عرض مشاركة واحدة
قديم 09-05-2007, 12:25   #5 (permalink)
الاميررره
عضوة شرف
 
الصورة الرمزية الاميررره
 
تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,876





المَرْحُوم


منذ اليوم الأول سمع خطيبته تقول لـه :‏
ـ في الحقيقة ليس اسمي لينا. إن اسمي كارولينا. ولكن المرحوم كان يدعوني لينا، فعلق بي هذا الاسم.‏
أما المرحوم فقد كان زوجها السابق.‏
وأشارت الخطيبة إلى صورته على الحائط. إنه ما يزال هناك ضاحكاَ رافعاً قبعته بالتحية. وكانت الصورة فاخرة وكبيرة تقع أمام الأريكة التي يجلس عليها خطيبها. وكاد الخطيب يرد على التحية، بانحناءة عفوية من رأسه.‏
لم يخطر ببال الأرملة أبداً، أن تنزع تلك الصورة من حجرة الاستقبال. إنها صورة صاحب البيت. لقد كان البيت لـه في الحقيقة. كان مهندساً، وهو الذي أقامه ثم أثثه تأثيثاً فاخراً أنيقاً، وتركه في النهاية ميراثاً لزوجته مع أملاكه الأخرى.‏
وتابعت كلامها دون أن تلاحظ الارتباك الذي كان يبدو على خطيبها.‏
ـ لم أكن أحب أن أغير اسمي. ولكن المرحوم قال لي:‏
ألا يكون أحسن لو دعوتك بدل كارولينا باسم كارا ـ لينا.. تسمية متشابهة.. ولكنها أجمل.. ما رأيك؟.‏
فأجابها خطيبها (برتولينو) كما لو طلب منه المرحوم رأياً من الآراء.‏
ـ جميلة جداً.. جداً.‏
فقالت باسمة‏
ـ إذن كارالينا.. مفهوم؟‏
ـ مفهوم.‏
أجابها برتولينو وهو يتمتم في اضطراب وذهول وخجل، معتقداً أن الزوج يطل عليهما من الحائط ضاحكاً مسلماً.‏
وبعد ثلاثة أشهر سافر برتولينو وزوجته إلى روما لقضاء شهر العسل، وكان يرافقهما إلى المحطة لفيف من الأقارب والأصدقاء. من بينهم السيدة (اروتنسيا) الصديقة الحميمة لأسرة العروسين، والتي قالت لزوجها مشيرة إلى برتولينو:‏
ـ يا لـه من ولد مسكين.. لقد تزوج؟.. إنهم قد زوجوه من رجل.‏
إن السيدة لا تعني أن لينا امرأة مسترجلة لا. بل إنها أنثى طاغية الأنوثة. ولكنها إذا ما قورنت بزوجها فإن المقارنة سوف تنتهي إلى أنها ـ بلا شك ـ أشد خبرة بالحياة وأعرف بأحوالها، وهي أحكم منه على كل حال.‏
إنه أشقر. لـه مظهر طفل مدلل. طفل ذاهل. وهو أصلع. ولكن صلعته تبدو زائفة، كما لو حلق بنفسه أعلى رأسه حتى يزيح عنه مظهر الطفولة الذي يحيط به. دون أن يوفق في ذلك. مسكين برتولينو.‏
ـ لماذا ترينه مسكيناً؟‏
قال ذلك في صوت أخن، حانق، زوجها العجوز الذي صنع هذا الزواج، ولم يعد يرغب في أن يسمع كلمة سيئة فيه. وأضاف:‏
ـ إن برتولينو ليس غبياً.. إنه رجل لـه قيمته في ميدان الكيمياء.‏
ـ إنه من طراز ممتاز.‏
ـ بل إنه من الطراز الأول.‏
إنه كيماوي قدير، لو استطاع أن يدفع إلى المطبعة بأبحاثه ودراساته العميقة ذات الأصالة التي لا جدال فيها، والتي ظل متفرغاً لـها منذ كان شاباً صغيراً، حيث كانت هوايته الوحيدة في حياته، إنه بلا شك.. من يدري.. ربما فاز في أول مسابقة تجريها الجامعة الكبرى للدولة بمنصب الأستاذ. إنه سيكون عالماً.. عالماً.. والآن سوف يكون زوجاً مثالياً. لقد دخل الحياة الزوجية طاهر القلب محتفظاً بعذريته.‏
ـ ومن أجل هذا..‏
قالت الزوجة ذلك، وكأنما أتاحت لـها فرصة الحديث عن عذريته أن تمضي أكثر في السخرية بهذا الزواج.‏
