|
تتمة
ووضعت يدي على صدغيّ، وضغطت عليهما بقوة. لا، إنهم ليسوا لي، ومن خلال شعور مبهم غريب، تبينت أنني اعتدت أن أراهم كل يوم، وأنهم في حاجة إلى رعايتي، وعملي؛ وتملكني شعور بالضيق، فوجدت نفسي أتقمص من جديد شخصية ذلك الرجل الصبور الذي يقف أمام الباب، وأخرجت المفتاح من جيبي، وفتحت الباب، ثم دخلت في ذلك البيت، وفي تلك الحياة السابقة. ومأساتي هي هذه، أقول مأساتي، ولكن من يدري مأساة كم من الناس أيضاً؟..
الذي يحيا لا يستطيع رؤية حياته.. إنه يعيشها، فإذا استطاع أحد رؤيتها، ومراقبتها فمعنى ذلك أنه لا يعيشها أبداً، إنه يكابد آلامها، ويجر أيامها كما تجر الجثة الميتة. ذلك لأن كل تحجر في قالب معناه الموت، وهذه الحقيقة لا يعرفها إلا القليل. أما أكثر الناس فإنهم يقاومون ويكافحون ليضمنوا مكانة لأنفسهم، وليصلوا إلى حالة، فإذا أدركوها أعتقد انهم قد أدركوا حياتهم، بينما يبدأ موتهم. إنهم لا يدركون ذلك لأنهم لا يستطيعون الانفصال عن القالب المميت الذي صيغوا فيه.
إنهم أموات، ويعتقدون أنهم أحياء، وهذه حقيقة لا يفهمها إلا من استطاع أن يرى القالب الذي هيأه لـه الحظ، والفرص والمكانة التي ولد فيها.. وإذا استطعنا أن نرى هذا القالب، فمعنى ذلك أنه فاقد لمعنى حياتنا وحقيقة وجودنا. فلو كانت حياة، لما أمكننا أن نراها. نعيشها دون أن نراها، ونموت كل يوم فيها دون أن نفطن إلى ذلك. إننا لا نرى ولا نعرف إلا الأشياء التي ماتت فينا.
وقضيتي ربما كانت أفدح. فأنا لا أرى ما مات فيَّ، ولكني أرى أني لم أعش أبداً. أرى أن القالب الذي أفرغت فيه حياتي، إنّما أعطاه لـها الآخرون، ولست أنا الذي صغتها فيه، فأنا أشعر أن حياة هذا القالب، لم تكن حياتي الحقيقية. لقد أخذوني كأية مادة، أخذوا دماغاً وروحاً وعضلات وأعصاباً ولحماً، وعجنوها على النحو الذي يريدونه حتى تنجز أعمالاً، وتقوم بأفعال، وتطيع الواجبات التي أبحث عن نفسي فيها فلا أجدها..
وأصرخ، وتصرخ روحي في هذه الهيئة الميتة التي لم تكن هيئتي أبداً. ولكن كيف، وفي نفسي سأم وحقد ورعب من هذا الرجل الذي لم أكنه. من هذا القالب المميت الذي قيدني فلا أقدر على التحرر. إنه قالب مثقل بالواجبات التي أشعر أنها ليست واجباتي. مرهق بأعمال لا تهمني، متخذ كرمز للتقدير الذي لا أعرف ما أصنع به. إن هذه الواجبات والأعمال والتقدير والاحترام صورة خارجة عن حقيقة نفسي، إنها أشياء ميتة، لا معنى لـها، إلا أن تثقل كاهلي، وترهقني، وتسحقني، ولا تدع لي الفرصة للتنفس. أتحرر؟؟ ولكن متى استطاع إنسان إلغاء الحقيقة الواقعة فينكر الموت عندما يأخذ بخناقه.. والحقيقة إنه مهما كان مسلكك في الحياة، فلابد أن تقيدك نتائجه، وتكون لك سجناً، لا سبيل إلى التحرر منه، ولا الانطلاق من المحن التي يجرها عليك. وتحيط بك تلك المسؤولية التي أخذتها على عاتقك كأنها الجو الخانق الكثيف. فكيف أستطيع التحرر، وأنا سجين هذا القالب الغريب الذي يمثلني كما أنا بالنسبة للجميع، وكما يعرفني ويحترمني الجميع؟..
