الموضوع: رحماك يا رب!!!
عرض مشاركة واحدة
قديم 19-11-2008, 17:10   #51 (permalink)
أحلى شهد
مــــبـــــدع
 
الصورة الرمزية أحلى شهد
 
تاريخ التسجيل: 22-10-2008
المشاركات: 330





رد: رحماك يا رب!!!

...المهم استمر العلاج، وفي المشفى بجناح علاج السرطان بات المرضى وأهاليهم كلهم يعرفونني وأمي وطالما يسألون عن حالي وأمي تسأل عن أحوالهم، فنحن تجمعنا نفس الظروف ونفس الاهتمامات كما أنني تعرفت إلى صديقة لي تقريبا في نفس سني وتعاني من سرطان الدم، اسمها لمعان، وقد كانت بحق لمعان فقد كانت جد جميلة ومؤدبة.
وقد كنت أعاني الأمرين من تبعات العلاج، لقد وصل بي الحد أنني لم أعد أستطيع حتى تحريك رأسي بحيث إذا مال إلى الخلف احتجت من يساعدني لإرجاعه إلى مكانه وكذلك يدي فقد شلت حركتهما وانثنت أصابعهما، كما التصق ساقاي بفخدي فأصبح من الصعب إن لم نقل المستحيل إبعادهما لتمديدي على الفراش، وذات يوم رن جرس الهاتف لتجيب أمي وتجد أم لمعان على الخط وماإن سألتها أمي عن حال لمعان حتى أجهشت بالبكاء وقالت لها أن لمعان المسكينة انتقلت إلى بارئها، لقد توفيت المسكينة وتركت لوعة وحرقة في قلب أهلها وفي قلبنا نحن أيضا، أغلقت أمي الهاتف واحتضنتني وبدأت في النحيب، وأخبرتني بالفاجعة لأشاركها أنا أيضا البكاء، ثم أخذت تهدئ من روعي وتحاول أسكاتي، وحقا لم أكن أعلم حينها أكانت أمي تبكي على فراق لمعان أم كانت ترى حالها من بعدي في شخص أم لمعان، لابد أنها ترقبت موتي بعد سماعها هذا الخبر، المسكينة كم عانت الله يتقبل منها ويجعله في ميزان حسناتها هي وأبي الذي تألم أيضا لحالي لدرجة أنه كلما راني تنهمر دموع صامتة حزينة من عينيه ،لقد كان كل من يراني يخاف علي الموت فقد أصبحت إن صح القول: هيكلا عظميا تدب فيه الروح، لقد كانت الالام جدا قاتلة لدرجة أنني لم أكن أنام سوى لحظات قليلة وأعود للصراخ من شدة الألم مما يقض مضجع أمي وأبي المسكينين حيث نقلاني إلى غرفتهما حتى أكون قريبة منهما، ولطالما سهرت أمي بجانبي الليالي تبكي بحرقة وهي تلحظ ما ال إليه حالي وتترقب موتي في أية لحظة، ولكم كان ذلك صعبا عليها المسكينة خصوصا في غياب والدي للعمل،فقد كنت في حالة مزرية ووضعية يرثى لها حتى إن بعض الجيران سامحهم الله نصحوا ابوي بعدم متابعة علاجي فمصيري هو الموت المحقق، وما يفعلونه الان ماهو إلا مضيعة للوقت والجهد والمال...والحمد لله أن والدي كانا واعيين ولم يأخذا كلام الجيران على محمل الجد، بل أجاباهما أن الروح بيد خالقها وأن الموت حقيقة محتمة ولايدري أي منا متى ستحضره المنية، بل إن من الممكن أن يموتا هما قبلي، وبأنني أمانة سيسألان عنها يوم القيامة.
... واستمرت الرحلة، واستمر العلاج - رغم أنه كانت له مضاعفات خطيرة على صحتي حيث قلت مناعتي في كثير من الأحيان، كما أن النزيف من أنفي لطالما أوصلني إلى حالات ميؤوس منها، ولطالما استقبلتني المستشفى أياما وليال عدة - وذات يوم ونحن ننتظر دورنا في زيارة الطبيب رأيت أم إحدى المريضات بعد خروجها مباشرة من عند الطبيب تبتسم وتقترب من أمي ثم تناولها ورقة في يدها وتقوم أمي بنقل محتوياتها من أجلها ومن أجل باقي المرضى، علمت فيما بعد أنها أعشاب أكلتها ابنتها ممزوجة بالعسل وقد أخبرها الطبيب للتو بأن سرطان الدم اختفى منها كليا، فرحت أمي لهذا الخبر وهنأتها وماعادت إلى المنزل حتى شمرت وخرجت لشراء تلك الأعشاب وإعدادها، وبدأت تطعمني إياها يوميا ثلاث مرات في اليوم بعد إجباري نوعا ما على أكل ولو القليل لاخذ الأعشاب بعده..
