عرض مشاركة واحدة
قديم 08-07-2008, 21:30   #7 (permalink)
AN AMPOSSIBLE LOVE
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: 08-07-2008
المشاركات: 62





رد: الـــمُـــــخـــــلِّـــــــــــص ....


2
تمر الأيام رتيبة.. أبو حمدان فراش المدرسة لا ينفك يحضر تعاميم من إدارة التعليم أوقعها بدون أن أقرئها ... كان يكلمني ولم أنتبه له .. فالدرس انتهى و أنا جالس و خافضاً رأسي بانتظار الجرس الذي أعتبره " مُخلِّص " .. مشى حينما لم يظفر بإجابة .. أشعر بروحي تخرج من جسدي محلقة في فضاء من غير حدود و من غير قيود.

عشت فترة أتأخر كثيرا عن المدرسة أحياناً أحضر منتصف الحصة الأولى أو بعد طابور الصباح كانت نظرات المدير تحاسبني و تراقبني و هو صامت و كنت أرد عليه بنظرات متحديه غير مبالية ... ارفع .. اعمل ما تعمل .. لا يهمني شيء... قطع تفكيري الهائم عراك بين الطلاب بالتحديد بين خالد ذلك الطالب المتعب المشاغب و يوسف الصامت الهادئ .. اندفعت مسرعاً أفك هذا العراك الطفولي .. لم أتعامل مع الموقف بطريقة تربوية فرقت بين الطالبين ثم أمرت يوسف أن يغسل وجهه المبلل بالدموع و الذي أثر فيّ كثيراً و دفعني أن أضرب خالد على وجهه ضربة آلمته .

لم أكن لأضرب طالباً بهذه القسوة .. حتى في قمة غضبي .. لا أعرف أحسست أني كنت أريد أن أنتصر ليوسف الضعيف المغلوب على أمره .. استقبلت يوسف قبل أن يدخل الفصل و الذي لا زالت دموعه تختنق في عينيه الذابلتين لم يبكي من ضربة زميله بل من القهر من الإذلال من الانكسار ..
- يوسف معليش.. خلاص لا تبكي خالد و عاقبته , يا الله أنت رجال و الرجال ما يبكون .. خذ المنديل يا بطل و ادخل الفصل و لا أحد يشوف دموعك ..
خاطبت الطلاب.. لهجتي كانت شديدة .. و يوسف واقف بجانبي و يدي تمسح رأسه و الأخرى تتوعد .
- من يضرب يوسف أو يتكلم عليه سوف يعاقب بشدة ..هذا إنذار لكم ..

بعد هذا الموقف تشكلت مكانة ليوسف في نفسي .. أحسست أن هناك رابط بيني و بينه و قواسم مشتركة .. انتبهت له بعد أن كنت مهمله كان طالب غير ملاحظ يؤدي ما عليه بصمت و لا يشارك كثيراً و لا يسأل أبداً هادئ في الفصل صامت شارد .. قررت أن أركز عليه أن أسبر أغوراه و أقتحم عالمه الذي أثار فضولي ...صرت أفكر فيه كثيراً أحاول أن أتحدث معه ... لكن دائم ما أصدم بصمته الذي لم أستطيع أن أجد له حاولت أن أفتح معه حوار بعد رجوع الطلاب من حصة الرياضة
قطعاً على الأقل عشر دقائق من زمن الحصة ستمضي حتى يرجع الطلاب لجو الفصل استغللتها في الحديث مع يوسف ..
- هاه يوسف كيف حصة الرياضة ؟ كم هدف سجلت ؟
رد يوسف وقد خفض رأسه و هو الذي يبدو عليه التفاجؤ فلم يعتد أن يسأله أحد كهذه الأسئلة ..
- ما سجلت شي أنا صرت حارس ..
- أوو أكيد صديت كور خطيرة ..
رد أحد الطلاب : أستاذ ما فيه أحد قدر يسجل عليه هدف.
ابتسم يوسف لهذا الإطراء بعد أن رفع رأسه قليلاً ليرى ردة فعل الفصل .. أسعدتني ابتسامته التي لأول مرة أراها ..
- يوسف حارس ممتاز .. راح يكون حارس الفصل بالدوري ... صفقوا له ..يا الله يا أبطال تحية قوية ليوسف ...
صفق الجميع و جلس يوسف سعيداً فلأول مرة على ما يبدو يحظى بالاهتمام .. كان لهذا الإطراء مفعوله ..فهو في هذه الحصة أكثر الطلاب مشاركة .


