بسم الله الرحمن الرحيم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك .....
نمطين يشكلان طريقين أو اتجاهين فى الحياة.
1- نمط التملك.
2- نمط التحقق الوجودى أو الكينونة.
وكلا النمطين قائم فى طبيعة الكائنات البشرية.
فالأول:
نمط التملك أو الإقتناء يدين بقوته فى التحليل الأخير للعامل البيولوجى الذى هو الرغبة فى البقاء.
والثاني:
نمط الوجود ، المشاركة ، العطاء ، التضحية ، يدين بقوته للسمات الخاصة للوجود الإنسانى وللحاجة الفطرية للتغلب على الوحدة الفردية عن طريق الإندماج مع الآخرين.
ويتضح:
من حقيقة أن هذين الإتجاهين المتضادين قائمان فى طبيعة كل كائن بشري ، أن التركيب الإقتصادى ـ الإجتماعى بقيمه ومعاييره ، يحدد أيهما تكون له الغلبة ...!
هناك نوعان من التملك:
أولهما:
الميل الطبيعى لامتلاك أشياء معينة نستعملها من أجل استمرار الحياة.
وثانيهما:
وهو ما نعنيه حينما نتحدث عن نمط التملك ، أي الرغبة فى الإمتلاك والإقتناء وهى رغبة مكتسبة بفعل ظروف اجتماعية معينة.
والواقع أن:
نظرتنا للملكية الخاصة منحازة للغاية لأننا نعيش فى مجتمع آعمدته الملكية الخاصة ، والربح ، والقوة.
فالشائع أن:
الملكية الخاصة مقولة طبيعية وعالمية ، بينما الواقع أنها الإستثناء لا القاعدة.
اذ لو أخذنا فى الإعتبار التاريخ الإنسانى بأسره ( بما فيه فترة ما قبل التاريخ ) وبوجه خاص الثقافات غير الأوربية حيث الإقتصاد لا يشكل محور الحياة الرئيسي ، فسنجد أن تاريخ الملكية الخاصة قصير بالنسبة لأنواع الملكية الأخرى العديدة.
لكن مجتمعنا الصناعى تسوده معايير تدور حول الرغبة فى حيازة الآشياء ، والإحتفاظ بها واستثمارها من أجل الربح ، ويصبح من يمتلك أكثر موضع الإعجاب ويحتل صدارة المجتمع.
ولا تقتصر خاصة الملكية على ملكية الأشياء بل تتعداها إلى ملكية الأشخاص أى السطوة على الآخرين ، وإلى ملكية الأشياء المعنوية: كالصحة والحب والمتعة مثلا ، بل أن الأشخاص أنفسهم يتحولون إلى أشياء ، فهم ينظرون إلى أنفسهم وإلى غيرهم على اعتبار أنهم أشياء.
بل وتتشكل الأنا لديهم على اعتبار أنها شئ يمتلك ، وأن هذا الشئ هو مصدر احساسهم بالهوية ...!
على أن العلاقة بالأشياء المملوكة هى:
دائما علاقة خارجية ، سطحية وعابرة.
فهى علاقة تعانى من اختلال الآنية أو تغير الذات ، أى أن المالك لشئ لا يحبه لذاته بل لما يمثل من قيم خارجية ، وهى حالة وقتية سرعان ما تزول ، وزوالها يدفع للبحث عن أثارة جديدة: بعقد حقيقة جديدة ، أو حيازة شئ جديد ، أو موديل جديد ، وهكذا.
والممتلكات هى:
مثيرات مثبطة وليست منشطة ، فهى تدعو لتبلد الحواس والقوى الإنسانية ولا تعمل على تنميتها وتعميقها ، وكلما كان المثير مثبطا كلما زادات الحاجة إلى احداث تغير فى نوعه أو فى شدته ، للاحتفاظ بدرجة الإستجابة الإنفعالية بقوتها الأولي ، وعلى العكس ، فكلما كان المثير منشطا كلما آصبحت الإستجابة له طويلة المدى عميقة الأثر ، وكلما قلت الحاجة إلى احداث تغيير فى نوعه أو كمه.
