عرض مشاركة واحدة
قديم 08-07-2008, 01:14   #2 (permalink)
AN AMPOSSIBLE LOVE
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 62





رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....


عنوان القصة : المخلص
الكاتب : الحب المستحيل أو AN AMPOSSIBLE LOVE
القصة واقعية أكثر أحداثها واقعية ... قصة عن معلم يصادف طالب يذكره بطفولته السيئة و يوقظ ذكرياته القديمة لتبدأ رحلة البحث عن الخلاص ...


المُــخلِّــص
1
رتابة المشهد .. هذه تسميتي لطابور الصباح مشهد ممل صباح كل يوم في مدرسة ابتدائية , يجب أن نقف فيه نحن المعلمين كأصنام نراقب الأعين الناعسة و الأفواه المتثائبة . ننتظر منهم الخروج عن النص لنقوم بدور الموجه العظيم .. اصمت يا ولد .. لم لا تؤدي تمارين الصباح بجد .. تحرك , و من هذه الأقوال المكررة و الأعمال الرتيبة .
رغم مرور أسبوعين على بدء الفصل الدراسي إلا أن كل شيء مكرر من يوم أمس و قبله نفس الوجوه و تمارين, واحدة ,و تفاعل موحد و دائم لهذه التمارين .
وكيل المدرسة المهيب أبو أحمد يخرج من مكتبه متوحشا سلاحه (الخيزرانة) التي لفت بـ شطرطون أحمر بلون الدم و أخضر بلون الحياة تعبر عن الاضطراب و التناقض الذي يعيشه , و الذي خرج مندفعاً كـجلمود صخر حطه السيل من علٍ . يلوح بالخيزران بين صفوف الطلاب المتثائبين الناعسين تخويفاً يعوض به ضعفه الداخلي- على ما اعتقد- و يدعم منظره المرعب على الصباح الفاتر العرج في خطواته المتلاحقة و كلمات مجلجلة : يالله يا ولد خذ مسافة مع زميلك .. لا تتأخر عن الطابور يا تعبان ,
و لا ينسى في خضم المعمعة أن يضرب بالعصا مستخدماً عنصر المفاجأة العابثين و اللاعبين في الطابور الصباح المقدس, وطبعاً لابد أن يمسح بالعصا بكل رفق و حنان على متن حسام الولد الوسيم في الصف السادس !!!
من بعيد يطل المدير من برجه العاجي يتفقد أمور رعيته بنظرات خاطفة يقيم فيها أحوالهم ثم لا يلبث إلا أن يرجع لمكتبه الوثير بعد أن اطمئن على رعيته و بعد أن رأى أبو يحيى - القهوجي- مقبلاً بابتسامته المعهودة التي تجملها أسنانه الصفراء المتخاصمة المتباعدة ... و معه القهوة.
في آخر الطابور تجمع حزب المعلمين المهتمين بالرياضة يناقشون و يحللون مباريات الأمس و في الاتجاه المعاكس معلم الدين أبو مصعب واقف كأنه صنم بوذي لا يحرك و لا يتنفس حتى انصراف الطلاب للفصول. الأستاذ أيمن هو الوحيد الذي يعاكس التيار البارد فتارة ينظم صفوف الطلاب و تارة يرتب أمور الإذاعة .
في غمرة هذه الصور الروتينية التي تصيح .. تكرار .. تكرار ..كأننا نعيش الأيام كما هي و إن تغير شيء انقلب الكون .. حاولت أن أبحث منظر يكسر التكرار .. لا شيء يستحق الذكر ..
شيء واحد لفت انتباهي ... طالب في الفصل الذي أدرسه في الصف الثالث... صاحب العشر سنوات رغم برودة الجو إلا أن ثيابه صيفية .. يؤدي التمارين الصباحية بجهد كبير يعاكس الجو المألوف .. ربما ليدفئ نفسه .. أقبلت نحوه بسؤال كأنه رمح غرسته في جسده النحيل الذابل ..
- يوسف الجو بارد ليه ما لبست ثوب شتوي أو جاكيت عشان تدفي نفسك؟
لم يرد عليّ .. لم أنتظر إجابة, فبعينيه كان الجواب.. من يملك ثوب شتوي و لا يلبسه في قمة البرد .. من لديه جاكيت و يتركه في البيت حيث الدفء.. يالـ سخافة سؤالي .. أكملت طريقي بعدم اهتمام ظاهر .. بعد إجابته المسكتة.. أنا بالكاد أتحمل هذا الزمهرير فما بالك بهذا الطفل... وقفت لوهلة أتأمله و أتساءل مع نفسي عنه .. أبـعدُ إجابات عينيه و أكذبها .. ربما جاء للمدرسة مستعجلاًً و لم يكن ثوبه جاهزا فلبس الثوب الصيفي ,أو أن أمه مهملة و.استدركت نفسي كمحاولة للهروب .. ما دخلي بالأمر , لماذا أهتم ؟.إنها ليست قضية .