***


اليوم على غير العادة حضرت للمدرسة مبكراً لكني ظللت جالساً في السيارة حتى يبدأ الطابور مستمعاً لإذاعة القرآن الكريم ..أراقب الطلاب الداخلين الناعسين الضاحكين إلى بوابة عالم يبدو غير عالمهم كما تستنتج من نظرات أعينهم ..
إنه يوسف مرة أخرى ... جلس و أسند ظهره على جدار المدرسة الأسمنتي البليد .. جلس القرفصاء و الشمس بأشعتها الهادئة تداعب محياه السمح .. ينظر إليه الطلاب الداخلين بصمت يبتسم إليهم لكن لا أحد يعيره انتباهه .. يمر من أمامه طالب يمشي بسرعة ..و آخر يسحب حقيبته و يضحك مع زميله الذي امتلاء فمه بالساندويتش .. يرى الجميع قد أوصلهم آباؤهم إلى المدرسة تعلو و وجههم ابتسامة و أمل و سعادة .. هذه الصور الصباحية تغذي مخيلته فيغرق في أحلام اليقظة التي لا يستيقظ منها إلا على صوت يحيى الحارس الذي يأمره بلحاق الطابور ..
غفوت قليلا و أنا في السيارة و لم أشعر بنفسي إلا و الأستاذ أيمن يدق زجاج السيارة تنبيهاً للغارق في أفكاره و يشير إلى ساعته و لسان حاله يقول : لقد تأخرت ... الطابور بدأ ..
خرجت من السيارة و رافقت أيمن الذي أسعد و أنا أتحدث معه ...
بادرني مبتسماً :
- وين سرحان.. ذبحك الحب و العشق يا مغرم ...
- و ين حب وين عشق يا أستاذ أيمن ظنك راح بعيد ..
- طيب أكيد تفكر في الأهل في حائل .
ابتسمت في داخلي و قلت له و أنا أقدمه ليدخل باب المدرسة و منهياً الحوار السريع في إجابة متعددة التفسيرات :
- تقدر تقول ... بس تراني ما رحت بعيد!!



***




الفترة التي تسبق نومي بساعتين أعتبرها فترة مقدسة عندي أقطع كل ماله صله بالعالم معي و أتفرغ لكتاب أقرأه أو كلمات أكتبها أو أي شيء أمضي به الليل بهدوء .. هذه الليلة لم يكن هناك كتاب و لا كلمات ولا تلفاز كان هناك أمر يشغل بالي لا أعرف لماذا لا أزال أتعاطاه بهذا الشكل المتزايد .. يوسف ... غموض و ألم و صمت يحتاج لإجابة .. أستعرض مشاهده في مسلسلي اليومي الرتيب يوسف عند جدار المدرسة وحيد و في الصف لا تشعر بوجوده .. و في الفسحة إن لم يكن وحيد هو حتماً يتعارك مع أحد اعتدى عليه .. أصبح تحت نظري كل حركاته و كل تحركاته اعتقدت في داخلي أن هناك سر في هذه الانطوائية الغير مقبولة ..لا أعلم سر اهتمامي به .. أحاول أن أخالف نفسي أن.. مجرد طالب .. أن يتعارك مع زميل له .. هذه أمور تعتبر طبيعية .. لابد أن يمر الطالب بها .. ليس هناك ما يدعوا للقول بأن هناك سر .

في اليوم التالي في حصة الأناشيد لم يحفظ يوسف الأبيات المطلوبة .. حينما سألته لماذا ؟ لم يجب ظل صامتً .. كررت السؤال .. لم يجب .. حاولت أن أصنع له عذر ... هل نسيت يا يوسف ؟ أيضاً لم يجب و اكتفى بابتسامة صامتة أخفت ما بداخله من تردد و خوف .. اضطررت أن أسامح جميع الطلاب الذين لم يحفظوا لأني لا أستطيع أن أعاقب يوسف.. سأحاول أن أقترب منه لأعرف سبب غموضه.. لازال ذلك الوجه الطفولي البريء يخفي ألما يخفي شعورا مكبوت لا تقوى نفسه على تحمله و إخفائه فيظهر على شكل شرود أو دموع تذرف على استحياء يخفيها عن الجميع ...


***

بعد نهاية الحصة السادسة يؤدي الطلاب صلاة الظهر قبل الانصراف .. كان هناك ازدحام على المغاسل لأجل الوضوء .. لاحظت يوسف يتأخر عن دوره على المغسلة .. يريد أن يكون آخر طالب .. استغربت هذا التصرف رغم أني لم أسأله عن السبب .. أحببت أن اعرف بنفسي .. كان تنظيم الطلاب صعب خاصة أن المغاسل قليلة و الطلاب كثر .. انتظرت يوسف حتى توضأ .. كان يغسل ذراعيه حينها شاهدت ازرقاق متفرق في ذراعه .. إنها كدمة.. كدمة مزرقّة على مرفقه ..
اقتربت قليلا منه .. حينما رآني اقتربت منه توقف عن الوضوء ...
- يوسف من وين هذه الكدمة ؟
ارتبك قليلا .. لم يجد إجابة سريعة .. استدرك نفسه .. أجاب بإجابة طفولية يعتقد أنها مقنعة بارتباك ... طحت من السيكل !!!
لم تقنعني إجابته .. إحساسي أن هناك أمرا ما .. قبل أن يكمل وضوئه كنت قد اقتربت منه ..لاحظت أمراً آخر .. كانت المفاجأة .. شاهدت ما راعني .. لم أتصور أن الأمر هكذا .. كانت تفسيراتي عديدة. أما أن يكون هذا الأمر فلم أتوقع .. حرق في جلده .. بدا بحجم عملة معدنية .. اقتربت منه ... إنه أثر إطفاء سجائر ... يالهذا الطفل المسكين .. ألجمتني المفاجأة لم أستطع أن أتكلم .. أي ألم يتحمل و أي ظروف يعاني .. نظرت في عيني يوسف .. شاهدت انكسار و حرقة و ألم .. يبدو أن سره الخطير كشف .... لم أقدر على كلامه .. خاصة و أنا أرى انكساره المؤلم .. تبادرت لوهلة في ذهني صور قديمة .. لا زالت محفوظة في عقلي الباطني .. الغرفة المظلمة .. نظرات زوجة أبي الساخرة .. الخيزرانة التي فوق الطاولة المكسورة قدمها .. أو العرجا كما أسميها .. انتبهت لنفسي قليلا .. و قد لاحظ يوسف السرحان الذي انتابني ّ استدركت وقلت ليوسف منهيا الموقف لأجل مسمى ...و غير مقتنع بإجابته ..
- يوسف أكمل وضوئك و بكرة نتكلم ...
قلتها لأقطع حبل أفكاري .. حتى لا أدع لنفسي فرصة في التفكير في هذه الصور .
الكية التي في ذراع يوسف لم تفارق مخيلتي و أنا أصلي ..و أنا عائد إلى الشقة ظلت جاثمة على مخيلتي ... تضامنت مع يوسف و شعرت بتعاطف كبير معه و تألمت كثيراً له..
هذه الليلة لم أستطع النوم عادت لي ذكرياتي مع أبي من أرشيفها القابع في ركن بعيد ..
كان يخترع أعذار ليضربني .. كان بالحقيقة ينتقم من جور الحياة يعبر عن فشله برسومات على جسدي .. لم أكن أعلم أي ذنب ارتكبته .. كم من ليلة بت و الدموع رفيقتي ...
كنت أنام في غرفة الجلوس .. بقرب النافذة .. أرتجف من شدة البرد ..لا الغطاء الممزق يدفئني ولا صدر حنون يضمني .. أجلس وحيدا في الساحة ... عراك مع الطلاب و بالطبع أنا المعتدى عليه دائما .. لكنه – قطعاً- لم يمر بما مررت به .. لم تكن تنتظره الخيزرانة إذا تأخر عن إحضار علبة الدخان من المتجر .. ما تزال كلمة والدي سامحه الله ترن في أذني " الزجاره يا ولد .. أسرع يا حمار " و أيضا لم تكن له زوجة أب " الشيطانة " كما كنت أسميها و أنا صغير .. إنه لم يكن يأمر بعصا و لم ينهى بعصا .. على الأقل لم يكن هناك وسم على وجهه محل جلب للأنظار و الاستفسار ...لا أعلم لما كلما أرى طفلا عليه علامات البؤس أو الحزن أتذكر طفولتي البائسة ..

انتابتني ضيقة ..كنت أفكر في أمر يوسف فكيف أصبحت الآن في ذكرى لي ماضية ..بين دمعات خجولة و صور متلاحقة عنيفة و دموية قضيت ليلتي .. خوفي أن ترجع لي خيالات تلك الأيام الكئيبة و كوابيسها المزعجة ..




يتبع ...

__________________

AN AMPOSSIBLE LOVE غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 16.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.25 كيلو بايت... تم توفير 0.70 كيلو بايت...بمعدل (4.14%)]