سعيد بن جبير و الحجاج
دخل سعيد بن جبير إلى مجلس الحجاج ، حيث جيء به. و هناك نظر رجل من الحاضرين إلى حال سعيد، فبكى ، فقال له سعيد : ما يبكيك قال أبكي لما أصابك فقال سعيد : لا تبك كان في علم الله أن يكون هذا و تلا قوله تعالى : "ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها" .
فقال الحجاج لسعيد: ما اسمك؟
فقال سعيد :اسمي سعيد بن جبير .
فأجابه الحجاج :بل شقي بن كسير.
- بل كانت أمي أعلم باسمي منك .
- شقيت أمك و شقيت أنت .
- الغيب يعلمه غيرك.
- لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى .
- لو علمت أن ذلك بيديك لاتخذتك إلها.
- فما قولك في محمد؟
- نبي الرحمة و إمام الهدى.
- فما قولك في علي، أهو في الجنة أم في النار؟
- لو دخلتها و عرفت من فيها ، عرفت أهلها.
- فما قولك في الخلفاء؟
- لست عليهم بوكيل.
- فأيهم أعجب إليك ؟
- أرضاهم لخالقي.
- فأيهم أرضى للخالق؟
- علمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم و نجواهم.
- أحب أن تصْدُقني.
- إن لم أحب أن أكذبك.
- فما بالك لا تضحك؟
- و كيف يضحك مخلوق خلق من علق و طين، والطين تأكله النار.
- فما بالنا نضحك؟
- لم تستو القلوب.
وأخيرا يشعر الحجاج أنه غير قادر على إضعاف سعيد ، أو دفعه إلى إعطاء الولاء، فيسلك طريقا آخر، هو الإغراء بالمال، فأمر باللؤلؤ والزبرجد والياقوت،فجمعه بين يديه، فقال سعيد : إن كنت جمعت هذا لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح،و إلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، و لا خير في شيء من الدنيا إلا ما طاب وزكا ثم يدعو الحجاج بالعود و الناي ، فلما ضرب بالعود ، و نفخ بالناي، بكى سعيد فقال الحجاج : ما يبكيك ؟ أهو اللعب ؟ قال سعيد: هو الحزن. أما النفخ فذكرني يوما عظيما، يوم ينفخ في الصور،و أما العود فشجرة قطعت من غير حق، وأما الأوتار فمن الشاة تبعث يوم القيامة.
قال الحجاج : ويلك يا سعيد!!
– لا ويل لمن زحزح عن النار و أدخل الجنة .
– اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟
– اختر أنت لنفسك ،فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.
– أتريد أن أعفو عنك؟
– إن كان العفو فمن الله ، و أما أنت فلا براءة لك و لا عذر.
– اذهبوا به فاقتلوه ، فلما خرج ضحك،فأخبر الحجاج بذلك، فردوه إليه و قال : ما أضحكك؟
– عجبت من جرأتك على الله ،و حلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط و قال اقتلوه.
– "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين".
– وجهوا به لغير القبلة.
– "فأينما تولوا فثم وجه الله".
– كبوه على وجهه .
– "منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى".
– اذبحوه.
– أما أنا فأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده ورسوله.خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة.
ثم دعا سعيد على الحجاج بقوله : اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، و قيل: لما بلغ الحسن البصري مقتل سعيد قال: اللهم قاصم الجبابرة اقصم الحجاج فما بقي بعد ذلك أياما حتى وقع في جوفه الدود و أصابه الكزاز.
وهكذا سقط سعيد شهيدا في سبيل الله ونقضي المحنة باستشهاده و لكن تبقى صورة المحنة تتكرر و تصيب أمثال سعيد كلما ظهر على الساحة حاكم ظالم جبار و عالم صابر يصدع بالحق ولا يخشى في الله لومة لائم.