عرض مشاركة واحدة
قديم 09-05-2007, 12:26   #6 (permalink)
الاميررره
عضوة شرف
 
الصورة الرمزية الاميررره
 
تاريخ التسجيل: 18-01-2006
المشاركات: 6,874





رد على: صوت في الظلام "قصص إيطالية"

وبحث برتولينو. بحث كثيراً. ولكن الخجل كان يمنعه من صنع مداعبات جديدة. إنه يصنع بينه وبين نفسه مداعبات جديدة جريئة.. ولكنها كانت تطير من رأسه بنظرة واحدة تسلطها عليه زوجته عندما تلمح الاحمرار يعلو وجهه.. وتسأله عما به، فيجيب بوجه متبلد.. لا شيء.‏
وأقلقهما عند عودتهما من الرحلة، خبر حزين غير منتظر. لقد مات فجأة السنيور موتا.. الذي عقد بينهما.. وأسرعت لينا إلى السيدة ارتنسيا لتعزيها في مصابها، ولتقف إلى جانبها في هذه الكارثة، كما وقفت هي منها وقفة الأخت الودود.. عندما مات المرحوم.‏
ولم تكن تظن أن هذه المهمة سوف تكون عسيرة، لأن ارتنسيا يجب ألا تكون في الحقيقة حزينة لـهذه المصيبة.. حقاً إن زوجها كان رجلاً طيباً. ولكنه كان إنساناً مملاً مضجراً، ثم إنه أكبر منها بكثير.‏
وحيرها ألا يجد العزاء مكاناً في قلب صديقتها، بعد عشرة أيام لوقوع الكارثة. فظنت أن زوجها قد تركها في أوضاع اقتصادية سيئة، ووجدت الجرأة أن تسألها في أدب ولطف عن ذلك، فأجابتها دامعة العينين:‏
ـ لا أشكو ضائقة اقتصادية.. ولكنك سوف تفهمين..‏
ما الذي سوف تفهم؟ أهذا الحزن كله حزن جاد؟ إنها لا تستطيع أن تفهم. وأفضت بحيرتها إلى زوجها. ولكن برتولينو أجابها، وهو يرفع كتفيه، وقد احمر وجهه لـهذا السؤال الذي تطرحه زوجته..‏
ـ على كل حال.. أقول.. لقد مات زوجها.‏
فهتف به في عجب:‏
ـ دعك من هذا الآن.. زوجها.. كان يبدو لـها أباً في كثير من الأحيان.‏
ـ وهل هذا قليل في نظرك؟‏
ـ ولكنه في النهاية لم يكن أباً.‏
كانت لينا على حق، إن ارتنسيا كانت تبكي أكثر من اللازم.‏
في أشهر الخطبة الثلاثة كان زوج ارتنسيا قد لاحظ ما أصاب الشاب، من ذهول واستغراب، بسبب البساطة التي تتحدث بها خطيبته أمامه عن زوجها السابق (المرحوم). كان قلقاً. لأنه لم يستطع أن يوفق بين ذاكرتها الحية النشطة الملحة التي تحتفظ بتلك الذكريات وبين رضائها بالزواج منه. لقد بحث هذه القضية مع العجوز الذي حاول أن يطمئنه ويؤكد لـه أن هذا الكلام دليل عن الصراحة التي يجب ألا يعتبرها مهينة لـه ، لأن زواجها الجديد يجب أن يبث فيها يقيناً ثابتاً أن ذكرى المرحوم لا جذور لـها في القلب، ولكن في الذهن فقط. ولهذا فهي تتحدث أمامه عن المرحوم بدون ريبة. وقد شعر برتولينو بالثقة تعود إلى نفسه بعد سماع هذا المنطق. وكانت ارتنسيا تعرف ذلك. وهي لذلك تملك الدليل على أن قلق الشاب قد تزايد من تلك الصراحة بعد الرحلة. ولهذا حرصت على أن تظهر أمامه عندما جاء للتعزية بمظهر المرأة التي لا يمكن أن تسلو.‏
وأثر ذلك الحزن في نفس برتولينو، وأحس بعطف عليها، بسبب هذا الحزن الذي استطاع أن يعارض من أجله ـ وللمرة الأولى ـ زوجته التي لم تؤمن بحزن صديقتها.‏
ـ ألم تبكي أنت عندما مات..‏
فقاطعته قائلة:‏
ـ لا وجه للمقارنة. لقد كان المرحوم..‏
فأسرع يضيف إلى قولها:‏
ـ نعم، كان شاباً.‏
ثم قالت:‏
ـ ولكني بكيت.. وبكيت.. هذا حق.‏
ووجد الجرأة في أن يقول لـها:‏
ـ ألم تبكي كثيراً؟‏
لقد بكيت كثيراً. كثيراً، ولكن في النهاية، حكمت العقل. صدقني إن حزنها مبالغ فيه.‏