والواقع أنه قبل أن يتم هذا الزواج، كانت تضحك من أعماقها، كلما سمعت الأقارب يقترحون تزويجه.. وكان هذا الضحك يثير حفيظة زوجها الذي كان يصر على تزويجه. وكان يلتفت إليها غاضباً قائلاً..‏
لابد من تزويجه يا سيدة.‏
ولكنها كانت تتوقف وتصرخ فيه.‏
ـ زوجوه يا أعزائي.. زوجوه.. أنا أضحك وحدي.. أضحك من المواضيع التي أقرأها.‏
وكانت في العادة تقرأ قصة فرنسية للعجوز والدة العريس، التي ظلت منذ ستة أشهر مشدودة إلى مقعد بسبب الشلل الذي أصابها. كانت تقرأ وكان زوجها يلعب الشطرنج مع خال برتولينو. حقاً.. ما أبهج تلك الأمسيات: كان برتولينو منعزلاً في حجرة تجاربه، وكانت أمه تتظاهر بالإصغاء إلى القراءة دون أن تفهم جملة واحدة. والشيخان المتفرغان إلى اللعبة يرددان: يجب تزويج برتولينو حتى ندخل شيئاً من المرح على هذا البيت.‏
وهاهو المسكين.. قد زوجوه حقاً.. يا لـها من كارثة.‏
كانت أورتنسيا تفكر في الزوجين المسافرين، وتضحك كلما تصورت لينا تخلو إلى ذلك الشاب الأصلع الساذج الطاهر القلب، كما يصفه زوجها. مضحك أن تخلو إليه لينا التي عاشرت المهندس المحبوب أربعة أعوام.. كان خبيراً بأدواء النساء نشطاً مرحاً.‏
ومن يدري، ربما لاحظت في تلك الساعة الفرق بين الاثنين.‏
وقبل أن يقلع القطار قال خاله للزوجة الجديدة:‏
ـ لينا.. إنني أوصيك به.. قوديه أنت.‏
وكان يقصد أن تقوده وترشده في روما التي لم يرها برتولينو من قبل.‏
أما هي فقد رأت روما في رحلتها الأولى لقضاء شهر العسل، وكانت في صحبة المرحوم. وهي مازالت تذكر حتى الأشياء الصغيرة وأتفه الحوادث التي مرت بها. إن ذاكرتها دقيقة ووقادة، تذكر كل شيء كأنما مرت ستة أشهر، لا ستة أعوام من ذلك التاريخ.‏
وقد أحست أن الرحلة مع برتولينو قد استغرقت زمناً طويلاً مملاً، لم ترفع خلاله الكلفة. وما كاد القطار يصل روما حتى هتفت به:‏
ـ دعني أتصرف.. أرجوك دع كل الأمور في يدي.. هات الحقائب.‏
وأحصت الحقائب وملحقاتها قبل أن تسلمها إلى الحمال الذي طلبت منه أن يحملها إلى فندق فكتوريا.‏
وعندما خرجت من المحطة بعد أن سحبت الصندوق، تعرفت في الحال على سائق السيارة العامة، فحيته، ثم قالت لزوجها بعد أن ركبا السيارة:‏
ـ سترى.. إنه فندق متواضع ولكنه مريح.. خدمة ممتازة.. نظافة.. أثمان معتدلة.. ثم هو يقع في مركز ممتاز.‏
ودون أن تشعر وجدت نفسها تتذكر المرحوم الذي أحب الفندق كثيراً واطمأن إلى خدمته.. لاشك في أن برتولينو هو الآخر سيكون ممنوناً.. آه يا إلهي.. ما أطيبه من وليد.. إنه لا يكاد يتنفس.‏
وسألته:‏
ـ هل أنت ذاهل؟.. حتى أنا كنت أحس بهذا التأثير في رحلتي الأولى.. ولكنك سوف ترى.. إن روما سوف تفرحك وسوف تحبها.. انظر إلى تلك الميادين هناك.. فيا ناسيونالي.. رائعة.. أليس كذلك!.. سوف نمر بها فيما بعد.‏
ونزلت في الفندق، وكانت لينا تشعر كأنها في بيتها. وكانت تتمنى أن يعرفها أحد موظفيه كما تعرفهم جميعاً.. هاهو الخادم العجوز مثلاً.. بيبو.. إنه هو كما كان منذ ستة أعوام..‏
ـ أي حجرة؟‏
لقد سلموها الحجرة رقم 12 بالدور الأول.. حجرة جميلة، رحبة، ذات مضجع مرتب ومنسق. ولكنها قالت للخادم:‏
ـ بيبو.. الحجرة رقم 19 في الدور الثاني.. هل يمكن أن ترى إذا كانت خالية؟‏
وانحنى الخادم قائلاً:‏
ـ في الحال‏
وأخذت تشرح لزوجها:‏
ـ إنها مريحة أكثر.. ثم إن بها حوضاً صغيراً قرب السرير.. وهي أكثر تهوية، وأبعد عن الضجة، وسوف تستريح فيها أكثر.‏
