منتدى عالم الحياة الزوجية

هذا المنتدى خاص بالمتزوجين والمقبلين على الزواج وهو أحد مواقع شبكة منتديات !Yahoo مكتوب. ، انضم الآن واكسب المعرفة من أهل الاختصاص واعرض مشاركاتك و تعرف على اصدقاء جدد



+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 13 من 13
Like Tree3Likes
  • 1 Post By
  • 1 Post By
  • 1 Post By

الموضوع: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

  1. #1
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    ليلة أول امس لم استطع النوم ...مبارك في طره ...يالله
    تذكرت ليلة 1 مارس عام 2007 حين اعتقلت بعد شكوى كيدية من احد القساوسة قدمها مباشرة لرئاسة الجمهورية بسبب نشاطي في مقاومة التنصير وقتها
    بعد اقل من 24 ساعة فقط من تقديم الشكوي تم اعتقالي انا وصديق عمري حسام ابو البخاري والاستاذ على الريس وعدد من اعلام مقاومة التنصير وقتها

    ظللنا شهر كامل في سلخانات امن الدولة ويوم 1 مارس وضعت الكلابشات في يدي وتم اقتيادي وحيدا لسجن طره

    على بوابة السجن خلعت الجينز والهاف كول والكوتشي ولبست الخيش الابيض ... وكتب على ملفي جملة "ايداع بمعرفة الجهاز" علمت فيما بعد ان المقصود بالجهاز هو جهاز امن الدولة وان اي تعامل معي يتم بتعليمات من الجهاز وباوامر مباشرة من الضابط احمد شوقي ضابط امن الدولة بالسجن فقط
    والله كان يقترب مني المخبريين ويسالوني همسا :انت عملت ايه ؟
    وعندما كنت اجيبهم اني ناظرت احد القساوسة في معرض الكتاب وافحمته ...كانوا ينظرون الي بعين الشك ..فالاجراءات الامنية المتبعة معي كانت صارمة وقاسية لدرجة ان ضباط السجن كانوا يتعجبون منها

    فعلى سبيل المثال تم ايداعي زنزانة انفرادية متر ونص وفي 2 متر
    في ممر مفصول عن باقي الزنانيين الاخري بباب حديدي مصمت وهذا الممر مغلق بثلاث ابواب من الجهة الاخرى.. كما تم اخلاء جميع الزنازيين الموجودة بالممر بحيث اكون وحيدا تماما
    ممنوع خروجي من الزنزانة تماما باي حال .. ظل باب الزنزانة مغلق عليّ قرابة ثلاثة اشهر لا ارى فيها وجه انسان او اسمع صوته سوى الشاويش وهو يناولني من شباك الباب صحن من الفول وبعض الارغفة كل صباح ...

    وحين وردت اشارة من جهاز امن الدولة باخضاعي للفحص الطبي وعلى عكس كل المسجونيين كان طبيب السجن يضطر للانتظار حتى الساعة الثالثة عصراً حيث تنتهي ساعة الفسحة لباقي المسجونين و يتم اغلاق الابواب على الجميع ..ثم يحضر مخبر وشاويش إلى زنزانتي ويصطحبوني للطبيب السجن
    كان الطبيب في سجن الاستقبال طبيب مدني منتدب من مصلحة السجون ولم يكن طبيبا عسكريا ولهذا كانت فيه بقية من ادمية ..كانت التعليمات صارمة للجميع ممنوع ان اترك بمفردي حتى اثناء توقيع الكشف عليّ





  2. #2
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    كان الطبيب يحاول اقتناص اي غفلة من الحارس ليسألني عن سبب هذه الاجراءات الامنية المشددة حولي
    منعت من زيارة اهلي ومنعت من رؤية الشمس ومنعت من سماع او مشاهد اي مخلوق لمدة ثلاثة اشهر
    كنت اقضى وقتي بين المصحف والصلاة والنوم فقط

    وبعدها كان اللواء سمير سلام مدير ملصحة السجون الجديد وقتها يتفقد سجن الاستقبال فجاة نظر إلى زنزانتي وقال "أفتح هنا"
    والله العظيم فزع حين رأني بمفردي وقال انت لوحدك هنا
    ؟ نعم يا افندم ؟
    قالي من امته ؟ قلت من ساعة ما جيت يعني قرابة 3 شهور
    انت جي في أيه ؟ قلت والله ما اعرف انا لقيت قسيس بيتكلم مع شباب مسلمين في معرض الكتاب فتدخلت في الحوار ودار ما يشبه المناظرة بيني وبينه وبعدها قبض عليا وجبوني لهنا

    تقدم اللواء عمر الفرماوي -الذي كان يشغل وقتها منصب مدير مباحث مصلحة السجون قبل ان يتم تعينه مدير امن 6 اكتوبر ويصبح متهم رئيس في قضية مبارك والعادلي -
    تقدم الفرماوي لكيس معلق بجوار باب الزنزانة فيه بعض الادوية
    رفع شريط في وجوه الضابط وقال "ده بياخد دينترا " وهو دواء شهير للقلب
    انزعج سمير سلام وقال "لا لا لا ده مينفعش يقعد لوحده " مال احد الضباط على اذنه وهمس اليه"يا افندم ده تبع الجهاز"هز سمير سلام راسه وقال طب نقصك حاجة ..قلت بتهكم الحمد لله يا افندم وانا هعوز اكتر من كده ايه "

    اغلق باب الزنزانة وانا اضحك من قلبي ..وفي اليوم التالي أسر لي الشاويش ان مدير المصلحة قال لضابط امن الدولة "يا احمد بيه ده ممكن يموت وساعتها انا الي هتحاسب عنه والتقرير بيقول انه شخصية معروفة ..لو عايز تعزله حطه لوحده بس يكون جنب ناس بحيث لو تعب ولا حصله حاجة الناس تنبهنا "
    وقد كان فتم نقلي بعد يومين من عنبر "ج" لزنزانة انفرادية اخرى بعنبر "د" كان فيه الاخوة المتهمون بتفجيرات سيناء والازهر وسمح لي بالخروج ساعة يوميا للتريض ..لكنهم رفضوا السماح لاهلي بزيارتي حتى اعلنت اضرابا عن الطعام لعدة ايام وساءت حالتي وتم استدعاء اللواء عمر الفرماوي مرة اخرى وضابط مجهول من امن الدولة وتعهدوا بالسماح لاهلي بزيارتي مرتين في الشهر .

    في قلب هذه المحنة رزقني الله منح عديدة ... فادركت قيمة القران واثره في الانسان وادركت نعمة قيام الليلة والصلة المباشرة بالله واردكت قيمة الدعاء ومدي فاعليته
    كانت تمر عليّ لحظات في زنزانتي الانفرادية اتعجب واسجد شكرا لله على هذه السعة والطمأنينة التي اجدها في صدري رغم وضعي البائس .

    تذكرت هذا وانا اقرء عن أول ليلة لمبارك في زنزانته الفارهة التي لا تبعد كثيرا عن زنزانتي الانفرادية القديمة

    هل كنت اتصور وانا في لحظاتي العصيبة هناك والشيطان يحاول ان يزرع اليأس والخور والحزن في قلبي ان مبارك بعد خمس سنوات سيكون في زنزانة مجاورة !!

    كما اني الان لا ادي ما يحدثه الله تعالى بعد خمس سنوات من الان
    لكني ادري جيدا ان المستقبل للإسلام وان الله تعالى قال "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ




  3. #3
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    الخبر: الخبر مصلحة السجون رفضت طلب من علاء وجمال مبارك بالانضمام إلى مبارك الاب في مستشفي السجن

    هل يذكرني هذا بشيء ؟....طبعا
    موقف ابكي كلما تذكرته
    في اعتقالي الثاني الذي امتد لقرابة 6 سنوات حصلت كالعادة على حكم قضائي بالإفراج عني ..وكانت طريقة امن الدولة في الالتفاف على احكام الافراج ان يتم ترحيل المعتقل من السجن إلى مقر امن الدولة ثم يكتب الضابط مذكرة بالإفراج عنه . ويظل المعتقل حبيسا في زنزانة امن الدولة وفي اليوم التالي يكتب الضابط مذكرة اخرى يقول فيها أنه تم الافراج عن المذكرة وبمراقبته تبين أنه عاود نشاطه المتطرف مرة اخرى فتم القبض عليه وصدر بحقه قرار اعتقال جديد !!