ولكن برتولينو لم يصدق، بل أحس بعد هذا الحديث أن الغيظ الذي في صدره قد تزايد، لا ضد زوجته ولكن ضد (المرحوم). لأنه أدرك أن طريقة حكمها على الأشياء، وطريقة تفكيرها وطريقة شعورها ليس فيها جميعاً شيء منها، ولكنها ثمرة مدرسة ذلك الرجل الذي لابد أنه كان خليعاً ماجناً من طراز ممتاز.‏
ألا يراه برتولينو، كل يوم عندما يدخل إلى الصالون، باسماً يحييه.. إنه لم يعد يتحمل تلك الصورة. إنها لعنة تلاحقه. إنها أمام عينيه دائماً، وإذا ما دخل المكتب كانت صورته أول ما تقفز إلى الذهن.. وهو في وضعه الضاحك المرحب، كأنما يريد أن يقول:‏
ـ تفضل.. تفضل.. لقد كان مكتبي مكتب مهندس.. هل تعرف ذلك؟.. ولكنه الآن تحول إلى معمل كيماوي.. أتمنى لك عملاً طيباً. الحياة لمن بقي، والموت لمن مات. يدخل حجرة النوم؟ هذه الصورة تلاحقه حتى هناك.. ضاحكاً مسلماً كأنما يريد أن يقول:‏
ـ تفضل.. تفضل.. ليلة سعيدة.. هل أنت ممنون من زوجتي؟.. لقد أحسنت تثقيفها وتعليمها.. آه.. الحياة لمن بقي والموت لمن مات.‏
إنه لم يعد يحتمل، لقد امتلأ عليه البيت بوجود ذلك الرجل، كما امتلأت زوجته بوجوده. لقد وجد نفسه وهو الرجل المسالم الهادئ ضحية لعذاب مستمر كان يحاول جاهداً أن يخنقه. وأخيراً قرر.. أن يأتي بأفعال غريبة حتى يغير من عادات زوجته. ويهزها، ولكنه نسي أن هذه العادات لم تكتسبها إلا بعد ترملها. فقد كان المرحوم ذا ميول حية نشطة. فلم تكن لـه عادات. ولذلك.. فإن الأعمال الغريبة التي قرر برتولينو أن يقوم بها لم تكن غريبة عند زوجته التي فاجأته بقولها:‏
ـ يا إلهي.. إنك تتصرف كالمرحوم؟‏
ولكنه لم ينهزم. وغالب طبيعته حتى تأتي بما هو أعجب وأغرب.. ولكن أي عمل يقوم به، كانت تؤكد لـه أن المرحوم قد قام بمثله.. لقد قام المرحوم في الحقيقة بكل الألوان.‏
وزاد حنقه لارتياحها إلى هذه المحاولات الهروبية التي كان استمرارها يخيل إليها أنها مازالت تعيش مع (المرحوم).‏
وحينئذٍ. حينئذ فقط رسم برتولينو خطة مؤلمة حتى يخفف من الأسى الذي يتضاعف في نفسه يوماً بعد يوم. حقاً.. إنه لم يرد أن يخون زوجته بقدر ما أراد الانتقام من ذلك الرجل (المرحوم) الذي انتزعها منه كلها، وما يزال محتفظاً بها حتى الآن.. وكان يظن أن هذه الخطة الشريرة قد نشأت في ذهنه عفواً. ولكن في الحقيقة يجب أن يعتذر لـه ، بأن الفكرة أوحيت إليه، وتسربت إلى ذهنه من قبل تلك المرأة، التي حاولت عبثاً عندما كان شاباً أعزب، أن تصرفه بفنونها وألاعيبها عن إفراطه في دراسة الكيمياء.‏
وانتصرت (اورتنسيا). وأظهرت لـه أنها متألمة لخيانة صديقتها. وأفهمت برتولينو بأنها كانت تعشقه قبل أن يتزوج بها.. وعلى كل.. فليكن ما يكون.. ذلك حكم القدر..‏
ولكن هذا المصير لم يكن واضحاً لدى برتولينو، الشاب الساذج. ولذلك ظل مندهشاً ذاهلاً من البساطة والسهولة التي استطاع بها أن يحقق خطته.‏
وعندما كان وحده في حجرة العجوز الطيب أحس بالندم لـهذه الفعلة الدنيئة، ولكن بصره وقع فجأة على شيء لامع فوق البلاط قرب الجهة التي كانت ارتنسيا من السرير. كانت سلسلة ذهبية.. لابد أن تكون قد سقطت من رقبتها، ورفعها، وفي نيته أن يعيدها إليها.. ولكنه في فترة الانتظار، وجد نفسه يفتحها في حركة عصبية بأصابعه دون أن يرغب في ذلك..‏
حتى هنا.. صورة صغيرة للمرحوم.. يضحك ويحيي!
__________________


__________________

الاميررره غير متصل   رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 16.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.88 كيلو بايت... تم توفير 0.28 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]