عرض مشاركة واحدة
قديم 04-05-2007, 16:13   #3 (permalink)
الاميررره
عضوة شرف
 
الصورة الرمزية الاميررره
 
تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874





القصة الثانية **نُورُ الجِيران


نُورُ الجِيران

حدث ذلك في عشية الأحد، بعد عودته من جولة طويلة.‏

كان توليو بوتي قد استأجر قبل شهرين تقريباً، حجرة في منزل السيدة نيني. وقد اعتاد أن يخرج في موعد صباحي لا يتغير، دون أن تراه صاحبة البيت، وهي عجوز من الطراز العتيق، ولا ابنتها العانس التي جفت حيويتها. وكل ما تعرفانه عنه، أنه موظف بوزارة العدل وأنه كان محامياً، ولا شيء أكثر من ذلك.‏

كانت الحجرة صغيرة ضيقة، مؤثثة بطريقة متواضعة، لا تحتفظ بأثر يدل عليه أو على إقامته فيها. وكان يبدو واضحاً أنه أراد لنفسه ـ عن تصميم ـ أن يظل غريباً، كأنه نزيل أحد الفنادق. فقد وضع ملابسه في صندوق وعلق بعضها الآخر في الخزانة. ولكن الجدران وبقية الأثاث لم يضع عليها شيئاً. فلا كتاب على مقعد ولا إطار على الجدار. لم يترك فوق الخزانة الصغيرة حتى غلافاً ممزقاً لرسالة. ولم يترك أبداً شيئاً من ملابسه على أحد المقاعد، فلا رقبة قميص ولا رباط عنق، ولا أي شيء يدل على أنه يعتبر نفسه مقيماً في بيته.‏

وكانت الأم وابنتها تخافان ألا تطول إقامته. فقد ترددتا كثيراً في تأجير تلك الغرفة التي شاهدها الكثيرون ولم يرغب فيها أحد. فهي في الحقيقة لم تكن مريحة ولا منشرحة بنافذتها الوحيدة التي تطل على زقاق منعزل لا يمدها بالضوء ولا بالهواء.‏

وقد أرادت الأم وابنتها أن تخففا عنه شيئاً كثيراً مما كان يجده من ضيق في تلك الحجرة، وذلك بأن تحيطاه بالرعاية والاهتمام. كانتا تدرسان جيداً الطريقة التي تكسبانه بها.. "سوف نفعل لـه كذا.. سوف نقول لـه كذا". وخاصة العانس كلوتدينا، قد هيأت نفسها على أن تكون لطيفة رقيقة، أي أن تكون متمدنة، كما تقول الأم. ولكن أنّى لـها أن تستعمل هذا السلوك الذي درسته وأعدته، إذا كانت رؤية السيد غير ممكنة؟‏

من يدري.. لو تعرفتا به عن قرب، لكان من الممكن أن تدركا وتفهما في الحال، أن خوفهما لا أساس لـه . وأن تلك الحجرة الحزينة المظلمة المضايقة من البيت المجاور.. تتفق مع مزاج الساكن.. الحزين.‏

اعتاد توليو بوتي أن يقطع الشارع وحيداً تماماً ودون سيجار ولا عصا. وهما في العادة الرفيقان المفضلان لأشد الناس انصرافاً إلى العزلة. كان يمشي واضعاً يديه في جيوب معطفه. رأسه غارق بين كتفيه. قبعته تكاد تغطي عينيه، حتى ليبدو أنه ينطوي على حقد عنيف ضد الحياة.‏

وفي الدائرة التي كان يعمل بها لم يكن يتبادل أي كلمة مع أي واحد من زملائه الذين احتاروا في تسميته ولم يستقروا على الصفة التي تحدده، وظلوا حائرين في تشبيهه، بالبومة أو الدب.‏

لم يره أحد يدخل مساء إلى أحد المقاهي، وقد رآه الكثيرون يقطع الشوارع المزدحمة في عجلة حتى يغيب في ظل الشوارع الطويلة المنعزلة ذات العمارات العالية. وقد يبتعد أحياناً عن الجدران ليطوف حول الدائرة التي تتكوَّن تحت مصابيح الرصيف.‏