    هذه المهزلة كانت تتقرر كل شهرين تقريبا ولك ان تتخيل أني قضيت 6 سنوات معتقل بلا تهمة ولكما حصلت على حكم قضائي بالافراج كل شهرين تقريبا تتكرر معي هذه المسرحية


    وفي أحد هذه المهازل قررت وزارة الداخلية ان يتم ترحيلنا لأحد اقسام الشرطة القريبة من معتقل الفيوم الذي كنا فيه بسبب اجراءات أمنية في القاهرة


    تم ترحيلنا إلى قسم ابشواي بالفيوم وضعنا في زنزانة خاصة بنا ..وبعد قليل جاءت ترحيلة اخرى قادمة من معتقل الوادي الجديد كان يفترض بها ان تتوجه للجيزة... سياسة امن الدولة تتعمد تشتيت اهالى المعتقلين وإرهاقهم فيتم اعتقال شخص من الفيوم – مثلا- في معتقل بالوادي الجديد مع ان الفيوم بها معتقل كبير يسع قرابة عشرين الف معتقل .. وهكذا في كل محافظة يغرب المعتقل عن اهله لأبعد معتقل حتى يرهقوا الاهل ويذلوهم .


    كان في الترحيلة اخ اسمه رجب من محافظة الفيوم معتقل منذ ثلاث سنوات وغير مسموح لأهله بزيارته ، جلس بجواري وظل يقص عليّ اصنافا من التعذيب الذي يمارس عليهم في معتقل الوادي الجديد حتى أنه قتل منهم قرابة السبعين شخص في حفلات التعذيب التي يستقبلون بها المعتقلين وتسمى "حفلة الاستقبال"0


    أحسست ان رجب لديه الم عميق يسري عنه بالحديث معي ظللنا نتبادل الحديث وابتسامته الصافيه لا تخفي ملامحه الحزينة ..وحين سألته "انت متزوج يا رجب " تلاشت عن وجهه الابتسامة وقال هامسا "ايوه الحمد لله"


    احسست بالحسرة تقتر من كلماته سألته عندك اولاد ؟


    هناك اختنق صوته بالبكاء واغرورقت عيناه ..حاول ان يتصنع البسمة وهو يقول عندي عائشة ..اطرق رأسه ووضع يده على عينه يسمح دمعة متمردة لم تستجيب لرغبته في الكتمان وهو يقول اعتقلت وعمرها سنة واحد وحتى الان لم ارها .


    اضاف وهو يبكي: احد اخونا في معتقل الوادي اعتقل وطفله في سنة عائشة وحين سمحوا لأهله بزيارته بعد خمس سنوات وقف الولد ليقول لابيه الذي يراه للمرة الاولى "ازيك يا عمو"


    كانت ملاحم رجب تمزق اوصالي اكثر من كلماته ..سألته اذا كنت من الفيوم وهنا الان فيها فلماذا لا نتصل بأهلك ونخبرهم بمكانك فيأتون لزيارتك قال طلبت من الضابط فرفض و قال ممنوع


    قلت يا عم هو احنا في قسم يعني عشرين جنية لمخبر ولا شاويش هيخلص الموضوع ..قمت بالفعل وتحدثت مع الشاويش وكالعادة جرت مفاوضات ومقايضات اخذ الشاويش بعدها رقم تلفون بيت رجب واتصل بهم ليأتوا لزيارته ..


    بعد ساعات قليلة وقف الشاويش على باب الزنزانة وقالي يا شيخ خالد أهل رجب بره بس مش هينفع يدخلوا عشان المأمور قعد ظابط يشوف الدخول لزيارة المسجونين والقسم اتقلب من ساعة ما قالوا السياسيين جيين


    قلتله يا عم يقولوا دخلين لأي متهم وخلاص ..قالي والله ما هينفع ده زوجته منقبة وهيعرف انها جايلكم و هيدخل معها لحد ما يشوف دخله لمين عرضت عليه اموال اخرى فرفض عرضت عليه فكرة ان تدخل ابنته مع اي أسرة داخلة لزيارة المحبوسين جنائيا ثم تاتي لزيارة والدها فوافق


    أخبرت رجب ان يتهيأ لرؤية طفلته ... كانت المرة الاولى التي أرى انسان يرتعش من السعادة ...تتعثر قدماه ويعجز عن الوقوف ..عيناه تذرف الدمع صبابا..


    قام رجب فاخرج ثيابا بيضاء نظيفة وتعطر ومشط شعره ..وجلس بجوار الباب كأنه سيفتح الان ليخرج إلى الدنيا المحروم منها منذ سنوات


    كنت اقف على شباك الباب ارقب القادم ورجب يجلس تحت قدمي حين دخلت طفلة تشع براءة تتلفت حولها تبحث عن ابيها وخلفها الشاويش يحمل كيس الطعام الذي عجزت يدها الرقيق عن حمله


    كانت الطفلة تنادي :أبي ..أبي انتفض رجب واقفا ينظر لطفلته التي لم يرها منذ ثلاث سنوات ..ضغط على صدره بقوة لينطلق باسمها ..عااائشة بلا نحيب


    قلت للشاويش افتح الباب بسرعة ...ففاجئني قائلا بكل برود :مش هينفع والله يا شيخ خالد


    صرخت فيه انت بتستهبل افتح الباب ..الراجل نفسه ياخد بنته في حضنه ..طأطا رأسه قائلا والله العظيم مفتاح الزنزانة دي في مكتب المأمور ذات نفسه ..ضربت رأسي في الحائط ونظرت إلى رجب الذي لم تترفع عيناه عن طفلته قلت للشاويش طيب شيل عائشة عشان تسلم على ابوها


    حملها الشاويش على شباك الباب وأصبحت وجها لوجه امام ابيها لا يحول بنيهم سوى هذه القضبان الغليظة


    ليتني ما وقف ساعتها بجوارهم ..ليتني اصلا ما عرضت على الرجل رؤية ابنته ...ليتني ما رأيت هذا الموقف ولا سمعت هذه الكلمات التي لا تزال تعتصر قلبي كما تذكرتها


    بكل براءة الدنيا مدت عائشة يدها الصغيرة بين القضبان إلى لحية ابيها المبتلة وهي تقول :وحشتني أوي يا أبي ..انا عرفاك كويس ...وبحبك اوي ..ماما بتوريني صورتك كل يوم الصبح وتقولي أبي في سبيل الله ..عايزه ابوسك يا ابي ..انا ببوس الصورة كل يوم الصبح .. بس عايزه ابوسك انت ..كانت اناملها تسرح بنعومة في لحية ابيها المبللة بدمعه الحار والذي لم يستطع ان ينطق بكلمة واحدة ... لم تفاجئني دموع الشاويش فلو شاهد الشطان هذه الموقف لبكي ... الا مبارك وزبانيته


    كانت عائشة ذات الاربع سنوات ترتجل لأبيها بكل الحب ما تستطيع قوله : امي واقفه بره مش عارف تدخل هي بتعيط ..بس هي اديتني الاكل وقالي لي ابوس ايديك واسلم عليك ... احنا مستنينك يا ابي في البيت ..انت مش هترجع يا ابي معانا ..طب هترجع امته ..


    كنت اشعر بكلماته البريئة تكوي اضلع والدها العاجز حتى عن احتضانها ..كانت رجب يمسك بكف ابنته ويقبله ..حين قال الشاويش معلش يا شيخ كفاية كده والله العظيم لو بيدي كنت فتحت الباب ولا حتى روحته ...


    كانت عائشة ساكتة تنتظر من ابيها كلمة وهو الذي طال سكوته لعجزه عن الكلام


    فقلت لها يا عائشة قولي لماما بابا كويس وبيسلم عليكم كلكم وان شاء الله هيرجع قريب وهيوديك المدرسة كل يوم





    نطق رجب بكلمات متقطعة لطفلته :انا بحبك اوي يا عيوشة ... انت نور عيني يا حبيبتي ..قاطعه الشاويش والله ما هينفع اكتر من كده يا شيخ ياله يا عائشة .. قالت عائشة بسرعة وكانها تذكرت شيئا هاما لابيها ..ماما عملتلك الاكل الي بتحبه وجبنالك عنب وحاجة ساقعة ... وببراءة شديدة قالت مع السلامة يا ابي ..مع السلامة يا أبي ولوحت بيدها ثم اختفت .. انخلع قلبي من هذه الكلمة .. وضعت راسي بين ركبتي وانهمرت في البكاء ...كان الجميع يبكي ..يتالم ..يأن .يشكوا إلى الله هذه الطغيان الوحشي ..يدعو على مبارك واعوانه ..يطلب الرحمة من الله تعالى


    لم استطع ان اقترب من رجب طول هذه اليوم ..وفي الصباح كانت قرارات الاعتقال الجديدة صدرت من امن الدولة عاد رجب لمعتقل الوادي الجديد ..وعدت انا لمعتقل الفيوم