اليوم الدراسي عذاب يتجرعه المعلم كل يوم لذنب ربما لم يرتكبه .. ربما لنوايا تراوده . الطلاب يركضون في باحة المدرسة كخلايا نحل حركة من المستحيل أن تتوقف . هذا الأسبوع كلفت بإشراف في الفسحة أثقل كاهلي مع الحصص الـ 24 التي أدرسها .. يوم الاثنين هو اليوم الذي أتنفس فيه الصعداء , في الحصة الرابعة أنتهي .. كنت قد عزمت أن أذهب لإدارة التعليم لأستخرج بطاقة معلم التي لا أعلم فائدة لها أو ميزة .. بعد أن أقنعني الأستاذ أيمن .. فاجأني أبو حمدان بورقة تحمل حصص الانتظار و كنت مكلف بأحدها في الحصة السادسة .. أصابني الغم .. أحس أبو حمدان بشعوري و قال مواسياً:
- أنت لسه جديد باقي تتحمل و يا مالك من الخير ..
لم أرد عليه .. حتى بابتسامة كعادتي حينما لا أجد إجابة .. رن جرس الفسحة ..
اتجهت لغرفة المدرسين ابحث عن الشاي .. لا شيء يريح أعصابي إلا كوب شاي ساخن " يقعد الرأس" انزويت بغرفة المدرسين مع كوب الشاي أشربه بتلذذ عجيب ... تاركاً المعلمين بأحاديثهم المملة المكررة و ضحكاتهم المجلجلة .. ربما اعتقدوا أن فيني " شوفه للنفس" لكني لا أستسيغهم أشعر بحواجز و جليد قطبي بيني و بينهم ...باستثناء أيمن الذي أحس أنه " مختلف " بمعنى الكلمة .
***
تمضي الأيام و أنا أدرّس هنا ببطء لا يكاد يلاحظ .. خاصة وأن المنطقة جديدة عليّ .. وبعيدة عن غاليتي "حائل" ... أهل هذه المنطقة طيبون .. مختلفة عادتنا عنهم .. هذا ما يجعلني أشعر بالغربة .. أحياناً تنتابني لحظات ضيق شديدة أكرهه فيها المدرسة و التعليم و الطلاب و أيضاً المعلمين أو بالأصح بعض المعلمين على رأسهم وكيل المدرسة الذي مذ رآني أول يوم أشعرني بكرهه لي و بغضه مجرد رؤيته لاسم قبيلتي ..
مضى شهر على بدء الفصل الدراسي ..الجو بارد حد التجمد ..
أمشي في ساحة المدرسة قليلا و بين لحظة و أخرى أنتظر من يصطدم بي .. الأطفال قمة في النشاط .. الفسحة بمثابة الحرية لهم .. و في غمرة تفكيري ..مشهد لفت انتباهي .. يوسف مرة أخرى .. يجلس القرفصاء وحيدا في الشمس .. يبدو أنه يبحث عن الدفء .. لكنه يبدو اليوم بملابس شتوية تناسب الجو على غير العادة ..رأيت مجموعة من الطلاب يتهامسون و يشيرون نحوه ثم يضحكون ... لم يشعروا بقربي منهم .. كان يوسف ينظر إليهم فلما ضحكوا .. نكس رأسه .. تفرق الطلبة بعد أن رأوني.... توقفت في مكاني برهة لا أعلم لماذا عادت لي ذكرى قديمة حينما كنت بعمر يوسف... أحمد و وليد و أبناء عمه كانوا يشكلون لي قلقاً و هم يومي .. في كل فسحة .. يستغلون أني وحيد دائماً فيبدأ مسلسل الضرب و الإهانة .. تنهدت في نفسي طويلاً.. آه تلك أيام ولت ولم تعد- على الأقل- منذ زمن..
رفع يوسف وجهه و رآني أنظر إليه عندها تذكرت صباح ذلك اليوم في الطابور .. و دخول يوسف المتثاقل للفصل بعد سؤالي السخيف...حينها تبار إلى ذهني شروده الدائم و انعزاله و تقوقعه حول ذاته .. إجاباته المبتورة .. صمته المطبق .. نظراته الكسيرة.
كأن هذه المشاهد تدافعت بسرعة .. مشتتة غير مترابطة ..تريد أن ترسل لي رسالة
مررت بجانبه.. نظر إليّ بنظرة فيها ألم و حزن لكن لم أعرف كيف أقرئها كأنها كتابة بخط كوفي قديم .. زاد فضولي لأعرف يوسف ... يبدو أن وراءه قصة مثيرة .. ألاحظ أن الطلاب لا يتقبلونه بينهم .. و لا يجلس إلا وحيداً ... بعد هذا الموقف توقفت لأفكر بالصور و المشاهد و بالرسالة التي لم أفهم مغزاها ...لكن هل هناك فعلاً رسالة أم أني أبحث أمر ما أشغل به تفكيري و أكسر الرتابة و الجو الكئيب الذي أعيشه..
يتبع ...

ملاحظة : ردودكم هي الوقود لإكمال القصة ..

__________________

AN AMPOSSIBLE LOVE غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 14.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 14.06 كيلو بايت... تم توفير 0.70 كيلو بايت...بمعدل (4.75%)]