لا يمكن لحركة غير إرادية ولا انقباض في ملامحه ولا إشارة من عينيه أو شفتيه أن تخون الأفكار التي يبدو غارقاً فيها، أو الألم الجارح الحاد الذي تنطوي عليه نفسه. كان الفساد الذي أصابت به هذه الأفكار نفسه واضحاً في ذهول عينيه الحزينتين الصافيتين الحادتين، وفي شحوب وجهه المنكسر، وفي الشيب الذي وخط لحيته المهملة.‏

لم يكن يبعث ولا يتلقى رسائل. لا يقرأ الصحف. لا يقف في الشوارع ولا يلتفت إلى ما يثير فضول الناس. وإذا داهمه المطر في بعض الأحيان على حين غرة واصل سيره بنفس الخطوات كما لو لم يهطل المطر!‏

ماذا يفعل في هذه الحياة؟ لا أحد يدري، وربما لم يكن هو نفسه يدري أنه موجود. وربما لا يشك في أنه من الممكن أن يوجد في غير هذه الحالة، أو أن وجوده في غير هذه الحالة خليق أن يخفف عن نفسه بعض ما تجد من حزن وقلق.‏

لم تكن لـه طفولة.. ولم يشعر بشبابه على الإطلاق. والمشاهد الوحشية التي مرت عليه في بيته منذ صغره بسبب طغيان وشراسة الأب، قد أحرقت في نفسه جميع بذور الحياة. لقد ماتت أمه في ريعان الشباب بسبب قسوة الزوج في معاملتها، فتفرقت الأسرة. دخلت إحدى أخواته سلك الرهبنة. سافر أخوه إلى أمريكا. وفر هو من البيت. وقد استطاع بعد تعب وإعياء أن يدفع حياته حتى انتهى إلى هذه الحالة. والآن لم يعد يشعر بالألم وإن بدا عليه الإحساس بذلك. ولكنه كان يستسخف هذا الإحساس. كان يبدو دائماً مستغرقاً في تفكير عميق. ولكنه لم يكن يفكر. إن نفسه قد أصبحت مشدودة إلى نوع من الغم القاتل الذاهل. ولا يكاد يذكرها إلا حين يحس بمرارة تسري إلى حلقه.‏

يتمشى مساء في الشوارع الخالية، يعد المصابيح، ولا يفعل شيئاً أكثر من ذلك. أو ينظر إلى ظله ويصغي إلى صدى خطواته. وفي بعض الأحيان، يتوقف أمام حدائق الفيلات، ليتأمل شجر السرو الذي يشبهه في وحدته وكآبته العميقة الجارحة، وما تنطوي عليه نفسه من ظلمة حالكة، أشد من ظلمة الليل.‏

في عشية ذلك الأحد، كان قد تعب من جولته الطويلة في الشارع العتيق، فقرر على غير عادته أن يعود إلى البيت.‏

وكان وقت العشاء لم يحن بعد، ولذلك صمم أن يمكث في حجرته حتى يحين الوقت وينقضي اليوم. كانت مفاجأة جميلة، للأم وابنتها، هذه العودة المبكرة. وقد صفقت الفتاة لشدة السرور الذي اعتراها. وأخذتها الحيرة فيما يجب عليها أن تعمل وفيما يجب أن تقدم من أنواع العناية والاهتمام، التي سبق أن درستها هي وأُمها، وبأي من صفات الرقة والسلوك الراقي المتمدن تبدأ؟ كانت الأم تتشاور مع ابنتها. وفجأة خبطت بقدمها على الأرض وضربت جبينها.. آه يا إلهي.. النور.. النور.. قبل كل شيء يجب أن نحضر لـه النور.. فلنحضر لـه ذلك المصباح الجميل، الذي وضعناه على جهة استعداداً لمثل هذه المناسبات، إنه من خزف حواشيه مزخرفة وهو فاخر ثمين! ـ وأوقدت المصباح، وذهبت إلى حجرة الجار. ودقت بلطف وهدوء وكانت ترتجف من الانفعال حتى كادت زجاجة المصباح تصطدم بالأنبوب فيؤدي إلى خروج الدخان.‏
__________________


__________________

الاميررره غير متصل   رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 15.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.36 كيلو بايت... تم توفير 0.28 كيلو بايت...بمعدل (1.79%)]