إنني أعيش حياة مختلفة عن تلك الحقيقة التي لم أحلم بها. إنني أعيش حياتي في قالب أشعر أنه ميت وهو يعيش من أجل الآخرين. من أجل الذين رفعوه والذين يريدون لـه هذه الصورة.. فهو مرغم إذن على أن يعمل من أجل زوجتي وأطفالي والمجتمع والسادة طلاب الحقوق في الجامعة والسادة العملاء الذين أودعوني الحياة والشرف والحرية والثرثرة. يعمل هكذا ولا أستطيع تغييره ولا أستطيع أن أركله بالأقدام وأزيحه وأتمرد عليه وأنتقم منه إلا في هذه اللحظة التي أحصل عليها كل يوم، إنه عمل أقوم به في الخفاء، مغتنماً الفرصة الملائمة في احتراس، وارتجاف بحيث لا يراني أحد، وإليك القصة.
عندي كلبة عجوز مضى عليها بالبيت إحدى عشرة سنة. لونها مزيج من البياض والسواد، سمينة، ذات شعر ناعم وعيناها غائرتان من الشيخوخة، لم تكن بيني وبينها صلات طيبة، ربما لأنها لم تعجب بمهنتي التي لا تطيق الضجيج في البيت. ولكنها أصبحت تألفها وتحبها شيئاً فشيئاً حين حاصرتها الشيخوخة فجعلتها تفزع إلي من قسوة الأطفال الذين يريدون أن تشاركهم مرحهم، ولعبهم، ونشاطهم في الحديقة. وقد أخذت منذ زمن تختفي في مكتبي من الصباح إلى المساء، واعتادت النوم على البساط، واضعة رأسها بين قائمتيها الأماميتين شاعرة بالأمن والراحة بين هذه الأوراق والكتب الكثيرة، ومن حين لآخر كانت تفتح عينيها، وتحدق فيّ كأنها تقول: "أجل أيها العزيز المحترم، اعمل. لا تتحرك من هناك، لأني مطمئنة إلى أن أحداً لن يفسد عليَّ نومي ما دمت جالساً هناك، متفرغاً للعمل". ويقيني أن هذا هو تفكير الكلبة المسكينة. والإغراء بأن أنتقم فيها لنفسي، قام بذهني منذ خمسة عشر يوماً تقريباً، فجأة، عندما رأيتها تحدق فيّ بإمعان، ولم يكن في نيتي أن ألحق بها الضرر، ولكنني ما أكاد أتحرر من العملاء لحظة، حتى أنهض في حذر شديد عن كرسيي حتى لا يتبين أحد أن علمي المخيف الذي يطمع فيه الجميع، ومعرفتي الرهيبة كأستاذ للحقوق ومحام، ووقاري كزوج وأب، إن هذه كلها قد انفصلت للحظات عن هذا الكرسي الوثير. وأسرع على رؤوس أصابعي إلى الباب، ثم أطل على الممشى لأتأكد من أن ليس هناك أي قادم. ثم أغلق الباب بالمفتاح، وتلتمع عيناي بسرور عجيب، للحظة واحدة، وأحس أن يدي تتراقصان من هذه الشهوة التي سأحسها بعد حين، أن أكون مجنوناً للحظة واحدة، أن أخرج من هذه الهيئة المميتة، أن أحطم لوقت قصير، وفي استخفاف، هذه المعرفة، وذلك الوقار الذي يرهقني. وأجري نحو الكلبة النائمة على البساط، وفي رفق وأدب، أرفع قدميها الخلفيتين وأرغمها على المشي بضعة خطوات بقدميها الأماميتين وأدفعها كما تدفع العربة. هذا كل ما في الأمر، لا أفعل شيئاً آخر، ثم أجري مسرعاً إلى الباب وأفتحه في رفق، دون أي صرير وأعود إلى كرسيي على استعداد لاستقبال عميل جديد، في كامل وقاري السابق. وأنا محشو بمعرفتي المخيفة كأنني مدفع.
ولكن الكلبة منذ خمسة عشر يوماً أصبحت تعبة من التحديق بذينك العينين الغائرتين المفتوحتين من الرعب، إني أريد إقناعها بأن لا شيء هناك، وبأن تطمئن ولا تنظر إلي هكذا. أتفهم الكلبة فظاعة العمل الذي أقوم به؟ ولا معنى لذلك، فهي عرضة لأن يقوم به نحوها أطفالي، ولكنها تعرف أنني لا أهزأ، ولا يمكن أن تقتنع بأني أسخر حتى للحظة واحدة. ولذلك فهي تتابع النظر إلي في دهشة واستغراب.
__________________
|