|
رد: رحماك يا رب!!!
... دخلت إلى عالمي الجديد، وأصبحت أحب أطفالي(تلاميذي) جدا، خصوصا عندما أحس حبهم لي وتعطشهم للاستفادة من معارفي، لقد كانوا جد صغار، ولطالما أشفقت عليهم من بعد المدرسة عن بيوتهم، فقد كانت المدرسة هي الوحيدة بالمنطقة، ويلجها أطفال دواوير مشتتة وبعيدة، لقد أوكلت إلي مهمة تدريس الصف الأول ولا أخفيكم أنها كانت مهمة جد صعبة، ومسؤولية جسيمة، فقد كنت مطالبة بتربيتهم وتلقينهم مجموعة من القواعد الجديدة عليهم ثم تعليمهم، فهم صفحة بيضاء تنتظر من يملؤها، وقد كانت أصعب نقطة هي الانضباط، فهم أطفال صغار لازالو في طور اللعب ولم يتعودوا بعد على جو المدرسة خصوصا بالوسط القروي الذي يفتقر إلى التعليم الأولي، ولطالما انبعث بكاء طفل من اخر القاعة أثناء إلقائي الدرس، أو أجد أحدهم نائما من تعب الطريق، أو يهرب أحدهم إلى البيت، وقد كاد ذلك يجننني إلا أنني تحليت بالصبر ومع بعض الليونة، والمرح والأنشطة الترفيهية بين الحصص بدأت أكسب حبهم وثقتهم ولم أعد أجد أي صعوية في ضبطهم أو تعليمهم بل أصبح الأمر ممتعا...
كان الأمر يتكرر كل موسم دراسي وطيلة 3 مواسم بحكم أنني اخذت نفس المستوى، فقد أعجبتني براءتهم، وأنني أنا من يضع اللبنة الأساس في تعليمهم، فانطلاقا من هذا القسم يتحدد مسارهم الدراسي فيما بعد، نسجت علاقات مع أهل البيت الذي أقطنه فقد كانوا جد لطفاء، كما كانوا يدعوننا أنا وزميلتي في بعض الولائم، كما أصبحنا (أنا وزميلتي )كواحدتين من نساء الدوار، نبارك لمن ولدت أو تزوجت، ونعزي أهل من توفي وهكذا حتى أصبح لا يخلو جمع منا، فالجانب العلائقي مطلوب في هذه الدواوير حتى نسهل العيش والتواصل، حاولت الانتقال إلى المدينة التي تقطنها أسرتي خلال هذه السنوات الثلاث لكن دون فائدة فهناك من هم أقدم مني، وأكثر مني نقطا أو المتزوجات اللاتي يلتحقن بأزواجهن ولهن الأسبقية طبعا، إلى أن يئست وقررت عدم المشاركة مجددا حتي أكون مؤهلة لذلك.
كانت علاقتي جد جيدة مع باقي الزملاء والزميلات، وكذا مع المديرة، وللأمانة فقد كانت تعاملنا كزميلة لنا وليس رئيسة علينا، وبعد مرور 3 سنوات، وقد كان يوم عطلة زرت فيها المديرة في بيتها أنا وزميلاتي لإطلاعها على بعض الوثائق الرسمية، طلبا لنصحها وتوجيهها شعرت ببعض الالام في رجلي على مستوى الرسغ وعندما عاينتها لاحظت انتفاخا غير اعتيادي كما أنني لم أعد أقوى على السير، خفت و راجعت الطبيب الذي قال إنني أجهدت نفسي أكثر من اللازم ويجب أن أرتاح وممنوع علي الوقوف، كما أعطاني عطلة مرضية لثلاثة أشهر، وشهادة منه تثبت خطر حالتي الصحية وضرورة بقائي قريبة من المراكز الاستشفائية مما يتوجب نقلي إلى المدينة في أقرب وقت.