    وظلت عائشة بيدها الناعمة وكلماتها البريئة تنغص عليّ حياتي وتسيل دموعي حتى لحظة كتبابتي لهذه القصة بعد سماعي خبر رفض طلب علاء وجمال الانضمام لمبارك في مستشفي السجن





    اللهم فرق بينهم وبين ما يحبون ..كما فرقوا بين الاب وابنته وبين الام ووالدها وبين الزوج وزوجته





  4. #4
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    قبل الفجر كنت اللصق بوسترات ضد شفيق ..وبعد الفجر أسرعت السيارة للحاق بطابور البنزين ..ثم عدت اتابع التقارير عن محاكمة مبارك
    في هذه المراحل كلها لم يكن في ذهني سوى صورة "أبو إيمان "
    من هو "أبو إيمان"
    في عام 98 دخل علينا في المعتقل شاب يبلغ من العمر 24 سنة .اعتقل لان اخاه الاكبر كان عضوا في الجماعة الاسلامية واتهم في أحد القضايا ونكاية في الاسرة تم اعتقال الاخ الاصغر أيضا مع أنه غير منتمي لاي تيار وهو يصلي فقط ... هذه الاخ الاصغر كان لديه ولد اسمه اسلام يبلغ من العمر عام واحد وبنت اسمها ايمان تبلغ من العمر ثلاثة أعوام
    أبو ايمان مريض منذ صغره بالسكر ويعيش على حقن الانسولين ..وعند ترحيله من جهاز أمن الدولة بالجيزة -الشهير باسم جابر بن حيان- إلى معتقل دمنهور ..تم استقباله كالعادة بحفلة تعذيب رهيبة وتعمد ضباط المعتقل كسر كل الادوية التي يحملها كما هي عادتهم

    ..دخل أبو إيمان علىَّ الزنزانة رقم2 بعنبررقم2 ايضا ..كان عددنا في الزنزانة قرابة الثلاثين معتقلا ..كان الشاب مذهولا يرتجف من التعذيب والخوف والقلق ..حاولنا طمئنته والتهوين عليه.. بعد قليل بدء يتحسس ملابسه ليخرج صوة لاطفاله استطاع اخفائها ..نظر اليها طويلا وسكت .

    وفي صباح اليوم التالي طلب منا أن ندبر له حقنة انسولين ..ولم يكن بوسعنا هذا فطبيب السجن - العميد دكتور أحمد نبيل- أحد كبار المجرمين الذي قتلوا الكثير من الشباب ويكفي أن تذكر اسمه أمام أي معتقل سياسي لتسمع عشرات القصص التي تعمد فيها قتل المعتقلين ووكان لا يسمح باي أدوية تدخل للمعتقلين ..استخدمنا حيلة فطلبنا من الشاويش أن يخرجه للقاء طبيب السجن لانه مريض مرض معدي قد يعدي الجميع حتى الشاوش نفسه
    خرج أبوإيمان لمستشفي السجن وعاد بعد دقائق وقد ازرق وجهه من كثر الضرب ..فطبيب السجن المجرم عندما علم بحقيقة الموقف انهال عليه ضربا ثم رده إلى الزنزانة بلا دواء...حاولنا بعدها كثيرا أن ندبر له حقنة انسولين فلم نفلح .
    في اليوم التالي كانت حالته الصحية تتدهور قررنا أن نتحمل الاذي ونرفض استلام الطعام حتى يحصل على الدواء وبالفعل رفضنا ..وبعد عدة ساعات اغلق المعتقل واقتحمت القوة الضاربة من الامن المركزي والمباحث وامن الدولة والكلاب البوليسية علينا الزنزانة واشبعونا ضربا وتعذيبا وصعقا بالكهرباء لكننا قررنا أن نستمر للنهاية ورفضنا أن نستلم الطعام حتى تصرف له حقن انسولين نشتريها نحن بأموالنا المودعة في خزانة السجن .. لكنهم رفضوا وتركونا بلا طعام وبلا دواء .
    كانت حالة "أبو إيمان " تتدهور بشدة و بدء يدخل في غيبوبة ..و بمجرد فتح باب الزنزانة لعد المعتقلين في الصباح حملناه ووضعناه خارج الزنزانة وقلنا لهم اقتلونا أو اقلتوه لكننا لا ندعه يموت بيننا ...تركوه ملقي في الارض الباردة ساعات ثم حضر ضابط أمن الدولة وعقد معنا اتفاق ...نقبل الطعام وننهى حالة الاضراب مقابل أن يعرض المريض على طبيب السجن ويصرف له الدواء وبالطبع قبلنا .
    أتي الجنود وحملوه للطبيب وأدخل الشاويش الطعام للزنزانة ..بعدها بقليل عاد الجنود به هو محمول على اكتافهم كما خرج ..ادخلوه سريعا واغلقوا الابواب وخرجوا ...وحين اقتربنا منه كان لا يزال في غيبوبة السكر وكانت رائحة الشواء تفوح من قدميه التي حرقها الطغاة باعقاب السجائر ...
    وقبل صلاة العشاء أفاق ابو إيمان من غيبوبته ... أفاق وهو يتسأل بهلع :ما هذا الظلام ؟!.. لقد فقد المسكين بصره
    انهمرت الدموع من عيني وعين إخواني ..امسكت بصورة طفلته "إيمان" التي كان يتأملها طوال الوقت ...حين نظرت الي ابتسامتها انهرت ووقعت على الارض ..تمنيت وقتها ان اهديه بصري لينظر به إلى طفلته الجميلة كما كان يفعل دائما
    جلسنا طوال الليلة نبكي ونصلي ونتضرع إلى الله تعالى ان يشفيه وييسر له امر حقنة انسولين ثمنها بخس لكن يضن الطغاة عليه بها

    وفي الصباح ابلغناهم بما حدث له وظننا أنهم قد يوقفوا هذه المذبحة له ..لكنه لم يحدث .. لم يكن في وسعنا سوى رفض استلام الطعام مرة اخرى ..فلم يابهوا لنا ..حل الظلام وبدء أبو إيمان يدخل في غيبوبة اخرى ...ظللنا نصرخ على الشاويش "أخ بيموت يا شاويش" فكان يجيب بنبرته القاسية .."لما يموت ابقه قولي عشان نرميه في الزبالة "
    وفي منتصف الليل كنت اضع وجهي في الحائط ويدايّ على رأسي أحاول ان ابقي صامد ولساني يلهث " لاحول ولا قوة الا بالله "
    حين صرخ المنادي " الاخ مات يا شاويش "
    نعم مات أبو إيمان ..وكتب على اطفاله ان يعيشوا عمرا طويلا في ظلمة اليتم والحرمان
    انتفضت مذهولا ..نظرت الي وجهه ولم أرى شيئا اخر بعدها ...افقت وقد غسلوه ووضعوه لنصلي عليه .
    لا ادى كيف كانت صلاتي لم استطع أن أفعل شيئا سوى البكاء والنحيب
    ثم فتح بابا العنبر ووجدنا أمامنا عدد هائل من الجنود والضباط بالاسلحة والصواعق الكهربائية ...امرونا أن نتراجع لأخر الزنزانة وندير ظهرنا للباب ..وحذرونا من أي حركة ستقابل باطلاق الرصاص الحي فتح الباب طرف عين ثم اغلق ..سحبوا جثمان الشهيد ، واختفوا ...
    تم تحرير محضر رسمي أنه كان يعاني من أزمة قلبية ونقل للمستشفي السجن وأجريت له كافة الاسعافات والاجراءات الطبية لكنه مات بلا تقصير من إدارة السجن ..طلبوا ثلاثة من المعتقلين ليشهدوا بهذا في المحضر فرفضوا ..تم تعذيبهم واقتيدوا إلى عنبر التأديب ..واغلاق المحضر بشهادة اثنين من المسجونين جنائيا في المستشفي على هذا .

