السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والمسئول الأول عن تكوين اللاشعور هو:
المجتمع.
فالمجتمع بما ينتج من انفعالات لا عقلانية ، وبما يمد به أفراده من مختلف أنواع الوهم ، أنما يدفع الحقيقة إلى ان تتوارى خلف العقلانية المزعومة ، فالواقع أن قدرا كبيرا من طاقاتنا أنما يوجه إلى أخفاء ما نعرف عن أنفسنا.
فالطريق إذن إلى تحقيق نمط الوجود:
إنما يكمن بالتحديد فى نفاذنا عبر السطح الخارجى وامساكنا بالحقيقة.
غير أن ثمة شروطا لابد من توافرها حتى يصبح تحقق ذلك النمط ممكنا ، تلك هى:
1- الإستقلالية.
2- الحرية.
3- العقل النقدى.
والحرية هنا تعنى:
ما هو أعمق كثيرا مما هو شائع عنها ، فهى تعنى التحرر الإنسانى الحقيقى ، ثم كافة ما يعوق ازدهار وتفتح قواه الخاصة ، ذلك الإزدهار الذى يمارس تلقائيا كهدف فى ذاته وليس مجرد وسيلة لغاية أبعد منه.
ولعل هذا المعنى للحرية يتضح أكثر حينما نعرف أن:
نطاق الحرية لا يبدأ الا بعد تجاوز النقطة التى يخضع فيها العمل لقهر الضرورة ولمتطلبات الإستعمال الخارجية ، فمن طبيعة الأشياء ذاتها ، أن الحرية تقع خارج دائرة الإنتاج المادى بالمعنى الدقيق للكلمة.
فكما أن الانسان البدائى كان عليه أن يصارع الطبيعة كى يلبى احتياجاته ، وكى تستمر حياته ويحافظ على بقائه ، كذلك فان على الإنسان المتحضر أن يفعل الشئ نفسه ، وعليه أن يفعله تحت كافة الأشكال الإجتماعية ، وتحت كافة أنماط الانتاج الممكنة.
ومع تطور الإنسان يتسع نطاق الضرورة الطبيعية لأن احتياجاته تتزايد ، لكن قوى الإنتاج التى تلبى عن طريقها تلك الإحتياجات تتزايد بدورها ...!
والحرية فى حدود هذا المجال:
لا يمكن أن تعنى سوى أن الإنسان الإجتماعي وأن المنتجين المتفانين معا ، بمقدورهم:
1- أن ينظموا علاقتهم المتبادلة مع الطبيعة بأسلوب عقلانى.
2- أن يخضعوا الطبيعة لسيطرتهم الجماعية ، بدلا من أن يدعوها تتحكم فيهم كما لو كانت قوة عمياء.
3- أن ينجزوا مهمتهم تلك بأقل قدر من الطاقة ، وفى ظل شروط لائقة بطبيعتهم الإنسانية ، وجديرة بها إلى أقصى حد.
لكن:
يظل هناك على الدوام نطاق من الضرورة.
وخارج هذا النطاق:
يبدأ النطاق الحقيقى للحرية ، لنمو القوى الإنسانية باعتباره غاية فى ذاته ، تلك الحرية التى على أية حال ، لايمكن لها أن تزدهر الا فوق نطاق الضرورة بوصفه قاعدة لها.
******************************
بتصرف عن:
كتاب " سقوط الوعد العظيم " ... " أريك فروم ".
د. عاطف طنطاوي.