشراح والبهجة، وكانت تجلس على الأرض، وهو ينحني عليها ويعانقها.‏
وبدأت تحدثه عن حبها، بصوتها الذي سرت فيه عذوبة، ونعومة لم تسر فيه من قبل. وأخذته نشوة هذا الصوت فضمها إليه، مقسماً أنه لن يتركها أبداً. ولكنها في تلك اللحظة بالذات تحررت من ذراعيه، ونهضت في كبرياء واعتزاز كأنما انتصرت على نفسها في معركة. هاهي قد شدته إليها بوثاق لا يمكن أن ينفصم.. إنها تحبه.‏
وانتهى ذلك اليوم في ساعة متأخرة ظلت خلالها تسكر أعصابه، وتذهلها بصوتها العذب وهي على يقين أنه الآن خالص لـها في ظلامه الدامس الذي يلمع خلاله بريق من الأمل.. إنها جميلة جمال الصورة التي صنعها خياله.‏
وفي اليوم التالي رافقته في العربة إلى العيادة. وأخبرته أنها ستنصرف في خفة الحسون للعمل على إعداد لوازم الزفاف.‏
وانتظرت في قلق زائد يومين كاملين نتيجة العملية، وعندما علمت بنجاحها انتظرته قليلاً في ذلك البيت الفارغ الذي أعدته في شوق ولهفة.. وأرسلت تطلب إليه أن يتريث أياماً أخرى، فليس هناك ما يدعوه للاستعجال والقلق.. ولكن الطبيب لم يسمح لـه بالبقاء.‏
وفي اليوم السابق على خروجه من العيادة جمعت ملابسها، وسافرت إلى جهة مجهولة.. تريد أن تظل ذكرى صوت، سوف يلاحقه بعد أن خرج من ظلامه، ويبحث عنه عند كثير من الشفاه.. ولكن دون جدوى!‏
__________________


__________________

الاميررره غير متصل   رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.60 كيلو بايت... تم توفير 0.28 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]