    هذه قصة واحدة من الالاف القصص التي رأيتها بأم عيني في معتقلات مبارك والعادلي وحسن عبد الرحمن ...مبارك الذي يحاكم اليوم ..ليس لانه قتل أبو إيمان والمئات غيره..ولكن لأنه حصل على فيلا رشوة ...كأننا نحاكم "رئيس حي" أو محافظ مرتشي وليس مجرمًا من أعتي طغاة البشر




  5. #5
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    "الانتصار على الجوع"

    كانت الشمس تميل للغروب يوم 11 مارس سنة 1993... حين استقرت سيارة الترحيلات بنا أمام سجن "أبي زعبل " الشهير... كنا مجموعة من الشباب الصغير أكبرنا لا يتجاوز عامه العشرين وكنت انا اصغرهم في الخامسة عشر من عمري ..وكان اغلبنا مُرحل من زنازين فرق الامن المركزي بالكيلو 10 طريق مصر اسكندرية الصحراوي والذي كانت امن الدولة تتخذه كمقر للتحقيقات حين تزدحم مقراتها بالمعتقلين السياسيين
    كنت قد قضيت قربة الاسبوع في احد
    مقرات امن الدولة بالجيزة حيث التعذيب المتواصل ..ثم رحلت لفرق الامن حيث بدء التحقيق معي من جديد وأستمر قرابة الاسبوعين عرفت فيهما معني الحبس الانفرادي للمرة الاولى في حياتي ...
    وقفنا على بوابة المعتقل بحالة مزرية للغاية ..جروح تنزف ودماء تلطخ الملابس المهللة المتسخة وأقدام حافية وشعور هائشة وعيون ذابلة ظلت لأسابيع معصوبة لا ترى النور
    قلّب ضابط مباحث السجن اوراقنا ثم اقترب مني وقال عندك كام سنة ؟
    فاجبت : 15
    :بتدرس ؟
    :طالع تالته اعدادي
    :منين ؟
    :من امبابه- الجيزة
    :طيب اقف على جنب
    ثم نادي لأحد المخبرين وقال له اجمع لي العساكر والشاويشية والمخبرين حالا .

    لم افهم المقصود وشعرت بالخوف ..نظرت لإخواني الذين يقفون بعيداً عني فرأيت القلق على وجوههم ..بعضهم حاول طمأنتي بابتسامة متكلفة زادت من قلقي وخوفي...
    دقائق وكان الجميع يقف امام مكتب الضابط الذي خرج على الفور وطلب مني ان اقترب ..اقتربت فوجدته يضع يديه على رأسي ويسحبني لاقف امامه مباشرة ووجهي للعساكر والمخبرين ..كان بعضهم ينظر إليّ متحيرا في أمري والبعض الاخر يتصنع الحدة والغضب ليخيفني لكني شعرت بيد الضابط فوق رأسي لا تنوي الشر
    بدء الضباط يتحدث "أسمعني كويس يا ابني أنت وهو ..الي قدامكم ده ثم سألني" اسمك ايه .. قول اسمك بصوت عالي ..فنطقت باسمي فقال الي قدامكم ده معتقل سياسي ..بدء البعض يضحك ..فعقب الضباط ..احفظوا وجهه كويس لأنه ممكن يخرج مع الاهالي في الزيارة ومحدش هياخد باله .
    كان الجميع بين ضاحك وساخر وقال أحد المخبرين والله يا أشرف بيه حسني مبارك اتجنن هو خايف من العيال دي ..مط الضابط شفتيه ثم اعاد التأكيد على حفظ ملامحي ودخل مكتبه ولم يعقب على سخرية المخبريين
    تركونا لمدة نصف ساعة ثم عاد أحد المخبرين وبصحبته شاويش واصطحبنا لعنبر "أ " بسجن أبي زعبل الصناعي وفي الدور الثالث فتح زنزانة رقم 35 التي كانت فارغة تماما من أي شيئ فادخلنا وكتب اسمائنا على ورقة ولصقها على الباب من الخارج وانصرف
    انفجر اخواني في الضحك على ما حدث معي وظللنا نتبادلنا التعليقات الساخرة ..كانت الزنزانة مظلمة وبلا طعام أو فراش أو غطاء وبها أربع نوافذ عملاقة تصب السقيع على أرضيتها الخشنة ..توضئنا وصلينا وجلسنا للمرة الاولى منذ اسابيع –مرت علينا اثقل من السنين - بلا تحقيق ولا تعذيب ولا عصابة على العين

    كالعادة ابتدئنا بالتعارف ثم اخذ كل شخص يحكي لنا قصته ولماذا اعتقل وظللنا في حالة من السمر حتى منتصف الليل تقريبا ..كنا منكمشين ومنزوين من البرد في ركن صغير من الزنزانة واقتنصنا النوم على هذه الحالة الوحد تلو الاخر..وحين وضعت رأسي على يدي لأنام كنت افكر في سعاتي الاولى في معتقلات مبارك الغير أدمية وضحكت و أنا أتذكر رسالة مكتوبة ارسلتها لي أمي في فرق الامن عن طريق أحد جيراننا الذي كان مجندا هناك ..كانت توصيني بالصبر وتذكرني بالفرج وتنصحني "كُلّ كويس ..واتغطي كويس وحط البيجاما جوه البنطلون عشان متخدش برد وانت نايم " ضحكت من قلبي فأنا أنا الان على البلاط بلا فراش و لاغطاء ولا بيجاما أصلا ولم اذق الطعام منذ يوم كامل .
    في الصباح استطعنا رؤية الزنزانة بكل تفاصيلها لم تكن تختلف عما شاهدناه مساءً سوى في لون الحائط الازق الكئيب وبعض الكتابات المخطوطة على الجدران تحمل ايات الصبر وتوصى باليقين والثبات
    قمنا إلى الماء فمسحنا الزنزانة ولم نجد ما نغطي بها ارضيتها فجلسنا على ثيابنا ونحن نتشاور كيف ندير حياتنا في هذه العلبة الصخرية المغلقة
    مرت الساعات والجوع يزحف معها بقلقه وإزعاجه ..انتصف النهار ونحن نقتل الوقت بالحديث والفكاهات ..لكن الفكاهة لا تغني ولا تسمن من جوع ..بدء الجوع يهد الاجساد ويسيطر على الحديث وعندما اصفرت الشمس واخذت طريقها للغروب خيم الصمت على الجميع فلا طاقة ذهنية او جسدية للتبادل الاحاديث ...وحين ارتفع أذان المغرب تذكرنا أننا لم نذق الطعام منذ يومين كاملين ..
    فتح الله على أحدنا فقال " يا شباب عليك بالتسبيح فإنه طعام المؤمنين في أخر الزمان حين يحاصرهم الدجال بالجوع .
    انهمك الكل في التسبيح والتحميد والتهليل حتى ارتخت الجفون ونامت العيون برحمه الله
    وفي صباح اليوم الثالث لم يكن من حديث سوى عن الطعام و تفسير تركنا بلا طعام لثلاثة ايام متواصلة ...قال أحدهما ربما نسونا وقال الاخر ربما يخططون لقتلنا جوعا وقال ثالث يا أخوة لو مت قبلكم فانا أحل لكم جسدي فكلوه كي لاتهلكوا فرد أخر مازحا :لا يا عم أنا أموت أحسن وعلق ثاني طب احجزلي الكتف!
    وبدءت دورة جديدة من التنكيت والتعليقات الساخرة في محاولة مستميتة لهزيمة الجوع القاسي .
    وقبل انتصاف النهار وقف أحد المخبرين على نافذة باب الزنزانة وبدء يسأل عن أسمائنا ..اسرعنا نذكره أننا لم نحصل على أي طعام منذ ثلاثة أيام ... بعضنا حول أن يجعل الامر خطيراً فزعم أن معنا مرضي قد يموتون بسبب هذا فأجاب المخبر بكل برود : طب ما أنا عارف أنكم مكلتوش من ثلاث أيام ..فقال أحدانا طب وبعدين الاكل هيجي امته ؟ فقال المخبر لما الباشا يأمر ..فقلت :أيوه يعني أمته فرد بنفس البرود لما الباشا يجيله مزاج يدخلكم الاكل هتاكلوا .
    تركنا ومضي ونحن في حالة ذهول وغضب ..
    قال أحدنا يا إخواني هو جي يقول الكلمتين دول عشان يهز معنوياتكم ، مش ملاحظين أنه في الاول سال عن الاسماء مع انها مكتوبة على الباب بره وبعدين مشي من غير ما ياخد اسم اي حد
    قال اخر استعينوا بالله واصبروا ..ياله نتغدي تسبيح بقه زي امبارح
    انهمكنا في التسبيح والتكبير بعقل شارد ..ادركنا ان زنازين المعتقل لا تختلف عن زنازين أمن الدولة ..فكلاهما يهدف لكسر نفوسنا والسيطرة علي ارادتنا .
    كان اخطر ما في الجوع انه يشعرك بضعفك وعوزك ويمتهن كرامتك ..احيانا كنت اوشكت على البكاء لشعوري بالمهانة والقهر لكني اتجلد رحمة بإخواني
    صلينا العصر وجلس كل منا في مكانه لا يقوي على الحركة كانت الالسنة تلهث بالتسبيح والتكبير والعيون زائغة والوجوه واجمة ..لم يعد هناك ما يقال ولم يحاول احد ان يقول شيئا
    وحين أصفرت شمس النهار وأيقنا ان ليلة اخرى طويلة وقاسية ستمر علينا ونحن جوعي اذلاء ..فجاء وقف الشاويش على نافذة الباب ومد يده برغيفين صغيرين وصحن صغير من العدس وهو يقول "التعيين" يا شيخ
    هرول احدنا فالتقط الرغيفين وصحن العدس ووضعها على الارض ومد يديه للشاويش ينتظر باقي الطعام فصدمنا برد الشاويش الزاعق خلاص هو ده تعينكم..فقلت له: احنا اربعتاشر واحد !! فرد بغلظة :عارف يا اخوي ..هو ده الاكل الي البيه المأمور صرفه لكم !
    ساعتها فقط شعرت ان الجوع كان أرحم من هذه اللُعاعة التي قد تتصارعها الايدي و النفوس
    وضعت صحن العدس الصغير الذي لا يشبع طفلا والرغيفين النحيفين في وسط الغرفة والجميع يختلس اليهما النظر على استحياء