...اقترب موعد زيارة الطبيب، والحمد لله بشر والدي خيرا فحالتي استقرت والحمد لله والعلاج أدى إلى نتائج مذهلة وتم التوقف عن العلاج بالأشعة، وعمل عملية لاستخراج الكيس " الذي كان يحمي باقي الأعضاء" وبعده تم التوقف عن أخذ الدواء الكيميائي، وذات ليلة من الليالي الصيفية أخرجني والدي مع إخوتي لتنشق الهواء العليل، فسألت أمي عن العشاء فردت باستغراب أنني لااكل فلم أسأل؟ حينها ذكرت لها صنفا معينا من الطعام وبأنني أشتهي أن اكله الليلة على العشاء، رجعنا إلى البيت على عجل وحضرت أمي المسكينة ماطلبته منها وبدأت تطعمني لقمة لقمة، وأنا اكل من يديها بنهم، وهي تبكي مرددة في نفسها أنه عشلئي الأخير وبأنني سأموت في أية لحظة هذه الليلة، إلا أن ذلك لم يحدث بل توالت الأيام وبدأت أشتهي أصنافا من المأكولات وأطلب من أمي إعدادها لي،
وحينما كانت تطعمني بيديها كنت أخطف منها اللقم بيدي رغم أنني لم أكن بعد أستطيع تحريك أصابعي كما يجب،
بدأت أتقوى قليلا وبت قادرة على رؤية ما يجول حولي، وهنا ابتدأت رحلة أخرى وهي الترويض الطبي لتقوية عضلاتي وإصلاح ماأفسده العلاج الكيميائي والعلاج بالأشعة في جسدي، عانيت منها أيضا وكنت أتألم كثيرا فقد كنت أحس بتمزق عضلاتي وأربطتي كلما خضعت للعلاج والحمد لله تعافيت وأصبحت أستطيع المشي أولا بمساعدة عكازين ثم عكاز واحد، لكنني لم أعد أستطيع متابعة التأهيل الطبي لكثرة الالم لم أعد أريد العودة، أخبرتني أمي وأبي و كل من في البيت أنه خطر علي وسأعاني مضاعفات من بعد إلا أنني رفضت رفضا تاما ودون مناقشة، وأخيرا تخليت عن العكاز الأخير هو أيضا بعد حوالي السنة، إلا أنني كنت أعرج خفيفا برجلي التي كان فيها الورم، إلا أنني لم أهتم فالحمد لله الذي عافاني وقد رجعت من الموت إلى الحياة... وللعلم فقد تابعت دراستي رغم كل مامررت به من مرض والام، حيث كانت أستاذتي تزورني في البيت لإعطائي دروسا ومجانا لأنها كانت تحبني،فقد كنت متفوقة، وبعد حين بدأت أمي المسكينة توصلني إلى المدرسة بالكرسي ذي العجلات وتحملني إلى الفصل بالطابق الثاني لأتابع دروسي ثم تعود لتأخذني بعد انتهاء الدروس من جديد، وقد نجحت وكنت جدا متفوقة رغم حالتي وأخذت أعلى درجة على مستوى المدرسة كلها مما أدهش أساتذتي وزميلاتي بالمدرسة، وانتقلت إلى مرحلة أخرى في الدراسة ،وبعد استقرار حالتي بدأت أذهب بالعكازين والعكاز إلى أن تخليت عن كل شيء نهائيا وبدأت أستطيع الاعتماد على نفسي... والحمد لله كنت دوما متفوقة.
..

__________________

أحلى شهد غير متصل   رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 14.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 14.53 كيلو بايت... تم توفير 0.28 كيلو بايت...بمعدل (1.86%)]