|
الإكليل
وقف الدكتور شيما، عند مدخل الحديقة العامة القائمة بظاهر المدينة، على كثيب مرتفع، وأخذ يتأمل باب المدخل المكون من قطعة واحدة شاحبة، وقد استند على دعامتين متجهمتين، قامت خلفهما شجرتان من أشجار السرو، كان الحزن يخيم عليهما، رغم ما يحيط بهما من أزهار باسمة، تفرقت هنا وهناك، خلال الخضرة الداكنة، أو تسلقت بعض الأشجار. ثم نظر إلى الطريق المائل الذي يمتد من المدخل حتى نهاية الهضبة، حيث قامت في مقدمتها مقصورة تشبه الهيكل الصيني. وكان ينتظر أن تتغلب الرغبة في جولة منعشة في تلك المقصورة القديمة المهجورة، على الوهن الذي يشعر به في مفاصله، والذي سببته لـه أشعة شمس الصباح.
وكان الظل المنعش مفعماً برائحة الأشجار البرية، وروائح شجر الخوخ ورائحة النعناع الحادة. وكان تغريد الطيور المحتفلة بعودة الربيع ينساب من أعلى الشجر كأنما هو دعوة للمشاركة.
وبدأ الدكتور يأخذ طريقه في خطوات بطيئة إلى المقصورة، وكان يستنشق تلك الروائح البرية الحادة في شراهة زائدة مستشعراً نشوة وانجذاباً.. وكانت رؤية الأشجار المخضرة وحفيف الفراشات البيضاء التي تطوف بالزهور، تحيط أفكار الدكتور الحزينة بإطار ضبابي من الأحلام.
ما أجمل تلك المقصورة الهادئة التي لا يطرقها أحد من المتجولين.
ـ لو كانت لي؟
تلك كانت أمنيته، ولما لم تكن يده الطامعة قادرة على ذلك، فليس لـه إلا أن يرسل التنهدات الطويلة. ومن يدري كم من الناس لا يغشون الحديقة تجنباً لـهذه الحسرة التي يجدونها في تنهدهم.. لو كانت لي. لقد كتب على الأشياء العامة ألا تكون ملكاً لأحد. وكانت في كل خطوة، يافطة معلقة على عمود: ممنوع الدخول إلى الأحواض، ممنوع إتلاف الأشجار، ممنوع قطف الأزهار.
ومعنى ذلك أنهم لا يملكون إلا النظر والتجول. إن معنى التملك أن تقول أنا، لا (نحن) وفي هذا المكان لا يستطيع أحد أن يقول أنا، إلا البستاني، الذي هو صاحبها بحق. ويتقاضى مرتباً على ذلك، وله فيها بيت ومكانة وهو يبيع لحسابه الخاص الأزهار التي للجميع وليست لأحد.
وانسابت نغمة رقيقة، أعادت إلى الدكتور ذكرى فترة بديعة قضاها في الريف، في كوخ ضائع بين الأشجار. أشجار الريف الطلق المنشرح لقربه من البحر!.. لقد كان طفلاً حينذاك. طفلاً صغيراً مولعاً بصيد العصافير. كم قتل من عصافير مسكينة!
المرارة والذعر والمتاعب، التي ترهقه بها مهنة الطب، كلها قد استقرت وخمدت في نفسه، ولكن الأسى بأنه قد أتم الأربعين منذ أشهر لم يخمد في نفسه!.. إن أجمل أيام الحياة قد انتهت، دون أن يقتنع بأنه قد استمتع بهذه الشباب الذاهب. وهل في الحياة ما يمتع؟ بلى.. في إمكان الحياة أن تكون جميلة. صباح مشرق هادئ كهذا، لـهو مكافأة طيبة لكثير من الإرهاق والعناء.
وتوقف الدكتور، بعد أن لمعت في ذهنه فكرة. هي أن يعود إلى البيت لكي يصطحب زوجته الصغيرة. التي تزوجها منذ سبعة أشهر ـ حتى تستمتع بهذه الجولة الرائعة، وأخذته الحيرة ثم استمر في طريقه في هدوء.
لا.. إن هذه الروعة ستضمحل بالنسبة للاثنين. وهاهي الروعة التي كان يحسها قد زالت بمجرد التفكير في اصطحابها.. إن مرارة الكآبة التي تغلب عليها منذ لحظات قد عادت ترهقه الآن. لا لأن في زوجته ما يثير ضحكه. إنها طيبة القلب. مسكينة. ولكنها في الثانية والعشرين أي أنها تصغره بثماني عشرة سنة. إن الشيب قد بدأ يلمع في صدغيه ولحيته. تزوج منذ سبعة أشهر، وكان يأمل أن يتحول الإعجاب الحنون الذي أظهرته لـه خلال فترة الخطوبة إلى حب. بيسر وسهولة. حسبها أن تعلم، رغم هذا الشيب الذي في صدغيه، أنه مدله في حبها كالشاب الصغير. ذلك لأنه لم يحب غيرها من النساء من قبل.
أوهام.. إن الحب الصحيح لم يولد بعد في زوجته ولم يولد أبداً. إنه يشعر بذلك. إنها تضحك لـه . وتظهر لـه بشتى الطرق أنها تحترمه. ولكنها تفعل ذلك بحكم الواجب.
ولم يكن الأسف الذي يحسه، شديد المرارة، لو لم تخنقه مماحكة بينه وبين نفسه، عاقته عن إطالة التفكير في زوجته الشابة.