    قال أحدنا " ياشباب والله ما فعلوا هذا إلا للتحريش بيننا كما يفعل الشيطان فانهم يتصورون أننا سنتقاتل على هذا الطعام ..ولكننا بفضل الله أكبر من هذا ونبينا صلى الله عليه وسلم علمنا كيف نفعل في مثل هذا الموقف ففي غزوة الخندق كان الصحابة يربطون الاحجار على بطونهم لشدة الجوع ثم جاء صحابي ومعه طعام قليل يكفي أربعة أفراد فعرضه على النبي صلى الله وسلم فاخذ النبي الخبر وكسره واطعم منه الجيش بأكمله ببركة من الله ونحن سنفعل مثلما فعل النبي ..ثم قام إلى الرغيفين فقطعهما لقيمات صغيرة وهو يدعوا الله أن يبارك في القليل حتى لا يشمت بنا الطغاة
    تحلقنا على صحن العدس ولقيمات الخبز وكنا نرى أن من أداب الطعام أن يبدأ أكبرنا سنا أولا ..فأخذ أكبرنا لقمة وغمسها في العدس قائلاً بسم الله ولكنه لم يضعها في فمه بل بحركة سريعة وضعها في فمي أنا وهو يبتسم قائلا ستأكل أنت حتى أشبع أنا ، ألا تذكر ابو بكر الصديق حين قال "شرب النبي حتى ارتويت "
    ذهلت من الموقف وظلت اللقمة في فمي حائرة مثلي .. لم يمنعني الذهول من أن أبادله بلقمة أخرى ...وبدأت على الفور أغرب وأعجب مائدة رأيتها في حياتي حتى الان
    كل شخص يمسك لقمة ويضعها في فم أخيه ..لم يضع أحد لقمة في فمه قط رغم قسوة الجوع وقلة الزاد ..كانت البسمة والرضا والسعادة تذيب غصة اللقيمات الخشنة وتغطي على مرارتها ..شعرت بدمعة حارة تنساب على خدي بعدما حاولت كثيراً حبسها فعجزت ..مد احد اخواني يده فمسح دمعتي وقال: اصبر يا اخي الصغير
    فقلت والله لم يبكني سوى تذكري لقول الله تعالى "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها "ربما للمرة الاولى استشعر عظمة هذه الاية الكريمة
    ..بدأنا نقوم الواحد تلو الاخر ونحن نردد الحمد لله الذي اطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين .. حتى قام أخرنا وخلف ورائه بقايا طعام .
    لا أدرى هل كانت معجزة أو كرامة من الله ..أو بركة حلت علينا ..أم هي حلاوة الإيثار حين يكون صادقًا خالصًا ولو على لقمة يابسة بعدس مر..أم هي روح المجاهد التي تأبي أن يشمت بها الطغاة
    لم يكن شعور الشبع وحده هو المفرح بل كان الاهم هو شعور الانتصار على كيد الطغاة وتلك الالفة التي ربطت القلوب .
    لم تمضى دقائق حتى لمحت أحد الضباط يقترب خلسة من نافذة الباب ليشاهدنا ونحن نتقاتل على طعامهم المر كما كان يظن ولم أكن لأتركه حيران وهو يرانا نضحك ونتسامر ..أسرعت إلى الباب وعندما اقتربت منه سألني بخبث : الاكل وصلكم يا شيخ؟ .
    فأجبته بابتسامة أشد خبثا ..آه وكلنا وشبعنا الحمد لله ..وبعد اذن حضرتك في شوية أكل عندنا زيادة لو ممكن نبعتهم لزنزانة تانية ؟
    فرد :بتهزر
    فقلت له لا والله العظيم ...حتى بص حضرتك
    لم يجيب بل نظرة إليّ لبرهة وعندما أدرك صدقي و مغزى ابتسامتى تمعض ورفع شفته العليا من الجهة اليسري وأدار ظهره وانصرف ..فكانت فرحتنا بغيظه وكمده أكثر من فرحتنا بانتصارنا على الجوع وسمونا فوق متاع الدنيا ..كل متاع الدنيا ...وساعتها فقط أدركت أن مبارك كان محقا في خوفه من شباب الاسلام حتى لو كانوا صغاراً.




  6. #6
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    معتقل الفيوم الصحراوي عام 1996 ...تقرير لأمن الدولة يرصد الحالة النفسية المرتفعة للمعتقلين وبناء على التقرير تصدر أمن الدولة قرارات صارمة بالتالي:

    1- مصادرة جميع المصاحف من المعتقلين ومنع دخول أية مصاحف لهم -فضلا عن الكتب الممنوعة مسبقا بما فيها الكتب الدراسية -
    2- منع دخول أي ملابس او اغطية للمعتقلين خلاف الخاصة بالسجون والمعروفة برداءتها الشديدة ومصادرة جميع الملابس الموجودة لديهم
    3-اختصار وقت زيارة الاهل إلى أقل من خمس دقائق
    4- مصادرة محتويات زيارات الأهل بما تحمله من اطعمة ومشروبات وملابس وخلافه باستثناء وجبة واحدة يتم اعطائها للمعتقل في كفيه بدون أية اكياس أو اطباق
    5- مصادرة جميع المصابيح الكهربائية من الزنازين وإبقائها مظلمة تماماً بدون مصدر للإضاءة
    بعد هذه الاجراءات بأسابيع قليلة
    شاويش يجد ورقة مكتوب فيها بعد الاشعار التي تحث على الصبر والثبات فيقدمها لضابط أمن الدولة ..الذي قام بإبلاغ إدارة الجهاز على الفور
    وفي صباح اليوم التالي ..تقوم مصلحة السجون وجهاز امن الدولة بحملة تأديبية على معتقل الفيوم الذي يضم قرابة الـ20 الف معتقل اسلامي
    وقتها كنت حديث الاعتقال ..حين أيقظني أحد الإخوة وهو يقول :"تفتيش يا أخي ..ربنا يستر" ..نظرت حولي فوجدت الجميع في حالة من الارتباك والحركة السريعة ...هذا يخفي ملزمة ورقية صغيرها تحتوي بعض أجزاء من القران الكريم ..والأخر يقوم بغسل الحائط من بعض الأيات التي كتبها على الحائط عن من يحفظها حتى يستطيع هو حفظها ...وثالث يخفي شفرة حلاقة مهربة نستخدمها جميعا للنظافة الشخصية ..ورابع استقبل القبلة ورفع يديه للسماء يطلب الرحمة من الله تعالى .

