ـ إذناً؟.... المصباح.
وأجابها من خلف الباب
ـ لا.. شكراً.. إنني خارج..
فأطرقت العانس، وقامت بحركة فيها تكسر ودلال، كما لو كان الجار ينظر إليها، ومضت في إلحاحها تقول:
ـ إنه معي الآن... أردت ألا أتركك إلى الظلام.
ولكنه أجاب في قسوة:
ـ شكراً، لا أريد.
كان جالساً على مقعد صغير خلف المنضدة، يسرح بصره في ظلام الحجرة الذي أخذ في التكاثف تدريجياً حين أخذت تحتضر على زجاج النوافذ آخر أضواء الغروب..
لا يدري مدى الزمن الذي أنفقه على هذه الحالة، بأعين مفتوحة ذاهلة، وبلا تفكير في شيء، ودون أن يفطن إلى الظلمة التي أخذت تحاصره...
وفجأة رأى شيئاً، فاتجه إليه ببصره في دهشة. أجل، لقد أُضيئت الحجرة على حين غرة وسرى فيها شعاع هادئ كما لو كان بفعل نفحة غامضة. وأخذ يتساءل عن مصدر هذا النور، وكيف وقع ذلك.. ولم يطل به التفكير حتى اهتدى إلى أن النور قد تسرب إلى حجرته من البيت المجاور. إنه نفحة من حياة غريبة تدخل، لتزيح الظلمة والفراغ وتملأ صحراء وجوده.
ولبث برهة طويلة يتأمل هذا النور كما يتأمل معجزة. وأحس بغصة عميقة تحاصر حلقه عندما أخذ يقارن كيف يقع هذا النور عذباً لطيفاً ناعماً على السرير وعلى الجدران.. هناك.. وكيف يقع هنا على يديه الشاحبتين المتهالكتين على المنضدة؛ وبزرت لـه من خلال هذه الكآبة ذكرى بيته المحطم، طفولته المعذبة، وأمه المسكينة، لقد بدا لـه هذا النور كأنه نور أُفق بعيد ينبثق في ظلام روحه.
ونهض من مكانه. وتوجه إلى النافذة ونظر خلسة إلى نافذة البيت المجاور، مصدر النور.
رأى أسرة صغيرة مجتمعة حول المائدة، كان الأب وأطفاله الثلاثة جالسين. أما الأم فقد كانت واقفة تقوم على خدمتهم، محاولة ـ كما استطاع أن يفهم من حركاتها ـ تهدئة الطفلين الكبيرين اللذين كان يعبثان بالملاعق ويتمايلان على مقعديهما. أما الصغير فقد كان يبدي تبرماً شديداً ويدور برأسه الأشقر الصغير، وكان واضحاً أنهم شددوا عليه الخناق عندما ربطوا إلى رقبته منشفته الصغيرة.. آه لو أن الأم عجلت بإعطائه وجبته لما أحس بالضجر من هذه الربطة الضيقة.. وهاهي تسرع إليه.. ما أشد نهمه وإقباله على الأكل، إنه يدفع بالملعقة كلها إلى فمه. وهاهو الأب، يضحك منه، بين البخار المتصاعد من إنائه. وهاهي الأم تجلس هناك مواجهة. وعندما رآها تجلس وتأخذ مكانها من المائدة، حاول أن ينسحب تلقائياً بعدما رآها ترفع بصرها إلى النافدة، ولكنه فكر في أنها لا يمكن أن تراه ما دام يقف في الظلمة، ولذلك ظل في مكانه يستمتع بمنظر تلك العائلة.
ومن ذلك اليوم تغيرت عادته. فما يكاد يخرج من الدائرة حتى يعود إلى البيت متخلياً عن جولاته المسائية المعتادة، ويظل في حجرته منتظراً أن تزاح الظلمة المخيفة عليها عندما يسري إليها شعاع هادئ عذب من نور الجيران. ويظل واقفاً خلف زجاج النافذة، كما يفعل المتسول، ويستشعر في ألم زائد، تلك الألفة الحلوة، الحبيبة، وهذه الطمأنينة العائلية التي يستمتع بها الآخرون، والتي استمتع بها هو الآخر عندما كان طفلاً صغيراً في مساء نادر هادئ عندما كانت أمه.. مثل هذه الأيام.. وكان يبكي.. إن هذه المعجزة قد حققها في نفسه نور الجيران، وتلك الكآبة الذاهلة التي ظلت نفسه مشدودة إليها أعواماً طويلة قد تفتحت لـهذا الإشراق الوديع.
ولم يفكر أبداً فيما قد يثيره وقوفه واستراحته إلى هذه الظلمة، من أفكار، عند صاحبة البيت وابنتها. وخاصة بعدما عرضت عليه الفتاة المصباح مرتين، ولعله مما يثير العجب حقاً ألا يضيء حتى.. شمعة!!
وسألته الفتاة في صوت عذب هادئ عندما أسرعت إليه بالنور عما إذا كان يشعر بمرض؟ فأجابها: لا.. أنا على أحسن حال..
وفي النهاية.. نعم، بحق الإله إنها لمعذورة، إذا هي حاولت أن تتجسس عليه من ثقب المفتاح فأثار عجبها أن ترى النور منتشراً في الحجرة، إنه نور الجيران، إنه نور بيت "ماشي" بالضبط. وقد رأته هو واقفاً خلف النافذة، منصرفاً بكل جوارحه إلى النظر إلى تلك الأسرة. وأسرعت إلى أمها تزف إليها خبر الاكتشاف العظيم. إنه عاشق لمرجريت! مرجريت ماشي، إنه عاشق!
وفي إحدى الأمسيات، وبعد هذه الحادثة كانت الأسرة كالعادة تتناول طعام العشاء، وكان الأب غائباً. ذلك المساء كان توليو بوتي قد اتخذ مكانه المعتاد من النافذة، ولكن الحيرة أخذت تحاصر نفسه عندما رأى السيدة تستقبل صاحبة البيت وابنتها كصديقتين قديمتين..
وانسحب توليو من النافذة في سرعة وهو يعاني قلقاً واضطراباً. فقد رفعت الأم وأطفالها أبصارهم نحو نافذته، وتأكد لديه أن صاحبة البيت وابنتها تتحدثان عنه. وماذا الآن؟
ربما انتهى الآن كل شيء، وفي المساء التالي حين تعرف الأم والزوج، أن في الحجرة المواجهة رجلاً يختفي في الظلام، فلابد أن يغلقا على نفسيهما هذا النور. فلا يعود يتسرب هذا النور الذي يعيش عليه، ولا يعود يسري إلى هذه الظلمة المحيطة به، ذلك النور الذي كان تسليته البريئة وراحته الوحيدة.
ولكن لم يحدث شيء من ذلك. ففي نفس ذلك المساء، بعد أن أُطفئ النور، وبقي هو مغروساً في تلك الظلمة، ذهب إلى النافذة، وفتحها في حذر حتى يجدد الهواء، فرأى نافذة الجيران مفتوحة، ورأى بعد قليل ـ وكان يرتجف في الظلام من الدهشة ـ تلك المرأة تنظر إلى نافذته. ربما كانت مدفوعة بالفضول لمعرفة ما قالته صاحبة البيت وابنتها عنه.
إن هاتين العمارتين المواجهتين لم تكن نوافذهما لتساعد على رؤية ذلك الشريط الصغير المشرق من السماء ولا ذلك الشريط المظلم من الأرض، حيث يقع المدخل. إنهما عمارتان لا يدخلهما نور الشمس ولا نور القمر.
فهي إذن لم تطل من النافذة إلا من أجله، وإنه لعلى يقين من ذلك، لأنها قد انتبهت إلى أنه يطل من نافذته المظلمة.
لم تكن الظلمة تسمح لـه أن يتبينها جيداً. ولكنه يعرف منذ زمن أنها جميلة، وهو يعرف تماماً جميع محاسن حركاتها وتعابير عينيها العسليتين وابتسامات شفتيها الجميلتين.
وكانت المرة الأولى التي تذهله المفاجأة، وتصيبه بالاضطراب، وتقطع أنفاسه، في ارتجافة قلقة، لم يقو معها على أن يمسك نفسه، وبذل مجهوداً جباراً للتغلب على نفسه، حتى لا ينسحب، حتى يظل منتظراً أن تنسحب هي الأولى.
وأحس بأن ذلك الحلم بالأمن والحب والألفة الحبيبة العذبة التي تصور تلك الأسرة تنعم بها، والتي نعم هو الآخر بتأملها من بعيد، تتهاوى في نفسه، إذا كانت هذه المرأة، تخرج في الظلام خلسة، إلى النافذة من أجل إنسان غريب..
إنه هو، هذا الإنسان الغريب.
وقبل أن تنسحب وقبل أن تغلق النافذة الزجاجية همست في نعومة:
ـ ليلة سعيدة!
وأخذ يفكر فيما تحدثت به المرأتان حتى استطاعتا أن تحركا وأن تلهبا وتثيرا فضولها؟ ما أعجب وما أقدر الجاذبية التي صنعها هذا السر الغامض الذي يحيط بحياته الغامضة إذا كانت من المرة الأولى تتخلى عن أطفالها الصغار، وتأتي إليه، لتمنحه صحبتها.. من بعيد.
كان كل منهما يواجه الآخر، وعلى الرغم من أن كلاً منهما قد تجنب النظر إلى الآخر، وتظاهر أمام نفسه، بأنه إنما وجد في النافذة دون قصد ولا غاية، إلا أنه كان متأكداً من أن الاثنين قد ارتجفا لـهذا النداء الغامض، بالانتظار، والاستجابة إلى الذهول الساحر الذي يلف أحاسيسهما في الظلام. وكان متأكداً بأنه في مساء اليوم التالي لابد أن تعيد فتح النافذة بعد إغلاقها، ولابد أن تطفئ النور وتطل عليه.. وهكذا كان.
ومن ذلك اليوم لم يعد توليو بوتي ينتظر النور يسري إليه من النافذة بل أصبح ينتظر في قلق زائد اللحظة التي ينطفئ فيها النور. وفي نهم مفزع تفجرت عاطفة الحب في قلب ذلك الرجل الذي لم يعرف الحب، والذي ظل أعواماً طويلة خارج الحياة. وأخذت هذه العاطفة تلاحق وتلح على تلك المرأة حتى قذفت بها فيما يشبه الإعصار. وفي اليوم الذي رحل فيه بوتي عن الحجرة انفجر كالقنبلة خبر السيدة التي تسكن في الدور الثالث، التي تخلت عن زوجها وأطفالها الثلاثة. وظلت الغرفة التي آوت بوتي أربعة أشهر تقريباً كما ظلت الغرفة المجاورة لـها، مطفأة النور عدة أسابيع، حيث كانت الأسرة تجتمع كل مساء للعشاء. ثم عاد النور حول تلك المائدة الحزينة التي يتجمع حولها أب أذهلته المصيبة، متأملاً في وجوه أطفاله الحائرة التي لا تقدر على توجيه بصرها إلى باب الحجرة التي كانت تدخل منه أمهم كل مساء حاملة الإناء الساخن... وعاد ذلك المصباح حول المائدة الحزينة، ينير في عذوبة، الحجرة المواجهة، الحجرة الخالية.
فهل استيقظ العاشقان بعد أشهر من نوبتهما الجنونية القاسية؟
في إحدى الأمسيات دهشت صاحبة البيت عندما رأت جارها الغريب يقف أمامها.. ماذا يريد؟ إنه يريد تلك الحجرة الصغيرة، الحجرة الصغيرة، إذا لم تؤجر، لا يريدها لنفسه، ولا يريدها للإقامة، ولكنه يريدها ساعة واحدة، بل للحظة واحدة، من مساء كل يوم، يأتي إليها خلسة، رحمة بتلك الأم التي تريد أن تنظر من بعيد، ودون أن يراها أحد، أن تنظر أبناءها. وهما على استعداد لأن يتخذا جميع الاحتياطات، وهما على استعداد للتنكر، وأن يختارا الوقت المناسب الذي لا يكون فيه أحد على السلم، وهو على استعداد أن يضاعف الإيجار... بل يدفع ثلاثة أمثاله. من أجل تلك اللحظة فقط، ولكن صاحبة البيت لم تقبل هذا العرض ورضيت بأن تترك لـهما بعض المرات ما دامت لم تؤجر، على شرط أن لا يكتشفهما أحد، ومضت تلح في إصرارها على قصر الزيارة على بعض المرات.
وفي مساء اليوم التالي قدما إلى البيت كأنهما لصان، وتسللا إلى تلك الحجرة الصغيرة المظلمة وظلا ينتظران أن يسري إليها نور النافذة المجاورة! إنهما بعد اليوم سيعيشان على ذلك النور من بعيد.. وسرى النور في تلك الظلمة الحالكة، ولكن توليو بوتي لم يعد يطيقه.. ما أشد ما يحس الآن ببرودته وسيطرة الأشباح والآثام عليه. أما هي فقد أسرعت شاهقة باكية إلى زجاج النافذة، ضاغطة بأسنانها على المنديل.
هاهم أطفالها... الصغار... إنهم حول المائدة في غفلة عن كل شيء.
وهرع هو إليها ليسندها، ولبثا هناك متلاصقين ثابتين يحدقان في.. نور الجيران..