حين كانت زوجته فتاة، كانت تحب بحرارة الثامنة عشرة، طالباً في الليسيه. مات في التيفوس. إنه يعرف ذلك. لأنه استدعي إلى معالجة الشاب. ويعرف أنها كانت هناك، تكاد تجن من الألم وأنها أغلقت على نفسها حجرة مظلمة أسابيع طويلة دون أن ترى أحداً وأنها لم تخرج بعد ذلك من المنزل، وأنها عزمت على أن تترهب. وقد تألمت المدينة بأسرها لـهذا الحب العارم، بين شابين، يمزقه الموت. فقد كان الشاب محبوباً من الجميع لحيويته، وذكائه، ومعاملته اللطيفة، ومسلكه المهذب الراقي. أما هي فقد كانت بحق أجمل فتاة في البلد.
وبعد أن انقضى عام على وفاة الشاب. أرغمت من قبل أهلها على أن تحضر حفلات المجتمع، فكان منظرها ووقارها وملامح الحزن على وجهها وابتسامتها، تلقي في قلوب الجميع، وبخاصة الشباب، إعجاباً حاراً وحناناً ناعماً. وأصبح حلم كل شاب أن تقع في هواه، وأن يخرجها من ذلك الألم القاتل إلى الحياة والحب والشباب.
ولكنها أصرت على حزنها، وبعد قليل أخذت الألسن تتناول هذا العناد، وتهمس بخبث أنه ليس بعناد، فقد أصبحت تستشعر لذة في هذا الحزن. عندما تحققت أنه يحببها إلى الجميع، ويحيطها بإطار من التواضع والحشمة. والهامسون بذلك، ربما كانوا يعبرون عن حقد دفين أو غيرة قاتلة. فالدليل على أنها لم ترد من وراء ذلك أن يزداد تعلق الناس بها رفضها عدداً من الخاطبين الذين تقدموا لطلب يدها. وهم من خيرة شباب البلد.
ومر عامان على وقوع الكارثة. ولم يتقدم أحد إلى خطبتها؛ بعدما شاع بين الناس خبر رفضها، ولكن الدكتور تقدم لخطبتها على الرغم من نصائح أصدقائه، فقبلت في الحال.
وما كادت تمضي المفاجأة الأولى حتى وجد الجميع تفسيراً لـهذا النصر. لقد قبلت الزواج به لأن الدكتور ليس شاباً، فلا أحد يتوهم بعد ذلك أنها قد تزوجته عن حب. عن حب صحيح. لقد قبلت لأنها واثقة من أنه لا ينتظر حباً كالذي يمكن أن يُدَّخَر لأي شاب. وأنه سيرضى بهذه العاطفة الممتزجة بالإعجاب والعرفان والعبادة.
وتلك حقيقة لم يبطئ هو الآخر في فهمها. لقد تألم كثيراً وما يزال يعاني ذلك الألم الذي يدفعه إلى محاولة التغلب على نفسه، لكي تتجنب القطيعة تارة وحتى لا يخونه الألم القاتل الذي يشعر به تارة أخرى..
إنه عذاب مؤلم، أن يشعر بشباب القلب دون أن يحدثها بمشاعره أو يظهرها عليها حتى لا يفقد إعجابها وشكرها واعترافها. ومن أجل ذلك فقط سعى إلى أن يكبح كل خفقة من خفقات هذا الحب الذي كان الأول والأخير في حياته.
امرأة واحدة كانت تراه شاباً، بل طفلاً. إنها أمه التي ماتت منذ ثلاث سنوات، وفي صحبتها.. نعم.. في صحبتها كان من الممكن أن يستشعر روعة ذلك الصباح الجميل، وكان من الممكن أن يهرع إلى البيت دون أن يطيل التفكير، لكي يصطحب تلك القديسة العجوز. حتى يستمتع بشمس الصباح. كان يجدها كلما عاد إلى البيت في إحدى الزوايا، وبيدها سبحتها تصلي من أجل المرضى الذين في رعاية ابنها.
وما كادت ترتسم في ذهنه هذه الصورة حتى ابتسم ابتسامة حزينة، وهز رأسه، وكان يأخذ طريقه إلى أعلى الحديقة حيث تقوم تلك المقصورة. إن أمه بصلاتها من أجل المرضى الذين في رعايته لا تثق في طبه وبراعته، وقد سألها مرة في مداعبة، فأجابت بأنها لا تصلي لذلك، ولكنها تصلي حتى يعينه الله على إنقاذ مرضاه.
ـ إذن أنت تعتقدين أنني دون مساعدة الله...
فقاطعته..
ـ ماذا تقول؟ إن معونة الله مطلوبة دائماً يا ابني.
وكانت تصلي من الصباح إلى المساء، حتى أصبح يود من أعماقه ألا يكون لـه عدد كبير من المرضى كي لا يتعب شفتي والدته.
وعاد الابتسام.. إن ذكرى أمه أعادت إلى أفكاره ذلك الإطار الضبابي من الأحلام. فعادت إليه الدهشة والانشراح، ولكن البستاني، الذي كان يقتلع بعض الحشائش، قطع عليه هذه البهجة.
ـ آه.. أنت هنا أيها الدكتور.. أ بحثت عني طويلاً؟
ـ لا أبحث، وفي الحقيقة..
ـ إنها جاهزة.. إنها جميلة وجاهزة منذ الساعة الثامنة.
وتقدم نحوه، وقد وضع قبعته في يده وكان العرق يتلألأ فوق جبهته.
ـ إذا أردت مشاهدتها، فهي هنا في المقصورة.. لنذهب حالاً.
ـ أشاهدها ماذا؟.. أنا لا أعرف...
ـ كيف لا تعرف سيدي الدكتور.. إنه الإكليل؟
ـ الإكليل؟
وحدق فيه البستاني، في شيء كثير من الدهشة.
__________________
|