    لم اكن ادرك سر هذا القلق والذعر حتى ُفتح باب العنبر الذي يضم 18 زنزانة ...كان أول ما سمعته صوت كلاب تنبح بشراسة ..ثم بدء العساكر يطرقون أبواب الزنازين بعصيانهم بقوة لإحداث حالة من الرعب في قلوب المعتقلين المفزوعين أصلا
    كان العساكر يسبون ويتوعدون ويهددون وكأنهم على أبواب معركة كبري
    قام أحد الضباط بالمرور على جميع الزنازين لإلقاء التعليمات ...كانت ثلاث كلمات يكررها امام كل زنزانة :
    1-الكل يخلع ملابسه تماما باستثناء "الشورت" الداخلى
    2-.كله يعصب عينيه عينه جيدا
    3- كله يقف ووجهه للحائط في الجهة المقابلة للباب

    ثم فتحت أول زنزانة في العنبر سمعت الضابط يصرخ : كله يطلع بره ..بره بره يا ابن كذا وكذا انت وهو ..بعد هذه الجملة بثواني أنفجرت صرخات جماعية رهيبة لم أسمعها من قبل ..ارتفعت صرخات المعتقلين فشقت عنان السماء واختلط معها نباح الكلاب وصوت الصواعق الكهربائية وكانت لسعات العصيّ أكبر من أن تختفي وسط هذا المزيج المرعب ..نظرت في وجوه إخواني في الزنزانة فوجدتها مرسومة بالرعب والفزع ... الالسنة كلها تلهث بالدعاء ..كان قلبي يخفق بسرعة غريبة ..احاول السيطرة على أعصابي فأفشل ..شعرت بألم حاد في معدتي ..وقفت أمام دورة المياه في طابور من خمسة معتقلين ..شعروا بسوء حالتي وصغر سني وقتها فأدخلوني ..في الحمام حاولت أن أسيطر على نفسي وأن أتنفس بعمق ، أن أصم اذني عن هذه الاصوات القاتلة التي تزلزل قلوبنا منذ أكثر من نصف ساعة متواصلة
    اختفت الاصوات فجأة ..خمس دقائق ..ولد في قلبي أمل أن يكون الطغاة قد رحلوا ... ثم بدء نفس الصوت الوحشي يصرخ من بعيد ..كله يطلع بره ..بره يا ولاد كذا..وبدء الصراخ يعلوا
    من جديد ..عرفت وقتها أن الصراخ الاول خاص بأهل الزنزانة الاولى فقط ..والثاني بأهل الزنزانة الثانية وهكذا ...كل زنزانة تفتح بمفردها ..يخرج منها قرابة العشرين معتقل فتنهال العساكر والكلاب والضباط والمخبرين عليهم ضربا وصعقا وحرقاً بالسجائر ونهشا من الكلاب لمدة تتراوح بين 30 أو 40 دقيقة كاملة ثم يسحبون ويلقون في الزنزانة التي لم يعد فيها شيء سوى الارضية الخراسانية الغارقة في الزيت والصابون وبقايا الطعام والملابس
    ساعات طويلة وثقيلة مرت وأنا أقف على قدمي معصوب العينان ومجرداً من ملابسي ووجهي للحائط بانتظار دوري في السلخانة البشرية ..كان الهول أكبر من الشعور بالتعب ...كان الهول أكبر من الشعور بالعري ..كان الهول أكبر من الشعور بالجوع والعطش ..كان الهول أكبر من الحياة نفسها ...
    وسبحان الله في وسط هذا الهول المستعر كنت أجد كفاً حانية تربط على كتفي قائلة "اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ "
    كان الجميع يعلم أني أصغرهم سنا ..وأحدثهم سجنا وهذه أول مرة أتعرض فيها لمثل هذا الموقف الذي تكرر عليهم عشرات المرات من قبل .
    بدء الصراخ يقترب شيئا فشيئا وأدركت أني على بعد ساعة واحدة فقط من الدخول في هذه التجربة القاسية المفزعة .
    كشفت العصابة عن عيني وقلت ولاخواني ..كيف نستسلم لهذا ؟ ..أنتركهم يقتلوننا بهذه الوحشية دون أن نقاوم ..اذا كنا سنتعذب وسنجلد فلماذا لا نشتبك معهم فنضرب ونضرب !؟
    أثارت هذه الكلمات استيائهم بشدة ..قال أحدهم يا أخي لو فعلنا هذا سنقتل وسيقتل كل من في المعتقل
    وأردف أخر: يا اخي حاول الاخوة في سجن الوادي الجديد المقاومة فقتل منهم اكثر من سبعين اخ
    احدهم حاول تخفف قلقي فقال : بص يا أخي أنت لما كنت في الابتدائية مفيش مرة كسلت تعمل الواجب و رحت تاني يوم المدرسة وانت عارف ان الاستاذ هيضربك ..قلته حصلت كتير ..قالي .. أعتبر الي هيحصل كمان شوية حاجة زي كده بس الفرق اننا هنضرب عشان عملنا الواجب وعلقة تفوت ولا حد يموت ...لم اكن اصدق أني استطيع الضحك في مثل هذا الموقف لكني بالفعل ضحكت وضحك الناس حولي ..حقيقة كانت ضحكاتهم مريرة تشبه البكاء ..بدء الكل يبتسم في وجه الاخر ابتسامة متكلفة تحاول جاهدة اضفاء الطمأنينة وإخفاء الفزع الذي يغلى في الصدور
    انتقل الصراخ إلى الزنزانة المجاورة تماما لنا ..كان اشد فزعا ورعبا وقسوة مما سمعناه من قبل ...الكل انهمك في الدعاء والذكر ..خالجني شعور حزين اني ساخرج من الزنزانة ولن اعود اليها بل ساموت تحت وطاة التعذيب ..تذكرت أبي وأمي وطفرت دمعتي أني سأموت غريباً حبيساً وسأسلم لأبي جثة هامدة تدفن تحت جنح الليل وسط حراسة مشددة كما هي العادة ولن تستطيع أمي وقتها حتى أن تقبل جبين جثتي الباردة او حتى تراها لان العسكر سيمنعونها

    أغلق باب الزنزانة المجاور لنا وساد الصمت كثيفا وثقيلا على الجميع ..كنت أسمع دقات قلبي وأشعر به يقفز من صدرى فزعا
    سمعت قرع نعال الطغاة يقترب منا وفجاة صرخ الصوت الوحشي في زنزانتنا ..شد الغماية على عنيك يا ابن كذا انت وهو ... كان السباب فاحشا وقاسيا يؤلمني أكثر من صراخ المعتقلين المعذبين رددت في نفسي بل"أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ"

    فتح باب الزنزانة وصرخ الصوت القاتل مرة أخرى بره يا ابن كذا بره ..بره ..
    وضع كل منا يده على كتف أخيه وخرجنا في طابور واحد بمجرد أقترابي من باب الزنزانة هوت على ظهري عصى فشعرت أنها شقته نصفيين ..توقف لبرهة مشلولا من الالم فدفعني أحد الاخوة أمامه وقفنا جميعا أمام الزنزانة وجهنا للحائط وظهورنا للجنود الذين الهبوها ضربا بالسياط والعصيّ .
    كان الجنود يصرخون كسكاري في حلبة قتال و كانت السياط تنهال على ظهورنا تزاحمها العصّي والصواعق الكهربائية وإعقاب السجائر المشتعلة ..فقدت الشعور بالزمن والواقع وبكل شيء باستثناء الالم الرهيب
    كان العسكري يهوي على رأسي بعصى غليظة وهو يصرخ قائلا : نظم ..لم افهم المراد فظل يهوي بقسوة على ظهري وهو يصرخ بنفس الكلمة المبهمة
    اقترب جندي اخر مني وسألني : أنت لسه جديد ؟
    قلت:ايوه
    قال طيب ارفع ايدك لفوق واجري في المحل وانت واقف
    كان هذه هي الحركة الاشهر في المعتقلات و التنظيم هو ان يقف يقف المعتقل ووجهه للحائط وعيناه معصوبة يرفع يده لاعلى ويحرك قديمه بسرعة كأنه يجري بينما تهوى الصواعق الكهربائة والعصى الخشبية والمطاطية واعقاب السجائر ومخالب وانياب الكلاب البوليسية على ظهره ..ولم يكن هذا هو كل العذاب
    كان هناك شاويش يمسك كلبا ضخماً ويمر به علينا فرداً فردًا يسأل المعتقل :أسمك ايه ..فيجيب المعتقل باسمه ..فيرد الشاويش لأ ... أنت
    اسمك "العاهرة "فيفي عبده ..ها ..اسمك ايه ؟ ثم يغمز الكلب فيقفز على ظهر المعتقل بمخالبه الحادة ولا يتركه حتى ينطق بما يريد
    صعقت من الموقف لم اصدق اذني أن هذا يحدث .. صرخ أحد الشباب بجواري مباشرة والكلب ينهش ظهره ..أسمي محمــــــــــــد ... أسمى محمـــــــــد ..
    كان الشاويش يقسو عليه وهو يجيب : محمـــــــــــــــد إن شاء الله ...محمــــــــــــــد أن شاء الله .