ونمط التملك قد يطبع بطابعه كافة أنواع النشاط الإنساني مثل:
1- المشاعر.
2- الإنفعالات.
3- المواقف.
4- التفكير.
5- السلوك.
6- العادات.
7- المعتقدات.
فالتعلم مثلا:
يستهدف فى هذه الحالة ، استيعاب المادة في الذهن ، والإحتفاظ بها فى الذاكرة لاخراجها عند اللزوم ( الامتحان مثلا ) ، دون أن تصبح مضامينها جزءا من مكونات تفكير الطالب حيث تنمو به وتتسع مداركه.
والقراءة أيضا:
تتحدد مادتها بمتطلبات النجاح ، وكيفيتها أيضا تتحدد وفقا لذلك دون أن تتفاعل مع من السطح الخارجى لجهاز الادراك ، وذلك بدلا من أن تتحدد بالتساؤلات الداخلية وتستهدف فهم الوجود الإنسانى واغناء المشاعر والحواس وشحذ القوى الإنسانية.
وحتى المعتقدات:
تصبح مجرد أمتلاك اجابات لا برهان عليها ، يتم التسليم بها كنوع من التوافق أو الخضوع لما هو سائد ، وتظل مجرد مظهر خارجى بمنأى عن أن تتحول إلى نظام توجيهى داخلى يشكل قوام المشاعر والمواقف والسلوك.
وممارسة السلطة كذلك:
تتخذ طابع ممارسة القوة اللاعقلانية التى تستهدف استغلال الأشخاص الخاضعين لها ، بدلا من أن تكون قائمة على الكفاءة ومستهدفة تعليم وافادة من هم خاضعون لها.
وعلاقة الحب أيضا:
تتخذ طابع امتلاك للطرف الآخر والسيطرة عليه ، أو تصبح نوعا من الإعتمادية المتبادلة ، بدلا من أن تكون علاقة تكامل بين شخصين ناجحين مستقلين تنمى وتثرى امكانات كل منهما.
وجدير بالملاحظة:
أن التابو الجنسى ( التعامل مع الجنس على أنه شئ محرم ) هو من خصائص المجتمعات القائمة على نمط التملك ، وهو الذى يؤدى إلى الجشع الجنسى وإلى المقايضة الجنسية.
ويصاحب التملك دائما:
شعور بعدم الأمان وبالتوجس.
فلأننى من الممكن أن أفقد ما أملك ، فأننى بالضرورة دائم التوجس أن أفقد ما أملك ، لذلك فأننى أتخذ موقف الدفاع ، وأصبح جاف الطبع ، مرتابا ، وحيدا ، مدفوعا بالحاجة إلى اقتناء المزيد فى سبيل تأمين وضعى.
والعناصر الأساسية التى تشكل جوهر العلاقة بين الأفراد الذينيحيون فى ظل هذا النمط هى:
التنافس والخوف.
فاذا كانت الملكية هى:
أساس احساسى بأنيتى لأننى " ما أمتلك " ، فان الرغبة فى الإمتلاك تقود بالضرورة إلى السعى لامتلاك المزيد ثم المزيد.
وذلك هو:
الطريق الممهد إلى الجشع ، والإنسان الجشع لايصل إلى حد الإكتفاء أبدا ، فليست لديه نقطة تشبع لأن ما يستهلكه لا يملأ فراغه الداخلى ، ولا يخلصه من سأمه ولا وحدته ولا اكتئابه.
وبما أن مجمل الإنتاج:
لا يستطيع تلبية الإحتياجات التى بلا حدود للأفراد من هذا النوع ، فالنتجية المنطقية لذلك هى التنافس والصراع بين الأفراد فى سعيهم للحصول على المزيد.
والصراع بين الطبقات ( وبالذات بين المستغلين ) كان وسيظل سمة أساسية من سمات المجتمع القائم على الملكية. فستظل هناك على الدوام طبقات متصارعة فى أى مجتمع يقوم على نمط الملكية ، أيا كان مستوى الثراء الذى عليه ذلك المجتمع.
( يتبع ..... )