وهكذا تم نقلي إلى المدينة، كما تم تكليفي بعمل إداري ضمن مجال التعليم لا يتطلب البتة كثرة الوقوف، الحمد لله ولو أنني لازلت بعيدة عن أهلي إلا أنني في حال أفضل مما كنت عليه، وهنا تجلت لي القدرة الإلهية فقد مرضت وشفيت والحمد لله، وقد كان مرضي سببا في نقلي إلى مركز محترم وفي ظروف عيش أحسن ألف مرة مما كنت أعانيه في تلك القرية دون كهرباء أو ماء صالح للشرب أو سكن محترم ... فسبحانك يارب وماأرحمك وماأعدلك.
مرت السنوات وكان يتقدم لخطبتي عدد من الرجال المحترمين إلا أنني لم أجد في نفسي ميلا إليهم كما أن هاجس مرضي وتبعاته التي كنت أعاني منها أقلقني، وخوفني من الارتباط بشخص لا يحترمني ولا يحسن إلي أو يراعي ظروفي ، ومن يدري فربما يعايرني يوما ما بعاهتي أو يسعى للزواج بأخرى أو خداعي مع أخريات وهذا ما لن أتحمله...
كانت أمي المسكينة تتوق إلى أن أستقر في بيتي وأؤسس أسرتي، ولطالما امتدحت العرسان: هذا من بيت فلان وهي أسرة طيبة ويعرف ظروفك وموافق عليها، أو هذا أعجبته كثيرا ويود الارتباط بك مهما كانت ظروفك ... ولكنني كنت أرفض رفضا قاطعا وحتى إذا ضغط علي وقابلته أضع فيه مائة عيب لأتنصل من هذه الورطة..لقد كنت ارفض الكل سواء من طرف العائلة أو من طرف زميلاتي في العمل حتى يئست أمي مني ولم تعد تريد مكالمتي في الموضوع...
استمررت هكذا عامين اخرين، وهنا بدأت أحس بالام كثيرة في رجلي ولم أعد استطيع المشي بها بحرية كما كنت قبلا، خصوصا بعد كسر أصابني بها،واكتشفت أنني أصبحت أعرج كثيرا أي أن طول رجلي نقص مقارنة مع الأخرى إلى أن أصبحت عاجزة تماما عن المشي إلا بعكاز، راجعت الطبيب مرة أخرى وقال إني محتاجة لعملية ويجب أن أخضع لذلك وإلا سأصبح مقعدة مع الوقت.... أصبت بنوبة هستيرية من البكاء، وأخيرا استخرت الله ورضخت للأمر الواقع، وأجريت العملية ، وبعد 3 أشهر من إجرائها وبمساعدة التأهيل الفيزيائي عدت أستطيع المشي بكل سهولة، وهذه المرة دون أن أعرج ولو بشكل طفيف...الحمد لك يارب والشكر لك فقد وسعت رحمتك كل شيء، ياعدل يارؤوف يارحيم، ولكم أن تتصوروا مدى فرحتي وأهلي بهذا التغير في حياتي،عدت إلى عملي، وهنا فاجأني أحد زملائي المستجدين برغبته في الزواج مني، والمفاجأة لأمي أنني قبلت ودون أدنى تردد، فقد كنت أيضا معجبة به، ومازاد من حظوظه لدي هو تدينه والتزامه بتعاليم ديننا الحنيف...لقد تمت مراسم الخطوبة والزفاف في ظرف 20 يوما، لقد كنت كأنني أحلم وسريعا انتقلت للعيش أنا وهو، وحدنا في بيت مستقل لنا.لقد كانت سعادتي لاتوصف، وقد عشت معه أياما حلوة ولازلت أعيشها بالرغم من أنه جد غيور ويثور لأتفه الأسباب، ولطالما نشبت بيننا شجارات بسبب هذه الغيرة المبالغ فيها، إلا انني بت أتفهم وضعه، وأنه لو لم لكن لحبني لما غار علي بهذه الطريقة، واصبحت أتفادى كل ما يمكن أن يثير حفيظته....
__________________
|