    كان يبكي بحرقة وهو ينطق باسمه ويقدم المشيئة استعانة بالله و رجاءً أن يثبت قلبه
    كان الشاويش ميت القلب يصرخ فيه كل مرة:اسمك "العاهرة " ليلي علوي يا ابن الزانية ... بكيت وأجهشت في البكاء لحال أخي ...كان العسكر قد تحلقوا علي هذا المعتقل بكل ما يملكون ..وهو يصرخ تحت أيديهم وأرجلهم وعصيهم وكلابهم ..محمــــــــــــــــــد إن شاء الله ..محمـــــــــــــــــــــد إن شاء الله .
    وفجأة وجدتني تلقائيا أصرخ بأعلى صوتي ...يا رحمـــــــــــــــــن يا رحمــــــــــــــــــــــــن ....يا رحمــــــــــــــــــــــن
    كنت أصرخ رغما عني ..فزع الجنود واحسست بارتباكهم أحدهم وضع الصاعق الكهربائي في ظهري وهو يصرخ "أسكت با أبن الكلب" وسمعت الضابط يزعق هات الحلاق لأولاد الكلب دول ..تقدم الشاويش بكلبه مني وقال: قول يا ابن كذا اسمك المومس فلانه - أسم ممثلة مشهورة بالعري والفاحشة -
    كان لساني يصرخ رغماً عني يا رحمــــــــــــــــن يا رحمـــــــــــــــن ..يا رحمــــــــــــــــــــــــــــن
    هوت على ظهرى عصيان عدة وأيدي شتى ولم استطع ان اوقف لساني عن الإستغاثة بالرحمن جلا وعلا
    اقترب مني شخص وصفعني على ظهري بقوة وقال اجلس ..جلست وأنا اشعر بمكينة الحلاقة تأكل شعري وتقتلعه من المنتصف وترسم صليبا على راسي
    مر الضابط خلفي بالصاعق الكهربائي وسألني عندك كام سنة ..قلت 18 سنة ..قال مين الي بيأذن للصلاة في العنبر؟
    أجبت معرفش ..صعقني في ظهري بقوة ثم مضي إلى باقي المعتقلين
    غرقت بين رحى العذاب حتى أمسك جندي بيدي وقدمي والقاني داخل الزنزانة ثم اغلق الباب
    رفعت العصابة عن عيني ونظرت فوجدت جميع إخواني ملقون على الارض الخراسانية ودمائهم تنزف وجروحهم تثعب ..حلقوا لحاهم جميعا ورسموا صلبان على رؤوسهم
    كانت الاجساد زرقاء ودامية وعارية ..مبللة بالعرق والدماء وبقايا الشعور المحلوقة ..الجميع مطروحون على الارض بلا أدني قدرة على الحراك ..لا يتحرك فيهم سوى السنتهم التي ما تزال تلهث بذكر الله ... زحف أحد الاخوة إلى دورة المياه وجاء بجردل كبير مملوء بالمياه وألقاه علينا وقال مازحا : " نعيماً يا رجاله"
    انفجر الجميع بالضحك الهستيري ..علق أحدهم قائلا ..إلا قولي يا اخويا ..هو أنا كشفت ولا لسه ؟
    نظر أخر أليّ وقال ..عشان تبقه تعمل الواجب بعد كده ..ضحكنا كما لم نضحك من قبل
    وحين وضعت يدي على وجهي كنت احاول أن أتغلب على دمعتي الساخنة لكنها أبت على الا أن تزرف رثاء على طلبة الجامعة وحفظة القرأن خيرة شباب مصر وما يحدث لهم في معتقلات مبارك لأنهم فقط قالوا "ربي الله "




  7. #7
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    عكس الدنيا جميعا كان رمضان لنا في معتقلات مبارك شهر تجرع الالام واجترار الاحزان حيث يتذكر الجميع إجتماع أسرته التي حرم منها على مائدة الافطار ومرافقة الاصحاب للم
    ساجد وأحاديث السمر في لياليه العطرة
    وفي المقابل كان شعور الفقدان والوحشة يملئ حياة الاهل وينغص عليهم فرحتهم بالشهر الكريم
    كانت أمي مثلا ترتدي السواد في رمضان وتضع مائدة الافطار ثم تجلس باكية عليها حتى تقوم بلا طعام ويخبرني أبي أنها لم تصنع لهم أي صنف من الاطعمة التي أحبها طول فترة اعتقالي التي دامت لست سنوات . وكان هذا حال الالاف من الاسر المنكوبة
    لكن أصعب ما في مضان علينا هو ذلك المصحف المحرمون منه ..ففي شهر القران كنا نتذكر القرأن عن طريق الحفظ فحسب حيث يجلس كل من يحفظ شيئا إلى اخ له لا يحفظه ليقوم بتلقينه وتحفيظه
    وكانت معاناتنا مع الشهر الكريم تبدء من قبل قدومه بساعات حين نظل في معاناة لنعرف متى نبدء الصوم فقد كان ممنوعاً على الحراس أن يخبرونا بأي تاريخ أو حدث
    كنا نتحايل على الحراس لنعرف متى يبدء الشهر خاصة في المعتقلات المتطرفة مثل معتقل الوادي الجديد ولازلت أذكر حين أخذتني الشجاعة فقلت لأحد الحراس حين وجدته يقف وحيداً أمام الزنزانة : يا شاويش شكلك منور من الصيام وصلاة التراويح !!
    فهز رأسه قائلا بخبث وهو يدرك قصدي : هو أنا لحقت ده هما يومين بس الي صمناهم !! ..وكانت هذه اشارة ان حساباتنا خاطئة وان رمضان قد بدء منذ يومين

    وأما في المعتقلات القريبة من العمران كنا نحدد الشهر الكريم من خلال قرأن المغرب الذي تذيعه بعض المساجد القريبة نسبيا من المعتقل .

    ومازالت أذكر أحد المجرمين واسمه "أحمد مصطفي حجاب" وهو ضابط بمعتقل دمنهور كان لا يحلو له تجريد المعتلقين من ثيابهم وصعقهم بالكهرباء في الاماكن الحساسة وتمزيق أجسادهم بالكرباج الا في شهر رمضان حتى إننا كان نتهكم فنقول لو أحمد حجاب ضربنا بكرة الصبح يبقه احنا في رمضان وعليكم بخير يا جماعة !!
    ولم يكن العذاب ليقف عند هذا فكان الحراس يستغلون خمول الضباط في مكاتبهم المكيفة ليبدء فصل جديد من الاجرام
    في أحد الاحد أقترب من باب الزنزانة أحد المخبرين وقال فين الشيخ ابوعمر – يقصدني – قمت إلى نافذة الباب لاحدثه فقال لي :رمضان كريم يا شيخ .. أنا عارف والله انكم محتاجين مصحف واحنا في شهر كريم ..انا جبتلكم مصحف عشان تقروا قران بس بالله عليكم تدعولي وتدعوا لولادي
    كنت اعرف هذا الصنف من البشر فالمخبرين دائما شر الخلق واشد فحشا وبطشا وكنت أدرك انه أتي ليبيع لنا نسخة من المصحف لحاجته للمال وليس رحمة بنا
    تفاوضنا على السعر الذي استقر عند خمسون جنيها بينما تباع مثل هذه النسخة بحوالي ثلاث جنيهات فقط أعطيته النقود واعطاني المصحف ..ثم شعرت بريبة في قلبي من الامر فطلبت من باقي المعتقلين تفكيك ملازم المصحف وربطها جميعا بخيط ثم إخراجها من النافذه خارج الزنزانة وربط طرف الخيط باحد القضبان حتى يمكننا سحب المصحف مرة اخرى إلى داخل الزنزانة ..انقسم اللاخوة في الزنزانة إلى مؤيد ومعارض لكن في النهاية كان الحصول على نسخة من المصحف أمر لا يمكن المغامرة بفقده
    ولم تمضي سوى نصف ساعة حتى حدث ما توقعته
    ضابط أمن الدولة وضابط مباحث السجن مع قوة الاقتحام وعدد كبير من المخبرين والحراس يقتحمون الزنزانة للبحث عن المصحف !!
    جردونا من ثيابنا وأبرحونا ضربا وصعقا بالكهرباء وقاموا بتفيش الزنزانة فلم يعثروا على المصحف ..تقدم الرائد محمد شعبان رئيس مباحث معتقل الفيوم وقتها وسأل أحد المخبرين أنت شفت المصحف مع مين ؟
    تقدم المخبر وكما توقعت كان هو نفسه الذي باع لنا المصحف قبل ربع ساعة ..وبالطبع أشار إلىّ فكذبته ونفيت تماما هذه "التهمة "
    أمر الضابط بوضعي في التأديب لمدة اسبوع
    والتأديب عنبر مخصص لمعاقبة المساجين حيث يوضع المعتقل في زنزانة صغيرة جدا لا تتجاوز المتر ويمنع من دخول دورة المياة الا مرتين يوميا فقط ويعامل بقسوة طول فترة بقاءه
    وفي اليوم التالي حضر المخبر الذي باع لنا المصحف إلى التأديب وسألني بكل صفاقة : فين المصحف ؟ هات المصحف وانا اخلي الباشا يخرجك دلوقتي !!
    قلت له : انت غلطان احنا معندناش مصاحف في الزنزانة
    فقال :طيب قولي أنت خبيته فين وأنا والله ما هاخده منكم
    فاعدت عليه نفس الاجابة : صدقني احنا معندناش مصحف اصلا عشان نخبيه