وتذكر أن مثل هذه الحادثة، قد وقعت للمرحوم نفسه، لقد سلموه حجرة في الدور الأول، ولكنه طلب تغييرها.‏
وعاد الخادم بعد قليل وأخبرها أن الحجرة رقم 19 غير مشغولة، وهي تحت تصرفهما إذا رغبا فيها.‏
وفرحت لـهذا الخبر وهتفت:‏
نعم نريدها.. نريدها.‏
وما كادت تدخل الحجرة حتى ابتهجت لأن ترى تلك الحجرة كما كانت.. نفس البسط.. نفس الأثاث.. في نفس الأماكن.‏
وظل برتولينو غريباً عن هذه الحجرة التي تشعر بالاطمئنان إليها. وسألته وهي تضع قبعتها على مشجب قرب المرآة..‏
ـ ألا تعجبك؟‏
فأجاب:‏
ـ تعجبني؟ إنها جميلة.‏
ـ آه.. لقد لفتت نظري المرآة.. ذلك الإطار لم يكن هناك في ذلك الوقت.. كانت هناك آنية يابانية، ربما تكسرت. ولكن قل لي ألا تعجبك؟ أرجوك.. أرجوك.. لا تقبيل الآن بوجهك المتسخ.. يجب أن تنظفه هنا.. وسوف أذهب أنا إلى هناك.‏
وهربت معه، سعيدة، مرحة. ونظر هو حوله بعد أن قمع رغبته، واقترب من المضجع، ورفع الستار فرأى الفراش.. لابد أن يكون هو نفس السرير الذي نامت عليه للمرة الأولى مع زوجها المهندس (المرحوم).‏
ومن بعيد.. من صورة معلقة على الحائط في حجرة الاستقبال ببيت زوجته، خيل لبرتولينو أن الزوج السابق، يحييه.‏
ولم يكتفيا طوال الوقت الذي استغرقته الرحلة بأن يناما في نفس السرير.. ولكنهما تغديا وتعشيا في نفس المطاعم، حيث كان المرحوم يصطحب زوجته للأكل، وتمشيا في شوارع روما، وكانا يتابعان كالكلب خطوات المرحوم الذي كان يقودهما بذكريات الزوجة.. زارا الآثار والمتاحف والمعارض والكنائس والحدائق، وشاهدا ولاحظا كل ما عرضه المرحوم على زوجته.‏
كان خجولاً.. برتولينو. فلم يستطع في الأيام الأولى أن يظهر سأمه، وحنقه، وسخطه على أن يتابع في كل شيء، خبرة ونصائح وأذواق وميول (المرحوم) زوجها السابق.‏
إلاَّ أنها لم تفعل ذلك بقصد الإساءة إليه، ولم تكن لتفطن أن في تصرفها هذا إساءة إليه.‏
لقد تزوج بها المهندس، وهي في الثامنة عشرة.. فتاة صغيرة.. محرومة من الإدراك وليست لـها فكرة عن الحياة، فأخذت بذلك الرجل الذي علمها وكونها امرأة كما يريد.. وبصفة عامة.. فقد كان زوجها السابق هو الذي صنعها.. وهي مدينة لـه بكل شيء.. فلا تستطيع أن تفكر أو أن تشعر أو أن تتكلم أو تتحرك إلا بالطريقة التي رسمها المرحوم.‏
ولماذا تزوجت إذن؟‏
تزوجت لأنه (أي المرحوم..) علمها أن الدموع لا تجدي مع الكوارث. وأن الحياة لمن بقي، والموت لمن كان نصيبه الموت. لو ماتت هي، لكان حتماً أن يتزوج.. وإذن يجب على برتولينو أن يسلك نفس الطريق الذي حدده المرحوم معلمهما ومرشدهما. فليس لـه أن يفكر في شيء، ولا يعلق على شيء، وعليه أن يضحك، ويبحث عن التسلية، ما دامت هناك فسحة من الوقت، فهي لم ترد أن تسيء إليه بمتابعة خطوات المرحوم.‏
ولكن، على الأقل قبلة، مغازلة، أي شيء في النهاية ليس فيه أثر من طريقة المرحوم. أمحكوم عليه بأن لا يشعر هذه المرأة بشيء فيه طابعه الخاص؟ شيء يزيح ولو قليلاً، سيطرة المرحوم على حياته؟..‏
__________________


__________________

الاميررره غير متصل   رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.53 كيلو بايت... تم توفير 0.28 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]