    خرج المخبر وظللت بعدها ستة أيام في التأديب ثم عدت لزنزانتي القديمة وهناك أخبرني اخواني أن مباحث السجن قامت بتفتيش الزنزانة ثلاث مرات لاحقا بحثا عن "المصحف " الذي كنا نخبئه طيلة النهار ونخرجه قبل غروب الشمس بعد اغلاق السجن تماما وذهاب الضباط والمخبرين لبيوتهم
    لم أستطع ان أشي بالمخبر لان هذا يعني اعترفا ضمنيا بامتلاكنا نسخة من المصحف الكريم ومصادرتها ولهذا كان علينا ان نحتمل العذاب والبلاء ونحن صامتون

    في رمضان أيضا كان الطغاة يتفنون في تنغيص حياتنا وكان الطعام وسيلتهم المفضلة في هذا فكنا لا ناكل سوى الفول والعدس وكان الطعام يأتي على وجبتين
    الاولى وجبة الافطار في الثامنة صباحا والثانية وجبة الغداء في الثانية ظهرا
    وفي رمضان كانت نفس الوجبات تاتي ودفعة واحدة في العاشرة صباحا بسبب كسل العمل والحراس
    كان الطعام كثيرا ما يفسد بسبب تركه أمام الزنازين لساعات طويلة ونكتفي بأكل الخبز وحده على الافطار والسحور
    في أحد الليالي من شهر مضان سنة 97 – وفي زنزانة رقم 13 بعنبر 9 بمعتقل الفيوم تناولنا العدس على الافطار وصلينا التراويح ونمت بعدها مباشرة لاستيقظ على صراخ باقي المعتقلين بسبب الاسهال والالم الحاد الناتج عن تسمم العدس الذي تناولناه على الافطار
    كان المشهد يذكرني بانتشار الكوليرا في العصور الوسطي ..الجميع يشكوا من حالة اسهال مزمن ..والمكان يضج بصرخات الالم ..دورة المياة الوحيدة لم تسعفنا فقمنا بعمل اربع دورات اخرى في اركان الزنزانة وسترناها بالبطاطين ..فجاة شعرت بسكين تمزق احشائي ..أدركت اننا جميعا أصبنا بحالة من التسمم ..أجبرني الالم أن اختف وراء أحد هذه البطاطين ..بعد أقل من ساعة بدت أصوات المعتقلين تعلو من زنازين أخرى وبات مؤكداً أنها حالة تسمم جماعي
    ظللنا نصرخ على الحراس من منتصف الليل حتى الصباح ولا مجيب كانت الزنازين تموج بالغائط بينما استلقي المعتقلون في أحد الجنبات لا يقوى أحدهم على الحراك ليغسل الزنزانة وقد اختنقنا من العراق والرائحة الكريهة فيها
    تحامل بعضنا على نفسه وحاول تنظيف الزنزانة لكنها عادت كما كانت خلال دقائق بسبب الاسهال المستمر لاكثر من عشرين معتقل داخلها .
    اوشك الفجر على الاذان شعرنا وقتها بالموت المحتم فشربنا الماء ونوينا الصيام عسى أن نموت ونحن صائمون .
    في الساعة التاسعة صباحا فوجئنا بالرائد محمد شعبان رئيس مباحث السجن ومعه القوة الضاربة – وهي مجموعة من العساكر المسلحين بالعصي والدروع والصواعق الكهربائية- يتقحم الزنزانة ويقوم بسحب المعتقلين الذين لم يستطيعوا القيام من المرض ثم ينهال علينا ضربا وجلدا وصعقا هو يتسأل بغلظة
    : في حد عنده تسميم ؟
    كنا نعلم جميعا أنه يسأل على سبيل التحدي وأن من يجيب سينال قسطاً خاصة ومميزاً من التعذيب لكن خطورة الموقف دفعت أحد المعتلقين للصراخ في وجهه : :ياباشا احنا بنموت من امبارح وبص حضرتك على الزنزانة
    وكما توقعنا نال هذا المعتقل نصيبا قاسيا من التعذيب وامره الضابط ان يقوم بغسل الزنزانة كلها بالماء قبل اعادتنا إليها
    وبعد نصف ساعة من الصعق والجلد للمرضى الصائمين اعادونا للزنزانة
    ومعنا أربع اقراص "فلاجيل" مطهر معوي
    احترنا في هذه الاقراص الاربع كيف نعطيها لاكثر من عشرين معتقل كلهم مريض ؟
    في النهاية قررنا اذابة هذه الاقراص الاربع في زجاجة مياة ويشرب كل معتقل منها رشفة على الافطار .. وقد كان

    وظللنا بعدها وحتى نهاية رمضان لا نتناول سوى الخبز وحده على الافطار والسحور خوفا من التسمم وكنا نحلى خبزنا بالنكات والطرائف حول جدوى الصعق في الكهرباء في علاج التسميم من الناحية الطيبة ومدي امكانية توفير صواعق كهربائية في الصيدليات بدلا من الحقن والادوية !!

    يتبع
    ـــــــــــــ




  8. #8
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    مازالت السلسلة، والحلقات متواصلة
    تلك عينة مما كان يحدث في سجون مبارك، وزبانيته في حق الشعب المصري
    تابعونا:





  9. #9
    عضو نادي الالف والفائزة بالمركز الثاني مكرر بمسابقة اجمل تصميم لسوريا الجريحة الصورة الرمزية غــ؍₰ὄᶉἅ₯ــ؍ݫهـ؍
    تاريخ التسجيل
    17-10-2008
    المشاركات
    5,275

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    لا حول ولا قوة إلا بالله
    الحمد لله إنه نصر الحق
    وأزال الحكم الباطل
    ونرجو من الله عز وجل أن يعين مصر وشعبها
    على إقامة دين الله
    وأن يفرج همهم ويزيل كربهم
    آمين
    شكراً أخي الكريم على الدعوة






  10. #10
    مشرفة سابقة الصورة الرمزية تــــرف
    تاريخ التسجيل
    26-02-2009
    المشاركات
    16,293

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    موضوعك جميل ، يسرد حكايا خفيه

    الحمدلله أن الحق ظهر

    شكرًا لك


    لا إله إلا انت سبحآنك إني كنت من الظالمين ..


  11. #11
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة آنسة درة مشاهدة المشاركة
    لا حول ولا قوة إلا بالله
    الحمد لله إنه نصر الحق
    وأزال الحكم الباطل
    ونرجو من الله عز وجل أن يعين مصر وشعبها
    على إقامة دين الله
    وأن يفرج همهم ويزيل كربهم
    آمين
    شكراً أخي الكريم على الدعوة

    جزاكِ الله خيرًا أختي درة
    سعدنا بمروكِ الكريم




  12. #12
    مشرف الشريعة والحياة

    تاريخ التسجيل
    18-07-2012
    المشاركات
    2,816

    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تــــرف مشاهدة المشاركة
    موضوعك جميل ، يسرد حكايا خفيه

    الحمدلله أن الحق ظهر

    شكرًا لك
    والشكر لكِ موصول
    ربي يحفظكِ، وتلك سنة الله في الأرض أن الحق ينتظر ويظهر،ولو بعد حين
    والحمد لله أن مَكَّنَ لدينه في الأرض




  13. #13
    ادارية الفائزة بالمركز الثالث ثنائية والفائزة بالمركز الأول بمسابقة كوميديا الأبراج 2014 الصورة الرمزية بنت الشـmassaـامـ
    تاريخ التسجيل
    18-03-2011
    المشاركات
    20,377



    رد: من صفحات التاريخ..مذكرات خالد حربي في معتقلات مبارك

    (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون)
    هذا غيض من فيض هكذا الحكم العسكرى ....!
    يدمر البشر والحجر ..ويحرق الحرث والنسل على كل حال نجوت من القوم الظالمين..

    لااملك الا ان اقول
    اللهم انتقم من مبارك واعوانه في الدنيا قبل الاخرة هو وكل ظالم يظلم المسلمين
    واهلك ايضا بشار وزبانيته المجرمين

    روووح المعاني هنيئا لنا بفكرك الراقي
    الذي ينقل لنا ما غاب عن الواقع يوما ما









    شكرا لايد خطت..ومشاعر اهدت




+ الرد على الموضوع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 0 (0 من الأعضاء و 0 زائر)

     

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك